الخطبة بعنوان التحذير من زيارة القبور، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 شعبان 1437هـ ألقاها
النبي صلى الله عليه وسلم حذّر أمته من الشرك بالله والغلو في الصالحين، ونهى عن البناء على القبور واتخاذها مساجد. هذا التحذير جاء سدًا للذرائع التي تؤدي إلى الشرك.
اتفق الأئمة الأربعة على تحريم اتخاذ القبور مساجد، سواء ببناء المساجد عليها أو الصلاة إليها أو عندها، تحذيرًا من الوقوع في الشرك كما فعل اليهود والنصارى.
زيارة قبر نبي الله هود المزعوم في حضرموت تعتبر شركًا بالله وتشبهًا بحج بيت الله الحرام، وقد نهى النبي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة.
دعاء يطلب فيه الرشد للأمة، ويتمنى عزة أهل الطاعة وذل أهل المعصية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب الخير في الدنيا والآخرة والنجاة من عذاب النار.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله من نبي إلا وكان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم». نعم، عباد الله، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ما من نبي بعثه الله جل وعلا في الأمم السابقة إلا وهو ملزمٌ بأن يبين لهم ما يعلمه من الخير، وأن يحذرهم ما يعلمه من الشر. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو أكمل الرسل عليه الصلاة والسلام رسالةً، وهكذا إبلاغًا. والله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾. ألا وإن أعظم خيرٍ دلنا عليه عليه الصلاة والسلام هو توحيد الله جل وعلا، وإفراده بالعبادة التي هي أصل دعوة الرسل جميعًا. قال الله جل وعلا: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. وأعظم شرٍ حذَّرنا منه هو الشرك بالله جل وعلا، وصرف العبادة لغير الله. قال الله سبحانه وتعالى، حاكيًا عن لقمان: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم﴾. الشرك بالله جل وعلا من أعظم الظلم، فهو صرف العبادة لغير الله، وأن تجعل لله ندًّا ومثيلًا، وهو الذي خلقك وأوجدك في هذه الدنيا، وأنعم عليك بما أنعم من النعم. سئل النبي عليه الصلاة والسلام: «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك»، متفق عليه عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. ولذلك رُتِّب على هذا الذنب حرمانُ دخول الجنة، ووجوب دخول النار. قال الله جل وعلا: ﴿إنه من يُشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾، وقال سبحانه مبينًا أن المُشرك به لا مغفرة له إن مات على ذلك: ﴿إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وقد سدَّ النبي صلى الله عليه وسلم كل طريقٍ يوصل إلى الشرك بالله، ويكون سببًا في الوقوع في هذا الذنب العظيم. ألا وإن من تلك الطرق التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم سدًّا لهذا الباب البناء على القبور، والغلو في الصالحين. جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُبنى على القبر، وأن يُجصَّص، وأن يُقعد عليه. وفي صحيح الإمام مسلم كذلك عن أبي الهياج الأسدي قال: «قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع صورةً إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته». ومعنى التسوية في هذا الحديث أن يُهدم ما بُني على القبر، فلا يبقى فيه إلا قدر ما أخرج من القبر من التراب، وما زاد على ذلك فإنه يُرمى ويُهدم. كذلك أيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وأم سلمة، حين ذكرتا للنبي عليه الصلاة والسلام كنيسةً رأتها بأرض الحبشة وما فيها من التصاوير. فقال: «أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل به المرض جعل يضع خميصةً على وجهه، فإذا اغتم كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت: «ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا». هكذا يلعن النبي عليه الصلاة والسلام اليهود والنصارى على ما وقع منهم من الغلو في الأنبياء والصالحين، واتخاذ قبورهم مساجد، وهذا منه عليه الصلاة والسلام ذم لفعلهم، وتحذير أن يقع من أحد من هذه الأمة أن يفعل كفعلهم. وهكذا أيضًا قول عائشة رضي الله عنها: «ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا»، أي لولا هذه العلة، وهو التعظيم والغلو فيه عليه الصلاة والسلام، لكان قبره ظاهرا، ولكن لما خشي أن يفتتن بعض هذه الأمة، وأن يقع فيما وقع فيه من قبلهم من اليهود والنصارى، كانت الحكمة أن يدفن عليه الصلاة والسلام في الموضع الذي دفن فيه سدًا لهذا الباب. وهكذا عباد الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن مسعود عند الإمام أحمد: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». وفي مسلم من حديث جندب رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بخمس: ألا إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى إلى القبر، أو أن يجلس عليه. وعند الطبراني بسند حسن بشواهده نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى إلى قبر، أو يصلى على قبر. ومن هذه الأحاديث يتبين أن اتخاذ القبور مساجد له ثلاثة معاني: المعنى الأول الصلاة عليها بمعنى السجود على القبور، والمعنى الثاني بالصلاة إليها بمعنى استقبالها في الصلاة والدعاء، والمعنى الثالث ببناء القبور ببناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها. نعم، عباد