لزوم الاستقامة

الخطبة بعنوان لزوم الاستقامة، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 17 شوال 1445هـ الموافق 26 أبريل 2024م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الاستقامة وأهميتها في الإسلام

الاستقامة تعني دوام الطاعة واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أمر عظيم عند الله، ولزومها تقتضي تقوى الله وطاعته. الاستقامة هي أساس الفوز بالبشارات العظيمة.

الاستقامة على طاعة الله واتباع النبي

الاستقامة على طاعة الله تعني ملازمة الطاعة واتباع هدي النبي عليه الصلاة والسلام دون تغيير أو تبديل، وقد أوصى النبي أصحابه بذلك. الاستقامة سبيل للتقوى والفوز بالبشارات.

التقصير في الاستقامة وأهمية الاستغفار

لا بد من التقصير في الاستقامة، فيجب على العبد أن يسعى للاستقامة ويستغفر الله عند التقصير. أمر الله بالاستقامة وبين أهمية الاستغفار عند حصول النقص.

الدعاء بالهداية والسداد

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء بالهداية والسداد، حيث فسّر الهداية بإصابة الطريق والسداد بإصابة الهدف في الرمي. نسأل الله المغفرة والرحمة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فربنا جل وعلا قد قال في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. إن العبد ليسعى في هذه الحياة لأجل أن يكون مكرمًا، لأجل الكرامة، وكرامتك يا عبد الله في دين الله جل وعلا، وأعظم الكرامة لزوم الاستقامة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأن لزوم الاستقامة هي تقوى الله جل وعلا وطاعته. والاستقامة عباد الله هي دوام الطاعة والسير على سير نبي الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر رضي الله عنه: "الاستقامة والله هي لزوم الطاعة، ولا تروغ روغان الثعالب"، أي لا تذهب يمنة ويسرى. ولهذا عباد الله، ربنا جل وعلا أمر بهذه الاستقامة، أمر بها الأنبياء، وكذلك أمر بها أهل الإيمان. ﴿فاستقيما ولا تتبعا سبيل الذين لا يعلمون﴾، وقال ربنا لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا﴾، وقال جل وعلا: ﴿فلذلك فادعو واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم﴾. فهذه الاستقامة عباد الله هي نهج المرسلين والأنبياء، كما ذكر ربنا جل وعلا. ولهذا عباد الله، هذه الاستقامة العظيمة التي هي ملازمة الأمر والنهي، ولا يذهب يمنة ويسرى، ينبغي للعبد أن يحرص عليها. ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون﴾، ويقول ربنا جل وعلا: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. فلهذا عباد الله، فإن الاستقامة أمرها عظيم عند الله، وخاصة عباد الله أن العبد إذا خرج من مواسم الطاعة، ينبغي أن لا يذهب بفكره عن طاعة الله جل وعلا، ولا يخطر بباله أنه يبتعد عن هذه الطاعة. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ويقول أيضا ربنا جل وعلا: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾. فإن ملازمة الطاعة هي الاستقامة عباد الله، وينبغي للعبد المستقيم على طاعة الله أن لا ينقطع عن الطاعة، ولا يغير هديه إلى هدي غير هدي النبي عليه الصلاة والسلام. ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾. إذا سلكتم طريقا غير طريق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنكم تنقطعون عن هذه الطاعة وتنقطعون عن تقوى الله جل وعلا. كذلك عباد الله، ينبغي للمسلم أن يحرص على هذه الاستقامة، ولا يغير ولا يبدل، فإن الاستقامة إنما هي استقامة على صراط الله المستقيم. كما قال الله عز وجل لنبيه: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾. فالصراط المستقيم هو استقامة الله جل وعلا، وإنها عباد الله لتنقطع بالتفريط في ذلك أو بتغيير الهدي والسلوك. ولهذا يدل على هذا ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام خط قطا طويلا وقال: "هذا صراط الله"، وخط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: "وهذه السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه". ثم قرأ: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾. وفي حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "وإن على ذلك الصراط لداعيا يدعو الناس أن ادخلوا جميعا ولا تعوجوا". فهذا الداعي كما قال النبي عليه الصلاة والسلام هو القرآن، يدعو الناس إلى صراط الله المستقيم، ولا يذهبون يمنة ولا يسرة. فلهذا عباد الله، فالذي ينبغي على المسلم أن يحافظ على طاعة الله جل وعلا وعلى استقامته لله جل وعلا حتى يبشر بتلك البشارات العظيمة التي بشرنا الله عز وجل بها. كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يوصي من أتاه ليوصيه أو أراد سفرا وودعه، فإنه كان صلى الله عليه وسلم يوصي بذلك. