الخطبة بعنوان نعمة الامان وعافية الأبدان، والتي كانت بمسجد الفردوس بمنطقة رأس الخيمة بالشحر 19 صفر 1446هـ الموافق 23 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الحديث النبوي أهمية نعم الأمن والصحة والقوت في حياة المسلم، ويبين أن هذه النعم هي الأصول التي ينبغي للمسلم أن يحمد الله عليها. يشير إلى أن من يمتلك هذه النعم فكأنه حاز الدنيا بحذافيرها.
النص يبين أهمية نعم الأمن والصحة والقوت في الإسلام، حيث يشير إلى وعده سبحانه وتعالى للمؤمنين بالأمن والأمان، ويتوعد بأشد العقوبات من يفسد الأمن العام. كما يشير إلى أهمية الصحة والعافية في الأبدان والأجساد.
يتضمن الدعاء نصرة المسلمين المستضعفين في عدة مناطق، مثل اليمن وفلسطين والسودان، مع طلب النجاة والتحرير من العدو. كما يتضمن الدعاء على الأعداء وتمني هزيمتهم وتفريقهم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من الأحاديث المهمة والتي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة بأن يلقي لها بالاً وأهمية ومعرفة، وهو ما ثبت في كتب السنة من حديث عبيد الله بن محصن رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». ففي هذا الحديث العظيم، والذي فيه يخبرنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن أفضل النعم وأجل المنن التي يحبها ربنا جل وعلا للعباد في هذه الحياة الدنيا بعد نعمة الدين، ما جاء ذكره في هذا الحديث من نعمة الصحة والعافية، من نعمة الأمن والأمان، ومن نعمة القوت والطعام، وأن هذه النعم هي الأصول، وأن ما عداها وما سواها فإنما هو يندرج تحتها. قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم» أي في يومه، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان لا يحمل هم رزق غد؛ لأن رزق الغد قد تكفل به الرب وهو في علم الغيب، فإن الله عز وجل قد تكفل برزق كل دابة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. فثق بالله يا عبد الله وتوكل عليه، وخذ بالأسباب، فستأتيك الخيرات والبركات، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإنما من مولود وهو في بطن أمه إلا وقد كتب له رزقه وأجله وعمله. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم آمنًا في سربه»، في سربه قيل: في نفسه، وقيل: في أهله وعياله، وقيل: في عشيرته وقبيلته، وخلاصة الأقوال: آمنًا في حياته، وهذه نعمة من أعظم النعم، نعمة الأمن والأمان. لقد تطلع الأنام لمثل هذه النعمة، النعمة في كل الزمان وفي كل الأعصار، بل امتن ربنا جل وعلا حتى على الكفار أن أسبغ عليهم بنعمة الأمن والأمان، قال ربنا جل في علا: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. وهكذا كان من أثر الإيمان الذي ظفر به أهل الإسلام أن الله سبحانه وتعالى وعدهم بالأمن والأمان، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، لذا فالكل يتطلع لهذه النعمة العظيمة أن تكون يا عبد الله آمنًا مطمئنًا، آمنًا في أهلك، آمنًا في نفسك، مطمئنًا على عيالك، تأمن على روحك، تأمن على عرضك، تأمن على مالك. ومما يدل على عظم هذه النعمة أن الشرع توعد بأشد العقوبات من كان مصدر قلق للسكينة العامة أو كان سببًا لإثارة الرعب والفزع بين المسلمين، قال الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ثم قال عليه الصلاة والسلام مشيرًا إلى النعمة الثانية: «معافى في بدنه»، هذه النعمة صحة الأبدان والعافية في الأجساد من النعم العظيمة التي يمنها الله على من يشاء، أن تصبح يا عبد الله ولا تشتكي من ألم ولا تتوجع من وجع، فما أعظمها من نعمة. قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، هي نعمة كثير مننا من حباه الله جل وعلا بها إلا أنه لا يرفع لها رأسًا ولا يلقي لها بالاً وهو يتقلب فيها ليل نهار، صباح مساء، وهي من النعم العظيمة. بل جاء في السنن قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصحح لك جسدك ونرويك من الماء البارد»، من أولائل ما تسأل عنه يا عبد الله نعمة الصحة والعافية في الأبدان والأجساد. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يسأل ربه جل وعلا أن يديم عليه بنعمة الصحة، فكان من دعائه: «اللهم إني أسألك العفو والعافية»، قال العلماء: العفو هو التجاوز عن السيئات، والعافية هي السلامة من الآفات. وكان من دعائه أيضًا عليه الصلاة والسلام: «اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا»، متعنا يا رب بقوة الأعضاء، بأسماعنا وأبصارنا وهكذا في كل قوانا ما أبقيتنا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «عنده قوت يومه» أي طعام يومه، هذه من النعم أنك يا عبد الله تصبح وتمسي وتجد أن الله سبحانه وتعالى قد يسر لك لقمة عيشك وما به سداد لرمقك، وأن الله عز وجل رزقك من النعم ما تطفئ به جوعتك وضمأك. نعمة عظيمة أن تحوز على هذا الخير، وهذا من أعظم ما من به ربنا على العباد، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾، هو سبحانه هو جل في علاه الذي يسر لنا من الطعام والأقوات ما فيه سداد لجوعتنا. وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يسأل ربه جل وعلا الكفاية في الأرزاق بأن الله عز وجل يغدق عليه من رزقه ما فيه الكفاية لحاجته، فكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، قال العلماء: أي قوت ما يكفيهم. وكان بالمقابل عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الجوع، فقد ثبت عنه في السنن أنه قال: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع»، وإن الإنسان لن يستشعر بقيمة هذه النعمة إلا إذا افتقدها وحرمها. عباد الله، إن هذه النعم الثلاث التي جاء ذكرها في هذا الحديث المفضل ختمها نبينا عليه الصلاة والسلام بأن من حازها قال: «فكأنما حيزت له الدنيا»، وفي رواية: «بحذافيرها»، أي أنه من حاز على هذه النعم الثلاث: نعمة الأمن والأمان، ونعمة الصحة والعافية، ونعمة القوت والطعام، فليعلم أن الله عز وجل قد هيأ له سبل المعيشة من أوسع أبوابها، وأن ما سواها إن جاء أو لم يأت فهو في غنى وكفاية. أقول قولي هذا، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لازلنا مع هذا الحديث العظيم، والذي فيه يخبرنا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عن أعظم النعم يحوزها العبد في يومه وليلته. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم من أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم نجيهم في أرض اليمن وفلسطين والسودان، اللهم نجي إخواننا في أرض غزة، اللهم نجيهم، اللهم بذل حالهم إلى أحسن حال، اللهم داو جرحاهم، وفك أسراهم، وتقبل موتاهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم آمنهم في ديارهم وأوطانهم، اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين والنصارى الصليبيين الحاقدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، واغرف الرعب في قلوبهم، واجعلهم وأموالهم وأسلحتهم غنيمة للإسلام والمسلمين يا رب العالمين. وأقم الصلاة، رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.