الله، وليس من شرط اتخاذها مساجد أن يبنى عليها المسجد، بل إن فعل العبادة عندها من صلاة أو كذلك دعاء أو غير ذلك من اتخاذها مساجد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». وقد اتفق الأئمة الأربعة على تحريم اتخاذ القبور مساجد، ونص عليه الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم. وقال: «أكره أن يبنى على القبر مسجد». وما ذاك عباد الله إلا لصراحة هذه الأدلة الواضحة البينة الصحيحة الصريحة في تحريم هذا الفعل، واتخاذ القبور مساجد بالصلاة إليها أو الصلاة عليها أو باستقبالها أو ببناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها. وما ذاك عباد الله إلا سدًّا لذريعة الشرك والغلو في الصالحين، إذ أن قلوب الناس تتعلق بالأشخاص وبمن يُعتقد فيهم الصلاح أعظم من تعلُّقها بشجر أو حجر، إذا كان الشجر والحجر قد وقع فيه تعلق من الناس، ووقع الشرك فيه بالله سبحانه وتعالى، فوقوعه بالغلو في الصالحين من باب أولى. ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فترى أقوامًا من الناس يتعلقون بالقبور والأموات، يتمسحون بأتربتهم، وهكذا ربما يعبُد الله عندهم، ويفعلون من الطاعات والعبادات ومن الخضوع ما لا يفعلونه بين يدي الله جل وعلا. نعم، عباد الله، يفعلون عندها ما لا يفعلونه في بيوت الله، بل ويرجون منها ما لا يرجون من الله جل وعلا، إذ يعتقدون بركة هذه البقعة، وبركة ذلك الميت ما لا يعتقدون أو ما لا يقصدون من نيل البركة من بيوت الله سبحانه وتعالى. فلأجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور، وعن اتخاذها مساجد سدًّا لذريعة الشرك. فمن فعل ذلك فقد ضاهى الله جل وعلا، وضاهى رسوله عليه الصلاة والسلام، وابتدع في دين الله جل وعلا ما لم ينزل الله جل وعلا به من سلطان. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ألا وإن من مظاهر الشرك والوثنية التي شابه فيها بعض هذه الأمة من قبلها من الأمم، من تعظيم القبور والغلو في الصالحين، ما يقام من زياراتٍ بين الحين والآخر لأولئك الأموات لطلب الحاجات وكشف الكربات. ومن ذلكم ما يفعل في هذا الشهر، شهر شعبان، ما يسمى بزيارة قبر نبي الله هود المزعوم أنه في حضرموت، ولا يثبت ذلك بدليلٍ شرعي، ولا كذلك أيضًا عبر التاريخ. فقد ذكر أهل التاريخ أن قبر نبي الله هود مختلفٌ في وجوده، فقيل في مكة، وقيل في اليمن، وقيل في دمشق، وقيل في العراق، فلا يثبت موضعه، ولا يعلم محله. بل حتى ولو علم أن محله في ذاك المكان، لما جاز زيارته كذلك مخصوصًا، كل ذلك مخالفٌ لدين الله ولشرع الله سبحانه وتعالى. فكيف إذا كانت هذه الزيارة هي دعوةٌ صريحة إلى الشرك بالله جل وعلا، واتخاذ الأنداد مع الله سبحانه وتعالى، بل ومشابهتها بحج بيت الله الحرام؟ ومن ذلك ما يقال في التهويدة التي يقولها المغرورون بتلك الزيارة: «هود النبي المرسل في وادي الأحقاف، قبره صحيح، سرزره، واحذر تكسل، واطلُم مرادك حول الظريح». هذه دعوةٌ صريحة إلى الشرك بالله جل وعلا، وسؤال صاحب القبر من دون الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾، ويقول سبحانه: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. نعم، عباد الله، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى». فشد الرحل إلى موضعٍ لقصد العبادة غير المساجد الثلاثة أمرٌ محرمٌ لا يجوز في دين الله سبحانه وتعالى. فكيف عباد الله إذا كانت هذه الزيارة مضاهاةً لدين الله، ومحادةً لشرع الله سبحانه وتعالى، إذ أنهم يجعلونها مشابهةً لحج بيت الله الحرام؟ بل منهم من ألف رسالةً سمى هذه الزيارة بالحج الأصغر. ومن أوجه المشابهة أن المسلمين يقصدون حج بيت الله الحرام تعظيمًا له، كما أمر الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء يحجون قبر نبي الله هود المزعوم تعظيمًا له. ومنها أن ابتداء زيارتهم في اليوم الثامن من شعبان، كما أن حجاج بيت الله الحرام يبدأون حجهم باليوم الثامن من ذي الحجة. ومنها أنهم يغتسلون للزيارة كما يغتسل المحرم لإحرامه. ومنها كذلك أنهم يقفون في يوم الحادي عشر من شعبان كما يقف الحجاج في عرفة. ومن فاته الوقوف في زيارتهم فاتته الزيارة، كما أن من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج. ومنها كذلك أنهم يحبسون أن يجلسون في الشعب ثلاثة أيام يأكلون ويشربون، كما أن الحجاج يجلسون في أيام التشريق ثلاثة أيام بمِنى. ومنها كذلك أنهم يصلون ركعتين عند حصاة عمر المحضار، كما يصلي الحاج ركعتين عند المقام. ومنها كذلك أنهم يطوفون بمقبرة في تريم كما يطوف الحاج ببيت الله الحرام، إلى غير ذلكم من أنواع المضاهاة والمحادة لدين الله سبحانه وتعالى. أفبعد ذلك يشك مسلم في حرمة هذه الزيارة بأنها زيارة بدعية، بل زيارة شركية لا تجوز، ولا يحل لمسلم أن يذهب لا لفعل مراسيم هذه الزيارة، ولا لقصد النظر والتفضل، ولا كذلك لأجل البيع والشراء، فيكون بذلك معينا لهم على معصية الله. والله جل وعلا يقول: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾. أسأل الله جل وعلا أن يرد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا. اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا، اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم أتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.