الدرس في شرح الشمائل المحمدية 2، تابع: باب ما جاء في خَلْقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض الشيخ ترجمة الراوي وكيع بن الجراح مبيناً مكانته في الحفظ والإتقان وزهده في الدنيا حتى رفض القضاء. ونقل ثناء الإمام أحمد وغيره عليه وقصة الشافعي معه في ترك المعاصي لحفظ العلم.
أبرز المقطع مكانة سفيان الثوري كإمام في الحديث وزهده وفراره من القضاء ثم انتقل لشرح حديث البراء بن عازب في وصف شعر النبي صلى الله عليه وسلم وبيان أقوال العلماء في الجمع بين أوصافه. وذكر الخلاف في حكم لبس الحلة الحمراء.
يبرز المقطع مكانة الإمام البخاري العلمية ومنهجه الدقيق في تأليف صحيحه الذي استغرق سبع عشرة سنة مع تبجيل الإمام مسلم له. ويسرد محنته مع والي بخارة بسبب رفضه تخصيص العلم لأولاد الوالي وافتراء القول بخلق القرآن عليه.
أكد الشيخ أن من اتقى الله وأطاعه واجتنب معصيته وحفظ حدوده لم يضره ما يُقال فيه. واختتم بالدعاء بالتوفيق لما يحب الله ويرضى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أخذنا في الشمائل الدرس السابق ثلاثة، الحديث الأول حديث أنس بن مالك. طيب، نسأل بعض الأسئلة: كيف كان طول النبي عليه الصلاة والسلام؟ كان ربعة من الرجال، ليس بالطويل ولا بالقصير. كيف كان لونه؟ كيف كان لونه عندك؟ أبيض مشرب بحمرة، ليس بالآدم ولا بالأبيض الأمهق. كيف كان شعره عليه الصلاة والسلام؟ كيف كان شعره؟ ليس بالسبط ولا بالقطط، الجعد، ولكن بين ذلك. متى بعثه الله عز وجل؟ على رأس الأربعين سنة. كم مكث في مكة؟ ثلاثة عشر عاما. وفي المدينة؟ عشر سنوات. توفي وهو ابن كم؟ النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة وستين عاما. كيف يمشي؟ مشيه عليه الصلاة والسلام... ها، ها، يتكفأ، كان يمشي إلى الأمام، يرفع رجلا ويضع الأخرى، ولا يسحب رجليه كمشي المتبختر. ذكرنا الجمة، ما هي الجمة؟ الشعر إلى أين يبلغ؟ إلى الوراء، إلى أين بالضبط؟ إلى الأذنين. هذا جمة. يسمى... أخطاتها... ها، ها... إلى المنكبين، إلى المنكبين. وذكرنا الوفرة، ها، الوفرة عندك إلى شحمة الأذنين. وذكرنا اللمة، ما بينهما، ليس إلى المنكبين ولا إلى الأذنين، لكن وسط بينهما. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمود بن غيلان، وهو ثقة، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح، أبو سفيان، وهو ثقة حافظ عابد. ووكيع إمام من أئمة المسلمين، وكان رحمه الله تعالى يمتاز بالحفظ والورع والزهد والعبادة، وكان الإمام أحمد رحمه الله يفضله على كثير من الشيوخ كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد. كان رحمه الله زاهدا في الدنيا، عرض عليه القضاء فامتنع، وكان صاحبه حفص بن غياث، لما ولي القضاء هجره وتركه وكيع، وهذا يدل على زهده في الدنيا، وأيضا في من يرغب في الدنيا. وقال إسحاق: كان حفظه طبعا، وحفظنا بتكلف، يعني طبعه الله عز وجل على الحفظ، آية من آيات الله، وكيع. حتى قال علي بن خشرم رحمه الله تعالى: رأيت وكيعا وما رأيت بيده كتابا قط، إنما كان يحفظ. رأيت وكيعا وما رأيت بيده كتابا قط، إنما كان يحفظ، رحمه الله تعالى. ولقد سألته عن دواء الحفظ، متعجبا من وكيع كيف يحفظ، سألته عن دواء الحفظ، فقال: ترك المعاصي. ما رأيت أشد، أو ما رأيت شيئا مثل ذلك، يعني مثل ترك المعاصي. حتى قال الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاصي. فنصح بترك المعاصي لأن المعاصي سبب لذهاب العلم. وقد