الخطبة بعنوان الجمعة فضائل وأحكام، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر . ألقاها
يوم الجمعة يوم عظيم خص الله به أمة الإسلام، وقد وردت أحاديث نبوية تبين فضله وسننه مثل الاغتسال والتطيب. يوم الجمعة يوم عيد للمسلمين وقد امتن الله به على هذه الأمة.
يُبين أهمية صلاة الجمعة وفضائلها ويحذر من تركها أو التهاون في أدائها مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُشدد على وجوب حضور الجمعة للرجال الأحرار البالغين المقيمين.
يتناول بعض الأحكام المتعلقة بيوم الجمعة مثل تحريم البيع والشراء بعد الأذان وعدم جواز الكلام أثناء الخطبة وتحريم تخطي رقاب المصلين وأهمية التطيب قبل الصلاة.
يتضمن الدعاء بطلب التوفيق من الله لاتباع أحسن الأقوال ويشكر الله على نعمه ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، اتَّقُوا اللَّهَ جَلّ وَعَلَا، وَاشْكُرُوا عَلَى أَنْ جَعَلَكُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَجَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَّةِ الْكَرِيمَةِ، جَعَلَكُمُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وَأَكْرَمَهَا عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، امْتَنَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِيهَا عَلَيْكُمْ بِفَضَائِلَ عَظِيمَةٍ وَمَنَاقِبَ جَلِيلَةٍ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ جَلّ وَعَلَا عَلَى نِعَمِهِ. وَإِنَّ مِنْ هَذِهِ الْفَضَائِلِ، وَإِنَّ مِنْ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ، وَإِنَّ مِنْ هَذِهِ الْخَصَائِصِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً هُوَ هَذَا الْيَوْمُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ، خَصِيصَةً مِنْ خَصَائِصِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَضِيلَةً مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَضَلَّ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَنْهَا غَيْرَنَا، وَامْتَنَّ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِهَا عَلَيْنَا، فَاحْمَدُوا اللَّهَ جَلّ وَعَلَا عَلَى نِعَمِهِ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ خَيْرٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَضَلَّ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَنْهَا النَّاسَ وَهَدَانَا لَهَا، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهَا تَبَعٌ، فَهِيَ لَنَا وَلِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَلِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، إِنَّ فِيهَا لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَا أَعْطَاهُ». وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَطْلُعُ الشَمْسُ بِيَوْمٍ وَلَا تَغْرُبُ أَفْضَلَ أَوْ أَعْظَمَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا وَتَفْزَعُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ إلَّا هَذَانِ الثَّقَلَانِ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَمَا مِنْ بَابٍ إلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ». أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، انْظُرْ إلَى هَذِهِ الْفَضِيلَةِ الْعَظِيمَةِ وَإِلَى هَذِهِ الْفَضِيلَةِ الْجَلِيلَةِ، «وَمَا مِنْ بَابٍ إلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَهُ، وَرَجُلٍ قَدَّمَ بَقَرَةً، وَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً، وَرَجُلٍ قَدَّمَ طَائِرًا، وَرَجُلٍ قَدَّمَ بَيْضَةً»، قَالَ: «فَإِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ طَوَيَا الصُّحُفَ وَقَعَدَا». أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ لَنَا أَهْلِ الْإِسْلَامِ، لِذَا سَنَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ سُنَنًا عَظِيمَةً وَكَثِيرَةً، فَمِنْ تِلْكَ السُّنَنِ أَنْ يَغْتَسِلَ الْإِنْسَانُ، وَأَنْ يَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَأَنْ يَتَهَيَّأَ، وَيَتَجَهَّزَ، وَأَنْ يُبَكِّرَ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ». وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ غُسْلًا، وَلَا يَتَطَهَّرُ طُهُورًا، وَلَا يَدَهَنُ مِنْ دَهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ، ثُمَّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ يَنْصِتُ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى». اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، يَا لَهَا مِنْ فَضِيلَةٍ عَظِيمَةٍ، يَوْمَ أَنْ يَقُومَ الْمُسْلِمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، ثُمَّ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ، وَيَسْتَمِعُ لِلْجُمُعَةِ، وَيَنْصِتُ لِلْجُمُعَةِ، فَيُكْتَبُ لَهُ هَذَا الْأَجْرُ، فَيَخْرُجُ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مِنْ ذَنْبِهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا لَهُ مِنْ ذَنْبِهِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْجُمُعَةِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا حَضَرَ الْإِمَامُ طَوَيَا الصُّحُفَ وَحَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ وَيَسْتَمِعُونَ الْخُطْبَةَ». أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ، فَبَعْدَ أَنْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْنَا مِنْ الْمَنَاقِبِ وَمِنْ الْفَضَائِلِ وَمِنْ الْأُمُورِ الْعِظَامِ فِي شَأْنِ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، فَهَا هُنَا تَنْبِيهَاتٌ وَتَحْذِيرَاتٌ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَأَنْ يَتَعَلَّمَهَا. أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمُورِ أَنْ يَعْلَمَ الْمُسْلِمُ عِلْمًا قَطْعِيًّا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الذُّكُورِ مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الْمُقِيمِينَ، وَهَذَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. قَالَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَطْبَعَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ». وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَهَاوُنًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ». فَيَا وَيْلَ مَنْ تَرَكَ هَذَا الْيَوْمَ تَهَاوُنًا وَتَكَاسُلًا وَتَضْيِيعًا لِهَذَا الْيَوْمِ، إمَّا بِرِحْلَةٍ فِي الْبَرِّ أَوْ الْبَحْرِ عَلَى حِسَابِ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، أَوْ بِعَمَلٍ فِي الْبَرِّ أَوْ الْبَحْرِ عَلَى حِسَابِ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ أَنْ يَكْتُبَهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا مِنْ الْغَافِلِينَ بَعْدَ أَنْ يَطْبَعَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَلَى قَلْبِهِ فَيَكُونَ مِنْ الْأَمْوَاتِ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ». فَحَذَارِ حَذَارِ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْأَمْوَاتِ، وَأَنْ تَتَمَشَّى بَيْنَ النَّاسِ بِتَرْكِكَ لِلصَّلَاةِ وَلِذِكْرِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَمِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَالتَّنْبِيهَاتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَلَا الشِرَاءُ، فَالْبَيْعُ وَالشِرَاءُ بَعْدَ الْأَذَانِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ حَرَامٌ بِنَصِّ الْآيَةِ، فَذَرُوا الْبَيْعَ، حَرَامٌ لَا يَجُوزُ. فَاحْذَرُوا يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَكَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ وَالتَّنْبِيهَاتِ الَّتِي يُنَبَّهُ عَلَيْهَا وَيَقَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُصَلِّينَ مِمَّنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَاتِ وَلَكِنَّهُ جَاهِلٌ غَافِلٌ عَنْ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ، هَذَا الْأَمْرُ هُوَ الْكَلَامُ وَالْعَبَثُ وَاللَّعِبُ فِي وَقْتِ الْخُطْبَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. لَا يَجُوزُ إذَا خَطَبَ الْخَطِيبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَتَحَدَّثَ أَوْ أَنْ يَلْعَبَ بِشَيْءٍ، فَهَذَا حَرَامٌ. قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا». قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ: فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ وَلَوْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ قَدْ لَغَا، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي أَنَّ مَنْ عَبَثَ بِالْحَصَى وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ قَلَ بِالْمِسْبَحَةِ أَوْ قَلَ بِالتِّْلْفُونَاتِ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلِكَ فَقَدْ لَغَا. قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَادِ الْمَعَادِ وَهُوَ يَذْكُرُ خَصَائِصَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ: وَمِنْ خَصَائِصِهِ الْإِنْصَاتُ وَالِاسْتِمَاعُ إذَا خَطَبَ الْخَطِيبُ، قَالَ: فَمَنْ تَكَلَّمَ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، وَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «فَقَدْ لَغَا»، قَالُوا: أَيْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْخَيْبَةُ، وَقِيلَ: أَيْ لَا ثَوَابَ لَهُ وَلَا أَجْرَ مِنْ حُضُورِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَكُونُ ظُهْرًا. أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، انْظُرْ إذَا تَكَلَّمْتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إذَا لَعِبْتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَلَا جُمُعَةَ لَكَ، فَاحْذَرْ مِنْ هَذَا. وَمِنْ التَّنْبِيهَاتِ وَالْأُمُورِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا أَنْ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ، أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ الْمُصَلِّينَ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَى الصُّفُوفِ الْأُولَى. رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَجَعَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْت وَآنَيْت». قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: مَعْنَاهُ أَنَّكَ آذَيْت الْمُصَلِّينَ فِي تَفْرِيقِك وَتَخَطِيِّكَ بَيْنَ رِقَابِهِمْ وَانْشِغَالِهِمْ بِكَ عِنْدَ مُرُورِكَ وَعَدَمِ إنْصَاتِهِمْ بِسَبَبِكَ، وَقَدْ آنَيْت أَيْ تَأَخَّرْت فِي الْحُضُورِ. كَيْفَ تَتَأَخَّرُ فِي الْحُضُورِ ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فِي الصُّفُوفِ الْأُولَى؟! إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ. وَمِنْ التَّنْبِيهَاتِ كَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهَا بِالنَّظَافَةِ فِي بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ، فَلَا يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ بِثِيَابٍ مُتَسَخَّةٍ أَوْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ فِي فِيهِ أَوْ فِي ثِيَابِهِ. كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْضُرَ، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْضُرَ الْجُمُعَةَ وَقَدْ أَكَلَ الثُّومَ أَوْ الْبَصَلَ أَوْ مَا كَانَ فِيهِ رِيحٌ كَرِيهَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا. فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَانَا». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». نَسْأَلُ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ رَبِّي جَلّ وَعَلَا أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُمْ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.