عبودية الرحمن بفرائض الإسلام

عبودية الرحمن بفرائض الإسلام

الخطبة بعنوان عبودية الرحمن بفرائض الإسلام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 15 ربيع الآخر 1446هـ الموافق 18 أكتوبر 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام العبودية وأهمية تحقيقها

العبودية لله تعالى هي الغاية من خلق الإنسان وتتطلب الخضوع والتقرب إلى الله بالطاعات. هذا المقام العظيم حث عليه الله ورسله.

أركان الإسلام ومكانتها في العبادة

أركان الإسلام الخمس تشمل الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج، وهي أساس قوام الإسلام ومبانيه العظام. هذه الأركان ينبغي للمسلم الاهتمام بها.

خصائص أركان الإسلام وثوابها

أركان الإسلام قائمة على اليسر وتحمل دلالات على عبودية العبد لله، وتحقيقها يعود بالثواب العظيم. يجب الحرص على أداء هذه الأركان والمحافظة عليها.

الدعاء على الأعداء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً على اليهود والأعداء لتفريقهم وتشتيتهم وجعلهم غنيمة للمسلمين، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وتوجيه المصلين لإقامة الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من المقامات العظيمة والمنازل الشريفة المنيفة في الشريعة الإسلامية مقام العبودية، هو مقام أمر الله جل وعلا به وندب إليه وحث عليه ورغب فيه، بل إن الله عز وجل ما أوجد الأنام من إنس ولا جان إلا لتحقيق هذا المقام، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فالعبودية هو المقام الأسمى والغاية العظمى التي لأجلها خلق الله الورى، وإن الله عز وجل لم يرسل الرسل ولم ينزل الكتب إلا لحمل الناس على عبوديتهم لله، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. واعلموا عباد الله أن مقام العبودية هو ليس بالاختيار، من شاء أقبل عليه ومن شاء أعرض عنه، بل هو حتم وإلزام وفرض وإيجاب، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. قال المفسرون: هذه الآية هو أول أمر في القرآن بالعبودية، وبالمقابل فإن الله عز وجل قد توعد بالعذاب الشديد والنكال الأليم لكل من أعرض عن عبودية رب العالمين، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. عباد الله، كفى بالعبودية شرفًا أن الله عز وجل وصف بها خواص خلقه ومخلوقاته من رسله وأنبيائه ومن ملائكته وأوليائه، فقال الله عز وجل واصفًا الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، أي الملائكة. وقال سبحانه واصفًا الأنبياء والرسل: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنْصُورُونَ﴾، لعبادنا أي الرسل والأنبياء. وصف ربنا جل وعلا الأولياء بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، عباد الرحمن هم أولياءه. فمقام العبودية هو وسام الشرف يجعله الله جل وعلا لمن شاء من خلقه ومخلوقاته من خواصهم. ومما زادني شرفًا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثرية دخولي تحت قولك: «يا عبادي»، وانصيرت لي أحمد نبيًا. عباد الله، إن مقام العبودية لا ينال بالدعاوى والإدعاءات ولا بالأمان والأمنيات، فكم إنسان لربما ادعى أنه عبد لله، وفي حقيقة أمره أنه عبد للشهوات والملذات وعبد للدنيا والأموال، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس». إن تحقيق مقام العبودية لله إنما يكمن في مدى تعبدك وخضوعك وخنوعك لربك، ومدى تقربك لله بأنواع العبادات من طاعات وعبادات، هذا هو التحقيق لمقام العبودية. ولما كان باب العبادة من أوسع أبواب الدين، كان على المسلم اللبيب العاقل الفطن الأريب أن يهتم من العبادات ما كان من أهمها ومن أرفعها ومن أعظمها. وقد دلت الأدلة على أن أعظم العبادات رتبة هي الفرائض والواجبات، وأعني بها أركان الإسلام ومبانيه العظام، والتي تواترت في شأنها أدلة السنة والقرآن: الصلاة والصيام والحج والزكاة من أعظم العبادات التي ينبغي أن تبذل لها الأموال وتفنى لها الأعمار. قال عليها الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان»، هذه هي أركان الإسلام ومبانيه العظام، فلا قوام لإسلامنا إلا من خلالها. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد قيس: «أتدرون ما الإيمان؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وحج البيت، وصوم رمضان، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من المغنم الخمس». وجاء كذلك في الصحيحين من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال الرجل: هل علي غيرها؟ قال نبينا: «لا، إلا أن تطوع»، ثم أخبره بصيام رمضان، فقال الرجل: هل علي غيره؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لا، إلا أن تطوع»، ثم أخبره عليه الصلاة والسلام بإيتاء الزكاة، فقال الرجل: يا رسول الله، هل علي غيرها؟ قال نبينا: «لا، إلا أن تطوع»، فولى الرجل ذاهبًا قائلًا: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أزيد لا أزيد عن هذا لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال عليه الصلاة والسلام: «أفلح أفلح إن صدق». وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الله الجنة ويباعدني عن النار، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا معاذ، لقد سألت على عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». وعن عمر بن مر الجهني قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان، وأديت زكاة مالي، قال عليه الصلاة والسلام: «من مات على هذا كان مع الصديقين والشهداء». وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «خمس من جاء بهم مع الإيمان أدخله الله الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه». عباد الله، إن الأدلة لكثيرة وكثيرة جدًا تدل على عظيم شأن هذه الأركان من مباني الإسلام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، عباد الله، فإن هذه الأركان المذكورة في آيات القرآن والسنة المنشورة المشهورة لهي من الفرائض العظيمة ومن العبادات الجليلة التي بها قوام الإسلام. ولهذا كان من مميزاتها أن الله جل وعلا أمر بها جميع المسلمين من البالغين العاقلين في شرق الدنيا وفي غربها، ومن هم في سهولها وعلى سفوح جبالها، من الرجال والنساء والذكور والإناث، لا فرق فيها بين عربي وأعجمي، وذاك لعظمتها عند ربنا. بل إن الله جل وعلا قد أحبها، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، فهذه الأركان من العبادات المحبوبة والمحمود إلى الله جل وعلا. فإذا كان الله قد أحبها، فكان لزامًا علينا أن نحبها، وذلك بالسعي إليها والتنافس عليها والمحافظة على أدائها حتى نلقى ربنا بها: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. ومن مميزات هذه الأركان مع ما قيل من عظمتها إلا أنها قائمة على اليسر والتيسير، فهذه الصلاة كادت أن تكون خمسين صلاة، فخففها الله جل وعلا فأصبحت خمس صلوات في اليوم والليلة، ما تأخذ من أوقاتنا إلا النزر اليسير. وشهر رمضان هو شهر واحد في السنة كلها، ما يستغرق معنا سوى ساعات النهار، ناهيك عن الإسقاط والإعذار لأهل المرض والأسفار، ومن كان من أهل الرخص والأعذار. وهذه الزكاة مال يأخذ من صاحبه بمقدار ربع العشر، أي أن المال كله يقسم إلى عشرة أقسام، فالقسم العاشر والأخير منه تأخذ منه الربع، هذا مقدار الزكاة من مال مال كله، وهذا طبعًا في حق من بلغ النصاب، وليكون إلا في السنة بعد حوالان الحول عليه. وهذه فريضة الحج، والتي لا تجب على المسلم والمسلمة إلا في العمر كله إلا مرة واحدة، وما تكرر فهو فضل للعبد، ومع ذلك إنما الإيجاب لحق من استطاع إليه سبيلًا. عباد الله، هذه الأركان الأربع مباني الإسلام قائمة على اليسر والتيسير، وعلى الرحمة والشفقة والتيسير لعباد الله الصالحين. ومع ذلك للأسف نجد أن الكثير من المسلمين من لربما يتقاعس عن أدائها وعن فعلها والقيام بها. وأيضًا من مميزات هذه الأركان: الصلاة والصيام والحج والزكاة، أن من وفق إليها فقد أتى ببرهان يدل على عظيم عبوديته للملك الديان. فمن حافظ على الصلاة بأن يؤديها في اليوم خمس مرات في أوقاتها، مع التزامه بشروطها وأركانها، مع الاستمرار عليها بمرور الليالي والأيام واستمرار الأعوام، دل ذلك على قوة إيمانه لربه. وهذا الصيام من أقبل عليه فأمسك عن المفطرات وما تشتهي نفسه من المأكولات والمشروبات، لكنه حبس نفسه شهرًا كاملًا محتسبًا للأجر من الله، دل ذلك على قوة إيمانه وحرص إذعانه لأوامر ربه. وهكذا الزكاة أن تأتي يا عبد الله إلى مالك الذي قد تعبت فيه وبذلت الجهد الجهيد في تحصيله، ثم بعد ذلك تخرج منه جزءًا للمستحقين للفقراء والمساكين، ما ذلك إلا دلالة على قوة إيمانك وعظيم يقينك. وهذا الحج حين أنت تكبدت عناء السفر وتفارق الأهل والوطن وتنتقل بين المشاعر، وغدًا عليك التعب والنصب كل ذلك إرضاء لربك، دل ذلك على قوة إيمانك. فالله الله عباد الله، ولهذا من قام بهذه الأركان كان الله عز وجل قد أعظم له الأجر والثواب. فعلينا عباد الله الحرص على أركان الإسلام وعلى مبانيه العظام، فإن شأنها عظيم وقدرها رفيع، وإنها لمن أعظم البراهين في عبوديتك لرب العالمين، وإن أمرها يسير على عباد الله الصالحين. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم من أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم نجيهم في أرضهم وأوطانهم، اللهم تقبل موتاهم، وداوي جرحاهم، وفك أسراهم، وعاف مبتلاهم. اللهم أيدهم بتأييدك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، واغرس الرعب في قلوبهم، واجعلهم وأموالهم غنيمة للإسلام والمسلمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.