جاء عن غير واحد من السلف يقول: إني لا أنسى الشيء إلا أذكره بسبب معصية فعلتها. فإذا نور العلم لا يهدى إلا لأهل الورع، ولأهل التقوى، ولأهل العبادة والطاعة. وقد وصف هذا الرجل وكيع رحمه الله بأنه كان يسرد الصوم، يسرد الصوم يعني يصوم الدهر، وكان يقرأ في الليلة الواحدة القرآن كله، يقرأ القرآن في ليلة واحدة. هذا وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى، إمام من أئمة المسلمين، كان يحفظ مئات الأحاديث وآلاف الأحاديث، حتى أنه قيل له: إنهم غلطوك في أربعة أحاديث، قال: لقد حدثتهم بعبادان ألفا وخمسمائة حديث، إيش؟ أربعة في ألف وخمسمائة حديث؟ يعني من حفظه ألف وخمسمائة حديث ما أخطأ في شيء منها، رحمه الله. وإيش؟ أربعة تساوي في ألف وخمسمائة؟ حتى يلتقطوها عليه، وإنه ما من شخص إلا وهو يدخله الوهم أو الغلط، لكن صوابه رحمه الله أكثر من خطئه. ولهذا وصف وكيع بما وصف من الحفظ والإمامة في الدين والورع، وهذا لشدة عبادتهم وصدقهم وإخلاصهم في طلب هذا الحديث، رحمه الله تعالى. بل كان من تحريه أنه إذا روى عن أبيه قرنه بآخر، لأن والده ضعيف، قرنه بآخر. والده ولي القضاء وساء حفظه، فإذا حدث عن والده وهو الجراح، ماذا فعل وكيع؟ ما يحدث عنه بمفرده، وإنما يقرنه برجل آخر، من باب الأمانة، الأمانة في الدين. وهذا يعتبر عند هؤلاء لحفظ سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وكان وكيع يلقب بالتنين، كان يلقب بالتنين، يعني الذي إذا جاء أحرق كل شيء. التنين هذا إذا جاء في مكان أحرق كل شيء. جاء مرة عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله تعالى إلى مكة في سنة الحج، وكان العلماء إذا قدموا إلى الحرمين يجلسون للتحديث وللفتيا، فجلس الناس إلى عبد الرزاق، ثم بعد قليل انصرفوا عن عبد الرزاق وذهبوا إلى وكيع، لما قدم تركوا عبد الرزاق وأقبلوا على وكيع. فاستغرب عبد الرزاق: أين الناس؟ أين ذهبوا؟ لماذا لم يحضروا المجلس؟ فسأل عن ذلك، فقالوا: حضر وكيع. فقال: الحمد لله، ظننت أن الناس تركوا حديثي. الحمد لله، ما حسده، وإنما قال: ظننت أن الناس تركوا حديثي. لكن إذا أقبل على عالم آخر هو أعلم مني وأحفظ مني فالحمد لله، قد كفانا، قد كفانا، وجزاه الله خيرا. ما تركوا حديثي عبد الرزاق إلا أنها موجودة عند من عند وكيع رحمه الله تعالى. فلُقب بالتنين، حتى أن عبيد الله بن موسى كذلك، وهو من مشايخ البخاري، كان يحدث في حلقة، فانصرفوا عنه وذهبوا إلى وكيع، فسأل: قال: أين الناس؟ قالوا: ذهبوا إلى التنين، أو قد حضر التنين. خلاص، سكت، ما معه أن يتكلم، لأنه إذا حضر من هو فوقه وأعلم منه وأحفظ منه بحديث النبي عليه الصلاة والسلام كانوا يقبلون عليه، كانوا يقبلون عليه. ولهذا فضله الإمام أحمد رحمه الله تعالى على كثير من الشيوخ، لما امتاز به من الصدق والورع والزهد والعبادة. وهكذا يكون أهل العلم. قال: حدثنا سفيان. سفيان هو ابن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة. هو والده كذلك سعيد بن مسروق ثقة، لكن لكن سفيان إمام، إمام بشهادة أئمة الحديث، لقب بأمير المؤمنين في الحديث، لقبه بذلك يحيى بن معين، سفيان بن عيينة، وشعبة. لقبوه بأمير المؤمنين في الحديث. كان جبل من جبال الحفظ، حتى يقول شعبة: سفيان أحفظ مني. وإذا اختلف شعبة والسفيان فالقول قول من؟ قول سفيان، بلا منازعة. إذا اختلف شعبة والسفيان في حديث، من يقدمون؟ يقدمون سفيان بن سعيد الثوري. وكان كذلك زاهدا في الدنيا، عرض عليه المهدي القضاء، عرض عليه القضاء فادعى أنه أبله، لما دخل... يعني، وكان القضاء بالقوة، إما تتولى القضاء أو السجن. قام وقال: بي بول، بي بول، يعني كأنه أبله. قالوا: اخرجوا، ما هذا؟ جيتموني برجل أبله؟ فخرج، الحمد لله. قالوا: اليوم تدافعون على ماذا؟ على الإمارة؟ يا فرحة الواحد لما يقال له: أنت مسؤول كذا اليوم. لكن سفيان بن سعيد يعرض عليه القضاء فيهرب، حتى قالوا: مات مختفيا من المهدي، رحمه الله. ولما حصل ما بينه وبين أبي جعفر المنصور في أول الدولة العباسية، ماذا قال؟ قال أبو جعفر: إذا رأيتم سفيان فاصلبوه، إذا رأيتم سفيان فاصلبوه. قال لجماعة من الخشابين الذين يصنعون الخشب: فصلحوا هذا الخشب ووضعوه في مكة، لأجل أن يصلبوا سفيان. فنادى المنادي: سفيان بن سعيد، أين هو؟ لأجل أن يصلبوه. وكان سفيان واضعا رأسه على حجر الفضيل بن عياض، ورجليه على حجر سفيان بن عيينة، فقال له: اتق الله يا أبا عبد الله، يعني ذكرانه بالله، اتق الله يا أبا عبد الله. فذكره بالله، فقام سفيان بن سعيد وجاء إلى أستار الكعبة، وقال: برئت من هذه إن دخل أبو جعفر مكة. هذا فيه ماذا؟ فيه ثقة بالله عز وجل، دعا، قال: برئت من هذه، يعني من الكعبة، إن دخل أبو جعفر مكة. قال: فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة. يريد أن يرى أبو جعفر سفيان مصلوبا، يدخل مكة في تلك السنة، لكن الله استجاب دعوة سفيان، فمات أبو جعفر قبل أن يدخل، قبل أن يدخل مكة. وهكذا أهل العلم الأثقياء، عندهم حسن ظن بالله وثقة عالية به سبحانه وتعالى. الإمام أحمد دعا على المأمون، فمات قبل أن يصل الإمام أحمد إلى بغداد، وقد أخذوه، قد أخذوه إلى بغداد، رحمه الله، فدعا على المأمون، فمات. انظروا إلى أهل العلم إذا دعوا على ظالم يريد أن يهدم أصول هذا الدين، فإنهم ربما يدعون عليه، كما ستأتي في مسألة الإمام البخاري رحمه الله تعالى فيما حصل فيما بينه وبين والي بخارة. ما الذي أخرج الإمام البخاري من بخارة؟ ما يريد يخرج من بلده، لكن لما حصل بينه وبين الوالي، وسيأتي إن شاء الله في ذكر ترجمته. فسفيان جبل من جبال الحفظ، قال: عن أبي إسحاق. وأبو إسحاق قد تقدم، هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وهو ثقة، لكنه اختلط بآخره. قال: عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، له شعر يضرب منكبه، ما بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل. لم يكن بالقصير ولا بالطويل. تقدم تفسير اللمة. وفي هذا كما ذكرنا أن وصف شعر النبي عليه الصلاة والسلام باللمة والجمة والوفرة فيه اختلاف، وهذا بحسب الأحوال، كما قال القاضي عياض رحمه الله: قال: والجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه، وهو الذي بين أذنيه وعاتقه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقيل: بل ذلك اختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وهي ما تسمى الجمة، وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين، وهي ما تسمى الوفرة، فكان يقصر ويطول بحسب ذلك. والعاتق: ما بين المنكب والعنق. وأما شحمة الأذن فهو اللين منها في أسفلها، وهو معلق القرط منها. انتهى كلامه، نقله في شرح مسلم. العاتق أين هو؟ العاتق: ما بين المنكب والعنق. هذا المنكب، وهذا العنق، وهذا يسمى عاتق. فكان عليه الصلاة والسلام يخرج شعره إلى عاتقه. وشحمة الأذن هذه هي معلق القرط، يعني ما يعلق فيه من الحلي. قال: في حلة حمراء. قال في القاموس: الحلة بالضم إزار ورداء، إزار يعتزر به، ورداء يسمى حلة، ولا يكون حلة إلا من ثوبين، أو ثوب له بطانة، ما يسمى حلة إلا إذا كان من ثوبين، أو ثوب له بطانة من الداخل. وقال النووي: الحلة هي ثوبان، إزار ورداء. قال أهل اللغة: لا تكون إلا ثوبين، سميت بذلك لأن أحدهما يحل على الآخر، وقيل: الحلة لا تكون إلا الثوب الجديد الذي يحل من طيه، أي من أول مرة، يسمى حلة. حمراء: وصف الحلة بأنها حمراء، واختلف أهل العلم في لباس أهل العلم، في لباس الأحمر، هل يجوز؟ الأحمر الصافي، الأحمر الخالص، في خلاف بين العلماء. ذكر الحافظ سبعة أقوال في هذه المسألة في الفتح، والأحاديث الكثيرة تدل على جواز لبس الأحمر. قال الشوكاني: قد احتج بهذه الأحاديث من قال بجواز لبس الأحمر، وهم الشافعية والمالكية وغيرهم. وقال الحافظ أيضا: جاء الجواز مطلقا عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء، وغير واحد من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل، وطائفة من التابعين. هنا المسألة فيها سبعة أقوال، وسنأتي إن شاء الله إلى ذكر الأقوال السبعة إذا جئنا إلى صفة لباس النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا كان يلبس من الثياب وما ألوانها. سنأتي إلى ذكر هذا، لأنه ذكر الترمذي رحمه الله تعالى في هذا الباب، أي في باب اللباس، أنه عليه الصلاة والسلام نوع، فتارة كان يلبس الأبيض، وتارة يلبس الأحمر، وتارة يلبس كذلك الأخضر، وهكذا. وسنأتي للجمع بين الروايات التي فيها النهي عن لباس الأحمر، وما المراد بذلك، إن شاء الله تعالى في موضعه. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن إسماعيل، وهو الإمام البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبة، هكذا جاء في نسبته. وهذا بردزبة قيل أنه مات على غير الإسلام، إلى أنه مجوسي. ومحمد بن إسماعيل الإمام الحافظ الحجة المتقن، صاحب الصحيح، الذي ألف هذا الصحيح، وتلقاه الناس، علماؤهم وغيرهم، بالقبول، وشهد له بالإمامة في الدين وبالفضل. فليس هناك كتاب أصح بعد كتاب الله عز وجل من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري. وهو شيخ مسلم، شيخ الإمام مسلم، حتى أن الإمام مسلم كان يجل الإمام البخاري رحمه الله تعالى. جاء مرة الإمام البخاري إلى الإمام مسلم، فقبله بين عينيه، مسلم يقبل البخاري بين عينيه، لأنه أستاذه. قال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وشيخ المحدثين، وطبيب الحديث في علله. هكذا يقول المسلم للإمام البخاري رحمه الله تعالى. وهذا من تبجيل وتوقير أهل العلم، تبجيل أهل العلم، فمسلم يعترف للبخاري بالفضل، حتى قيل: لولا البخاري لما راح مسلم، ولا جاء. لهذا الإمام البخاري رحمه الله ألف هذا الصحيح في سبعة عشر سنة. قالوا: وما كان يضع حديثا فيه إلا اغتسل وصلى ركعتين. وكيف كان؟ أو ما هو السبب الذي جعله يؤلف الصحيح؟ قال: كنا حضور، حضور عند جماعة، منهم إسحاق بن راهويه، حضور عنده، جالسون، وكان مجموعة من علماء يقولون: لو أن أحدا قام بتأليف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أخباره وسننه. قال: فوقع ذلك في قلبي، وقع ذلك في قلبه، ليش ما يجتهد؟ فاجتهد رحمه الله وقام بتأليف هذا الصحيح. وكان الإمام البخاري كما قال عن نفسه: أحفظ مئتي ألف حديث صحيح، ومئة ألف حديث غير صحيح. هذا لأنه حافظ من الحفاظ. وما وضع كما قال في كتابه إلا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى من تغل عليه، قال الحافظ: كان الصواب مع من؟ أكثره مع البخاري رحمه الله تعالى. عرض كتابه الصحيح على الأئمة، مثل أحمد بن حنبل رحمه الله، وعرضه على أبي زرعة، وعلى أبي حاتم، فكلهم قالوا: صحيح، إلا أربعة أحاديث، إلا أحاديث يسيرة انتقدوها عليه. قالوا: وصوا مع البخاري رحمه الله تعالى، فيها أنها مسندة موصولة. فانظروا إلى إمامة هذا الرجل. امتحن وابتلي كغيره من العلماء، صار بينه وبين والي بخارة، أنه خرج من بخارة بسبب ماذا؟ ما حصل بينه وبين الوالي؟ قال له الوالي: أريدك أن تعلم أولادي الصحيح، يعني تجلس، يعني تجلس تعلمهم. السلطان يقول له: تعال علم أولادي. قال: لا يسعني أن أخص بالعلم أحدا، هذا العلم للجميع. تريدنا أن أخص أولاده؟ قال: إذا عقد لهم مجلس حتى في الأسبوع. قال: لا. فهذا الإمام بعد ذلك قام على الإمام البخاري، والظالم اسمه أحمد بن خالد، أو هكذا، فقام على الإمام البخاري وآذاه، فخرج البخاري من بخارة، يدعو عليه، يدعو عليه، فمات من دعاء الإمام البخاري. ضيقت عليه، التهم بأنه يقول بخلق القرآن، وما قال ذلك رحمه الله تعالى أبدا. حتى قال: من قال عني أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فقد كذب، وإنما قلت: أفعال العباد مخلوقة، أفعال العباد مخلوقة. لهذا ألف ذلك الجزء المسمى بخلق أفعال العباد، ليرد على المعتزلة وغيرهم من المبتدعة، ويبطل هذا القول. ودافع عنه العلماء، دفاعا منهم الحافظ وغيره، أنه رحمه الله تعالى كان يقول بما قال أهل السنة والجماعة، أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق. وحصل بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي أشياء، كعادة ما يحصل بين العلماء. كان الذهلي ينصح بالسماع والأخذ عن الإمام البخاري، لما قدم البخاري إلى بغداد كان بها محمد بن يحيى، قال: اسمعوا من العبد الصالح. فجاء الناس يسمعون من العبد الصالح، من قدم، قالوا: قدم رجل كبير، من مؤلف الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد بن إسماعيل، قد ذاع صيته، الناس يريدون أن يأخذوا عنه، ربما ما يتمكنون، لكنه وصل إليه الناس، تركوا محمد بن يحيى، راحوا للبخاري. قال: فحصل منهما، حصل كما قال الحافظ: أي تكلم محمد بن يحيى، حذر منه، حذر أبا زرعة وأبا حاتم من الأخذ عن الإمام البخاري، وقال: يقول بخلق القرآن. وهذا ليس بصحيح منه رحمه الله تعالى. والبخاري لإمامته وفضله، ما ترك الرواية عن محمد بن يحيى، مع أنه تكلم فيه، وقال: وهو مظلوم. وهذا يدل على إنصافه. روى عن محمد، عن محمد بن يحيى الذهلي في الصحيح، لكنه لا ينسبه، يقول: حدثنا محمد. هذا في الصحيح. حدثنا محمد، وهو ابن يحيى الذهلي، الذي تكلم في الإمام البخاري، وهو ماذا يعتبر؟ الذهلي هذا من مشايخ الإمام البخاري رحمه الله تعالى. فهذا ما يحصل للعلماء قديما، ويحصل أيضا ماذا في الحديث؟ فلا يحملن أحد الحسد أن يتكلم في أخيه بغير حجة وبغير بينة. فالإمام البخاري إمام، وما ضره ما قيل فيه من الحاسدين أو من الشانئين. إذا عرفت قدر نفسك ما ضرك ما قيل فيك، كما قال الإمام ابن المبارك: قال: يا ابن المبارك، إذا عرفت نفسك ما ضرك ما قيل فيك. اعرف نفسك، اعرف موقعك، مكانتك، منزلتك، قدرك، ما ضرك ما قيل فيك. فإن كنت مفرطا مقصرا مذنبا عاصيا، فإنه سيضرك. وإن كنت غير ذلك، متقربا إلى الله بطاعته، مجتنبا المعاصي، حافظا لحدود الله وحرماته، والله ما ضرك ما قيل فيك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.