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سفيان بن عبد الله أنه قال: "يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك"، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم". وأيضا عباد الله، جاءه معاذا كما جاء عند الطبراني وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح، وصحح هذا الشيخ الألباني في الصحيحة عن عبد الله بن عمر أن معاذا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكان على سفر، فقال: "يا رسول الله، أوصني"، قال: "اعبد الله ولا تشرك به شيئا"، قال: "يا رسول الله، جدني"، قال: "فإذا أسأت فأحسن"، قال: "يا رسول الله، جدني"، قال: "فاستقم وحسن أخلاقك". فلهذا عباد الله، ينبغي للمسلم أن يحرص على طاعة الله جل وعلا، وأن يستقيم أمره لله سبحانه وتعالى، ويداوم على طاعة الله سبحانه وتعالى. فإن العبد في هذه الحياة إنما خلق لعبادة الله جل وعلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾. نسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا على تقواه سبحانه وتعالى، ودوام طاعته واستقامته سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد عباد الله، فإن ربنا جل وعلا أمر بالاستقامة، وكذلك بيّن أنه لا بد من الخلل ولا بد من التقصير، لكن يدركه العبد المستقيم بالاستغفار لله والتوبة له سبحانه وتعالى. ﴿فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين﴾، أي الذين لا يستقيمون على طاعة الله. فقال جل وعلا: ﴿واستقيموا إليه واستغفروه﴾، أي استغفروا الله عز وجل إن حصل النقص. فإنه لا يستطيع الإنسان أن يستقيم على كل أمر وأن يبتعد عن كل نهي، فإنه لا بد من التقصير، فيسد ذلك التقصير بذلك الأمر، بهذا الأمر يسد هذا التقصير بالاستغفار والتوبة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث توبان عند أحمد: "استقيموا ولن تحصوا"، أي لن تستطيعوا أن تحصوا هذه الاستقامة، فتفعلوا كل أمر وتجتنبوا كل نهي. وقد جاء في حديث الحسن بن الحكم الكلفي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "واعلموا أنكم لن تستطيعوا أن تفعلوا كل ما أمرتكم به، فسددوا وقاربوا". فالواحد منا يسعى أن يسدد أمره لله جل وعلا، وأن يأتي بالصواب، وهذا يدل على إخلاصه وصدقه مع الله جل وعلا. لأن الاستقامة كما قال الإمام ابن القيم هي كلمة جامعة آخذة بمجامع الأعمال، في تحقيق الصدق ووفاء العهد. فلابد من الصدق مع الله جل وعلا. فلهذا يحصل التقصير من العبد في استقامته، لكن يقيم ذلك بالتوبة والاستغفار. كما قال جل وعلا: ﴿وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروه لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. ولهذا عباد الله، من أهمية هذه الاستقامة، قد كان نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو الله عز وجل أن يكون على هذا الصراط المستقيم وعلى هذا الهدى وعلى هذه الطاعة ودوامها. فقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا قام إلى الصلاة من الليل كان يقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي إلى صراط مستقيم". وهذا هو وجه الشاهد، قوله: "اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي إلى صراط مستقيم". فهذا نبينا الكريم وهو قدوة المستقيمين وإمام المتقين صلوات الله وسلام عليه، وهو يدعو بهذا الدعاء. بل كان يوصي بهذا الدعاء كذلك، أخرج الإمام مسلم عن علي أنه قال: "أوصاني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أدعو الله عز وجل فأقول: اللهم اهدني وسددني"، قال: "واذكر بالهداية الطريق"، قال: "واذكر بالسداد سداد الرمي". فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا. والحمد لله رب العالمين.