الخطبة بعنوان التبشير بقدوم رمضان، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 27 شعبان 1445هـ الموافق 8 مارس 2024م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُناقش أهمية استغلال شهر رمضان بالأعمال الصالحة واستبشار المؤمنين بهذا الشهر، بينما يستثقله الفاجرون. يُبيّن أن حب المؤمنين لشهر رمضان يدل على حبهم لله تعالى.
يجب على المسلم أن يستبشر بقدوم شهر رمضان لما فيه من أبواب الرحمة والمغفرة وليس لأجل اللعب والسهر. كان النبي عليه الصلاة والسلام يبشر أصحابه بقدوم رمضان ويحثهم على الطاعة.
الفرح بشهر رمضان يكون بالاستبشار بما فيه من البشائر العظيمة مثل فرحة الصائم عند إفطاره ولقاء ربه وتعويض الله للصائمين يوم القيامة. ينبغي أن يترجم هذا الفرح إلى عمل وطاعات.
من استبشر برمضان واستغل فرص الخير فيه، فإن الله يعينه على الطاعة. ينبغي الحرص على الأعمال النافعة والاستعانة بالله لتحقيق ذلك. نسأل الله المغفرة والرحمة في هذا الشهر الفضيل.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، فإن من نعمة الله عز وجل أن جعل لنا هذه الدنيا مزرعة للآخرة، وجعل لنا هذه الدنيا مطية إلى الآخرة، وهي الدار التي هي دار حقيقية، وهي الدار التي يستقر فيها العباد، وهي الدار والموطن الأصلي الذي قد أخرجوا منه، فإن بني آدم مسكنهم الجنة كما أسكنهم الله عز وجل، أي أسكن أباهم آدم في تلك الجنة، ثم أخرجه ذلك اللعين إبليس، فموطنهم الأصلي هو جنة الله عز وجل. فلهذا فهم يزرعون في هذه الدنيا لأجل أن يأتوا إلى موطنهم الأصلي، وإلى أن يذهبوا إلى ذلك الموطن العظيم، فلهذا ربنا جل وعلا خلق الإنسان وابتلاه في هذه الحياة، وجعل له جعل له مواسم تقربه إليه سبحانه وتعالى، وجعل له أوقاتا تقربه إليه جل وعلا، أي تقرب العبد إلى ربه سبحانه وتعالى. يقول الحسن البصري رحمه الله في قول الله جل وعلا: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾، جعل الله الليل والنهار خلفة أن يخلف بعضه بعضا، أن يخلف الليل النهار ويخلف النهار الليل. قال الحسن رحمه الله: من عجز من عجز عن العبادة عن الطاعة بالليل فله مستعتب في بداية النهار، ومن عجز عن العبادة في النهار فله مستعتب في الليل، أي مستدرك، من فاتته الطاعة في الليل فيستدركها في النهار، ومن فاتته الطاعة في النهار فيستدركها في الليل. فإن هذا من نعمة الله عز وجل على العبد، كما قال جل وعلا: ﴿هو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾، أي إذا أراد أن يذكر وأراد أن يطيع الله عز وجل، ففي الأوقات له سعة، جعلها الله عز وجل له. وكذلك جعل له فرصا عظيمة يستغلها بالأعمال الصالحة، ألا كما تعلمون أن هذا الشهر الذي نستقبله هو من هذه المواسم العظيمة التي ينبغي للمؤمن أن يستغلها، وأن أيضا كذلك يتهيأ لهذه المواسم العظيمة. فإن المؤمن يتهيأ لهذا الموسم لأنه يجد فيه من الخير العظيم الذي قد لا يجده في غيره من الشهور، فإن هذا الشهر غنيمة للمؤمنين يغنمه المؤمنون ويخسره الفاجرون الكافرون. فلهذا عباد الله، فإن المؤمن يستبشر بهذا الشهر العظيم، والفاجر فإنه يستثقل هذا الشهر العظيم، عباد الله، فإن هذا الشهر يحبه أهل الإيمان ويحبه أهل الطاعة لأنه شهر الطاعات، شهر يتقرب فيه إلى الله جل وعلا. فلهذا يختلف سعي الناس فيه، وكما قال الله عز وجل: ﴿إن سعيكم لشتى﴾، فكذلك في هذا الشهر تجد الناس على أنواع شتى من العمل ومن التهيئ ومن الاستبشار ومن غيرها من الأمور التي تتطلب من العبد في مثل هذه المواسم. فلهذا عباد الله في هذا المقام العظيم، وفي هذه اللحظات نذكر شيئا مما يجعلنا نستبشر بهذا الشهر، ويجعل قلوب أهل الإيمان تستبشر بهذا الشهر العظيم. فإن العبد عندما يستبشر بهذا الشهر ويحب هذا الشهر إنما يدل على محبة الله عز وجل، أي على أنه يحب الله، فلهذا يحب ما يحبه الله جل وعلا، وكما قال الله عز وجل: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾، فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. فهذا حال أهل الإيمان إذا جاءهم الخير من عند الله جل وعلا استبشروا بهذا الخير وزادهم إيمانا وتقى وعملوا الصالحات واجتهدوا فيه حتى يتحصلوا على الدرجات العلى، وحتى