الخطبة بعنوان وانتصف رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 رمضان 1446هـ الموافق 14 مارس 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث بالتأكيد على سرعة مرور الزمن وتقارب الأوقات، مشيراً إلى أهمية استغلال الأيام والليالي في الطاعات. يشدد على ضرورة اغتنام العمر قبل التفريط فيه.
يؤكد على ضرورة استغلال الأوقات في رمضان ومحاسبة النفس على ما فات، مع التركيز على اغتنام الفرص للطاعات والعبادات ومراجعة الأعمال لتحسين الأداء الروحي.
يشير إلى فضل العشر الأواخر من رمضان ويحث على الاستمرار في الطاعة والعبادة، ويحذر من الفتور ويشجع على اغتنام ما تبقى من رمضان في الطاعات.
ينتهي بالتأكيد على أهمية الدعاء في شهر رمضان، حيث يدعو المسلم ربه للمساعدة في أداء العبادات والقبول والعتق من النار، والصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، فإن مما صحت به الأخبار عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة». ففي هذا الحديث العظيم، والذي يخبرنا فيه رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم عما سنجده في هذا الواقع المرير، وما يكون من مرور الأيام تباعًا، وانقضاء الليالي سراعًا، وهذا ما نجده بأم أعيننا، ونلاحظه بما يجري حولنا من تتابع الزمان علينا. فهذا رمضان بالأمس كنا في بدايته وأوله، وها نحن الآن في منتصفه وشطره. فيا سبحان الله، عباد الله، إن هذه الآية والأمارة، والتي أخبر عنها نبينا صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة، لهي من الأمور التي تستوجب علينا أهل الإسلام أن نستخلص منها العبرة والعظات والأحكام. ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾. وإن مما يستفيده الأنام من تتابع الزمان أن نعلم أن ذلك إشارة إلى انقضاء الآجال، كما قال بعض السلف الكرام: «يا ابن آدم، يا ابن آدم، ما أنت إلا أيام، إذا ذهب يومك ذهب بعضك». ما أنت إلا أيام، إن ذهب يومك ذهب بعضك. ومن هنا ينبغي لنا أن نعد حسابًا لهذه الأعمار التي تنقضي، وهذه الليالي التي تذهب بلا عودة، والأيام التي تنقضي بلا رجعة، أن نعد لها ألف حساب، حيث أن الله عز وجل سيسألنا عنها يوم القيامة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل بعلمه». لا تظن يا عبد الله أن ما مضى من الأعمار ومن الليالي والأيام أنها تذهب عليك سدى، بل إن الله جل وعلا سيرتب عليها حساب وعقاب. والأمر كما قال القائل: «ولو أننا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي، ولكن إذا متنا بعثنا، وحينها سنسأل عن كل شيء، سنسأل عن أعمارنا التي انقضت وأوقاتنا التي ذهبت». ولهذا علينا معاشر المسلمين أن نستغل الأوقات قبل أن تنقضي، وهذا الذي أمرنا فيه نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في قوله: «اغتنم خمسًا قبل خمس، ومنها اغتنم حياتك قبل موتك». عباد الله، وإن مما نستفيده معاشر أهل الإسلام من تتابع الزمان، وخاصة ما نحن فيه الآن من انتصاف رمضان، أن نحاسب أنفسنا على ما مضى علينا من ليالي وأيام، كيف كنا معها. إن الله جل في علا جعل رمضان موسما من مواسم الخيرات والبركات، ضعف فيه الأجور والحسنات، ونوع فيه المكفرات عن الذنوب والسيئات، وهيأ أسباب الإقبال على الطاعات والعبادات، ففتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، وصفد لنا الشيطان. كل ذلك في سبيل حف الأنام من أهل الإسلام على الجد والاشتهاد في طاعة الرحمن. فلينظر كل منا إلى نفسه وإلى قوله وكسبه وعمله، كيف كان حاله فيما مضى معه من شطر صومه. كيف كنا؟ فلينظر كل منا إلى أعماله، هل حرسنا على القيام من أول ركعة إلى الختام خلف الإمام؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة». وهل حرسنا على ختم القرآن والمناجاة والتلذذ بمناجاة الرحمن؟ ورمضان هو موسم القرآن، إن لم تقرأه الآن فمتى يا عبد الله؟ وهل حرسنا على ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار؟ وذكر الله من أسهل الأعمال على اللسان. فإذا قلت: عليك قل لي بربك، فما الذي ستقوم به من أعمال؟ وهل حرسنا على كثرة التضرع والالتجاء؟ ورمضان موطن من أعظم مواطن استجابة الدعاء. وقال ربكم: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾. عباد الله، فلينظر كل منا إلى نفسه وإلى عمله وكسبه، وليحاسب نفسه. كفى بنفسك يا عبد الله على أعمالك حسيبا. وفي الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، علمنا ما يتعلق بعظيم الاعتبار بتوالي الليالي والأيام، وما يكون من مرور الزمان، إذ أن في ذلك إشارة إلى قصر الأعمال وإلى انقضاء الآجال. وعلمنا أيضا من خلال تتابع الزمان، ومن أننا في منتصف رمضان، آن الأوان لكي نحاسب أنفسنا على ما مضى منه من ليالي وأيام. كل منا ينظر إلى نفسه وإلى قوله وفعله. وأيضا مما نستفيده من انتصاف رمضان أن نعلم أنه لا يزال فيه بقية. نعم، قد مضى شطره، لكن بقي نصفه. والقواعد العامة والخاصة تدل على أن الزمن الفاضل آخره أفضل من أوله. فـ«يوم الجمعة يوم فاضل، فأفضل ساعاته الساعة الأخيرة من عصره». والتعبد في الليل من أفضل الأوقات، لكن آخره عند الأسحار أفضل من أوله. والعشر من ذي الحجة زمن فاضل، لكن آخره أفضل من أوله، ففي آخره يوم عرفة ويوم النحر. وهكذا النظائر كثيرة وكثيرة تدل على أن الزمن الفاضل آخره أفضل من أوله. وهكذا ما نحن فيه وما نحن بصدده في شهر رمضان، فإن آخره أفضل من أوله. ولا أدل من فعله عليه الصلاة والسلام، وما كان من هديه، صلوات ربي وسلامه عليه، إذ كان يشتد في العشر الأخيرة من رمضان ما لا يشتد في غيره. ففي آخر رمضان شرع الاعتكاف، وفي آخر رمضان شرعت زكاة الفطر، وفيه جعل الله ليلة هي خير من ألف شهر. وبهذا نعلم أنه لا زال في البقية خير، فالخير مستمر. وفي هذا فتح لآفاق العاملين بأن نعمل. فمن كان منا من أهل الإحسان فعليه أن يحمد ربه على ما كان من توفيقه وعونه، وليسأل ربه أن يزيد من فضله، وليستمر على جده واشتهاده حتى ينقضي شهر صومه. وأما من كان منا قد قصر وفرط، فعليه أن يستدرك ويعوض، وأن يشتد وأن يشمر، فإن أمامك يا عبد الله خير عظيم وفضل كبير. والعبرة بالخواتيم. وحذار حذار عباد الله من ظاهرة الفتور، وخاصة ونحن في هذا الزمن والموسم المبارك الذي لم يتبقى منه سوى ليال وأيام معدودات، فلا تتقاعسوا أو تتخاذلوا عن طاعة ربك يا عبد الله. فإن أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد. احرص يا عبد الله وأقبل على الصيام وعلى القيام وعلى ختم القرآن وعلى طرق أنواع البر والإحسان، فإن أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليها العبد وإن قل. فالله جل في علا يحب المداوم على الطاعة، فلا تنقطع عنه. وقال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث القدسي: «وليزل عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فمن كان مستمرا على الطاعة والعبادة، فهذا أيضا يحبه الله. فالله يحب المداوم على الطاعة. وعلينا أن نعلم أن حقيقة ما نحن فيه في رمضان أن ما هو إلا مضمار، فحالنا في رمضان هو مضمار، هو مقياس، هو معيار في معرفة حياتنا طيلة العام. فإنه من موفق إلى طاعة الرحمن في رمضان فهو بإذن الله الموفق في سائر العام. وأما من كان فيه مضيعا فهو في غير رمضان أضيع. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من أدركه رمضان فلم يغفر له أبعده الله». هذا ميؤوس منه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم أعن على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم أعن في هذا الشهر على الصيام والقيام وعلى ختم القرآن وعلى سائر صالح الأعمال والأقوال، واجعلنا يا رب من عبادك المقبولين ومن عتقاء شهر الصيام، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.