أيضا يتحصلوا على القرب من الله جل وعلا لأنهم يحبون الله ويحبون كل ما يحبه الله جل وعلا. وأما من يستبشر لأجل أنه يجد بغيته في هذا الشهر من اللعب والسهر، وكذلك مما يراه ومما يؤرد في الشاشات، فإن هذا وإن أحب هذا الشهر فمحبته ليست للطاعة ومحبته ليست لله وإنما لأمور دنيوية، فقد يوزر ولا يؤجر والعياذ بالله. فلهذا عباد الله، فإن هناك مقومات عظيمة تقوم العبد أن يستبشر بقدوم هذا الشهر وبانقضاء هذا الشهر، فمن ذلك عباد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر، كما في مسند أحمد عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر فيقول عليه الصلاة والسلام: جاءكم شهر رمضان شهر مبارك تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتصفد فيه الشياطين وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرم أجرها فقد حرم». وأيضا عباد الله، إن الاستبشار بطاعة الله جل وعلا وبمواسم الخير يعتبر من تعظيم شعائر الله جل وعلا، وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. وأيضا عباد الله يستبشر في هذا الشهر بما يكون فيه من تكاثر الحسنات ومضاعفة الأجور، فإن ذلك مما يستبشر به المؤمن، ولهذا عباد الله قال في الحديث القدسي: «قال الله عز وجل: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». وفي هذا الشهر العظيم أيضا كذلك يستبشر العبد بطاعة الله جل وعلا، فإن في أول ليلة من هذا الشهر تكون فيه أشياء عجيبة، أشياء يحبها المؤمن ويفرح لها، وهو ما جاء في الحديث الذي ذكرناه في تبشير النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه. وكذلك جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين وينادي مناد من السماء: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، وفي كل ليلة أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولله عز وجل عتقاء في كل ليلة من ذلك الشهر». هذا الحديث العظيم بين لنا النبي عليه الصلاة والسلام ما يحصل من الأجر العظيم وما يحصل من التهيئة للعبد في طاعة الله جل وعلا، فإن أبواب الرحمات تتفتح وأبواب النار تغلق، وكذلك تصفد الشياطين. فربنا جل وعلا قد أكرم هذه الأمة ببعثة نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، أن أرسل الشهب على الشياطين حراسة لبني آدم وحراسة لهذه الأمة من مردة الشياطين، كما قال جل وعلا في سورة الصافات: ﴿من كل شيطان مارد﴾، أي هذه الشهب تكون لمردة الشياطين والمراد مردة الشياطين المراد بهم أشرارهم ومن يؤذي أكثر يسمى ماردا. فالله عز وجل أرسل الشهب على هؤلاء المردة، وزاد على ذلك أن الله عز وجل جعل أيضا كذلك في هذا الشهر أن الشياطين وخاصة مردة الجن ومردة الشياطين يصفدها الله عز وجل، أن يقبضها الله سبحانه وتعالى. وهذا مما يدعو النفس أنها تقبل على الخير تقبل على الله عز وجل وعلى طاعته، لأن هناك من الأسباب ما تقل، أي من أسباب العداوة ومن أسباب التي تعترض بني آدم تقل في هذا الشهر. وهذا أيضا مشاهد عباد الله، تجد الناس يقبلون على المساجد في هذا الشهر، يقبلون على الطاعات على الصيام والقيام وعلى غيرها من النفقات وغيرها، وهذا كله بما تتهيأ هذه النفس لطاعة الله جل وعلا في هذا الشهر الكريم. فلهذا فهذا الشهر أو فهذا الحديث يجعلنا نستبشر بأشياء كثيرة، أولا أن هذا الشهر تفتح فيه أبواب الرحمة وتغلق فيه أبواب النار وتصفد وتحبس مردة الجن، وهذا حفظا لبني آدم حفظا لعباد الله جل وعلا من الزيغ والضلال. فلهذا يقبل العبد ويستبشر بهذا الشهر، أنه يكون وخف عليه من الأشهر الأخرى، أي خف عليه في طاعة الله جل وعلا، فيجد سهولا في قراءة القرآن، كم من إنسان يمر عليه سنة كاملة ولا يقرأ كتاب الله جل وعلا ولا أيضا يجد راحة في قراءة القرآن، لكنه في رمضان تجده يقرأ كثيرا، قد ينتهي من القرآن في أربعة أيام أو خمسة أو أكثر من ذلك أو أقل. وهذا لما كان فيه من المحبة لهذه الطاعة، وكذلك ما فيه من التهيئة لعدم المعارض وعدم المعادي، فلهذا تهيئ قلبه للطاعة، وهذه فرصة عظيمة لمن أراد أن يتوب إلى الله ويستمر على الخير. ولهذا جاء في هذا الحديث: «يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر»، فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الذين يحبونه ويحبون طاعته. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد عباد الله، فإن الفرح بهذا الشهر العظيم أيضا يكون بما فيه من البشائر العظيمة التي جعلها الله عز وجل في هذا الشهر، من ذلك الفرح الذي يجده المؤمن بصومه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه». وعند إفطاره أي المراد أنه حين يفطر قد يكون في كل ليلة، وقد يكون أيضا في فطره من رمضان، فهو محتمل هذا وهذا، فيفرح لفطره أنه قضى أو أنه قضى عبادة الله عز وجل، ففرح بها فرح عظيم. والأمر الثاني أنه أيضا يفرح بما يكون من لقاء الله عز وجل يوم القيامة، وأيضا كذلك من مقومات الاستبشار في هذا الشهر العظيم، وأيضا من الأمور التي ينبغي للمؤمن أن يستبشر بها أن الله عز وجل يعوضه ما منعه في هذا الشهر. فإنك يا عبد الله لم تمنع شيئا في هذا الشهر إلا وتعوض يوم القيامة بأكثر منه وأحسن منه وأفضل منه وأعظم، فلهذا عباد الله منعت من الشراب وكذلك من الطعام، فإن الله عز وجل يعوضك يوم القيامة بطعام عظيم من طعام أهل الجنة أو من طعام الجنة وشراب أنواع وأشكال من شراب الجنة. كما قال الله عز وجل: ﴿كلوا واشربوا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾، وأخرج أحمد والنسائي عن ابن عباس قال: «إن أبا موسى رضي الله عنه ركب سفينة فلما استقلوا البحر سمعوا مناديا ينادي: يا أهل السفينة، فقال أبو موسى: خبروا خبر إن كان عندكم خبر، فقال: يا أهل السفينة إنه ما من عبد يصوم يوما صائما لله عز وجل إلا سقاه الله عز وجل من شراب الجنة». قال: «ما من عبد يصوم صوما في يوم صائما أي في يوم حر إلا سقاه الله عز وجل من عطش يوم القيامة» كما في بعض الروايات. وكذلك عباد الله قد جاء في الصحيحين في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن للصائمين بابا يقال له الريان يدخل منه الصائم فلا يدخل منهم أحد بعدهم، يدخل منه الصائم فلا يدخل منهم أو بعدهم أحد، من شرب من ذلك الماء من شرب من مائه لا يظمأ أبدا» أي من ذلك الماء العظيم. فلهذا عباد الله، فإن هذا تعويضا للعبد يوم القيامة، كما أن الناس يخسرون ما يكون يوم القيامة بفعلهم الكبائر في هذه الدنيا، فشاربوا الخمر لا يشربوا الخمر الجنة إذا لم يتب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ولابسوا الحرير إذا لم يتب فإنه لا يلبس الحرير حرير الجنة وإن، وكذلك عباد الله غيرها من المعاصي. فإن العبد إذا تنعم بشيء محرم عليه فإنه يمنع منه يوم القيامة، وكذلك من منع نفسه لله فإن الله عز وجل يعوضه تعويضا عظيما، ولهذا إكراما للعبد الصائم يقول الله عز وجل: ﴿إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به﴾. فلهذا عباد الله، وهذا مما يدعو العبد إلى الفرح بهذا الشهر العظيم، مما يدعو العبد إلى الفرح بهذا الشهر العظيم وبالتهيئ له، فليس الاستبشار بمعنى أن يفرح أن يفرح دون عمل، وإنما الفرح الحقيقي والاستبشار الحقيقي هو الذي يتمثل في العمل. فإنه عندما يسمع هذه الأشياء يستبشر أنه سيصل إلى الله عز وجل في أقرب وقت من الأوقات أو في أعمال يسيرة يجعلها الله عز وجل أجرها عظيم عنده، فيستبشر بهذا ويعمل به حتى يكون استبشاره حقيقيا وفرحه بهذا الشهر فرحا حقيقيا. فلهذا عباد الله، فينبغي أن نغتنم هذا الشهر بالطاعات والقربات، ولا ينبغي أن نتكاسل، لأن العبد إذا دخل هذا الشهر دخل في نهمة ودخل في اجتهاد، لكن سرعان ما يكسل ويأتيه الشيطان ويأتيه أيضا أغراضه من الدنيا فيكسل عن العبادة فيكسل عن الطاعة. ولهذا من يشاهد مساجد الله في أول ليالي رمضان يجد أنها ملأى بالناس، وكذلك حتى في النهار يجد في صلاة الظهر والعصر أناسا كثر، لكن بعد أيام أو إذا انتصف الشهر تجد الناس يتقلصون، لأن هذا الذي يفعل هذا همته قاصرة، وكذلك فرحه ليس بذلك الفرح والاستبشار، وإنما عنده أغراض هي التي منعته. وأما من فرح لله واستبشر بهذا الشهر لما فيه من الأجور العظيمة ولما فيه من المضاعفات ولما فيه من الخير، فإن الله عز وجل يعينه، احرص على ما ينفعك واستعن بالله. ونسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا، صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.