الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 5، الدرس الخامس:من( باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه + باب ما جاء في الرقى والتمائم ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من تعليق التمائم والودع، ويُفسر الحديث بأنها تُعتقد لدفع البلاء. يُؤكد أن تعليق التمائم يعتبر شركًا.
يتناول تحريم التمائم وتعليقها اعتقادا أنها تدفع العين أو البلاء، مستندا إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة. يُبين أن تعليق التمائم شرك بالله تعالى.
يناقش مسألة التعليق والرقية والتمائم، ويبين أن تعليق القرآن مختلف فيه، بينما الرقى الشرعية جائزة بشروط. يشرح أن التمائم من الشرك ويبين فضل قطعها.
يشير إلى أن القول الراجح هو ما تم سرده ويختتم باب الرقى والتمائم. يُشيد بالله رب العالمين في نهاية هذا الباب.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، لَازِلْنَا فِي هَذَا الْبَابِ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ مَنْ الشِّرْكِ لُبْسُ الْحَلْقَةِ وَالْخَيْطِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لِرَفْعِ الْبَلَاءِ أَوْ دَفْعِهِ. وَذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ الْعَامَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِهَذَا الْبَابِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعَةً: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ. طَيِّبَ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكَةِ، وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَعَافِرِيُّ، وَلَمْ يُوثِّقْهُ غَيْرُ ابْنِ حِبَّانَ. فِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، التَّمِيمَةُ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْخِرَقِ الَّذِي يُعَلَّقُ، وَالنَّاسُ يَعْتَقِدُونَ فِي هَذِهِ التَّمِيمَةِ. وَثَمَّتْ هَذِهِ الْخِرَقُ بِتَمِيمَةٍ لِأَنَّهَا تُتِمُّ الْأَمْرَ، أَيْ تَقُومُ بِالْمَهَمَّةِ. فَالنَّاسُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ التَّمِيمَةَ تَنْفَعُ لِدَفْعِ الْعَيْنِ وَلِرَفْعِ الْبَلَاءِ. فَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا إِذَا عُلِّقَتْ فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَتِمُّ، أَيْ أَنَّ هَذِهِ الْخِرَقَ تَدْفَعُ. فَثَمَّتْ بِتَمِيمَةٍ لِأَنَّهَا تُتِمُّ الْأَمْرَ. فَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، يَدْعُو نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ عَلَّقَ التَّمِيمَةَ. وَقَالَ: وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ. وَالْوَدَعَةُ هِيَ نَوْعٌ مِنْ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ، كَالصَّدَفَةِ أَوْ أَصْغَرَ. كَانَ الْعَرَبُ يَعْتَقِدُونَ بِهَذَا الْوَدَعِ، فَكَانُوا يُعَلِّقُونَهُ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ. وَمَعْنَى فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ: أَيْ لَمْ يَجْعَلْهُ فِي دَعَةٍ وَلَا سُكُونٍ. فِي هَذَا الْأَثَرِ أَوْ الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ التَّعَلُّقِ سَوَاءٌ كَانَ بِالتَّمَائِمِ أَوْ كَانَ بِالْوَدَعِ وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهُمَا. وَأَنَّ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ فَإِنَّ دَعْوَةَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَتُدْرِكُهُ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ. هَذَا الْحَدِيثُ جَاءَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ وَكَذَلِكَ شَيْخُنَا مُقْبِلٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ. وَجَاءَ لِهَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةٌ، مُفَادُ الْقِصَّةِ أَنَّ رَهْطًا قَدِمُوا لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيُبَايِعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَقَامَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَايَعَ تِسْعَةً، وَأَمْسَكَ عَنِ الْعَاشِرِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايَعْتَ التِّسْعَةَ وَلَمْ تُبَايِعْ هَذَا؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً. فَقَامَ الرَّجُلُ وَقَطَعَهَا. فَحِينَهَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ. هَذَا يُدَلُّ عَلَى عِظَمِ اسْمِ التَّمِيمَةِ، وَكَيْفَ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَوَقَّفَ فِي بَيْعَةِ هَذَا الرَّجُلِ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ مَظَاهِرِ الْوَثَنِيَّةِ وَمَظَاهِرِ الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَى، فَقَطَعَهُ وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. هَذَا الْأَثَرُ صَحِيحٌ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. فِيهِ أَنَّ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا وَفِي يَدِهِ خَيْطٌ، قَالَ: مِنَ الْحُمَى. وَالْحُمَى هِيَ الْحُمَى الْعَادِيَةُ، وَهِيَ حَرَارَةُ الْبَدَنِ. أَوْ قَالَ: إِنَّ الْحُمَى عِبَارَةٌ عَنْ دَاءٍ يُصِيبُ الْمَرْءَ عَلَى أَثَرِ عَضَّةِ دَابَّةٍ أَوْ نَهْشٍ. فَالشَّاهِدُ أَنَّ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَى رَجُلًا وَفِي يَدِهِ هَذَا الْخَيْطَ، وَجَعَلَ هَذَا الْخَيْطَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُ هَذَا الْبَلَاءَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ. فَقَامَ حُذَيْفَةُ فَقَطَعَهُ. وَفِيهِ جَوَازُ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ، إِذَا أَمِنَتِ الْفِتْنَةُ. فَإِنْ كَانَ نُرَجِّعُ عِنْدَهُ قُدْرَةً عَلَى أَنْ يُكَسِّرَ أَوْ يُقَطِّعَ أَوْ مَاذَا؟ أَوْ يُضْرِبَ وَيُغَيِّرَ الْمُنْكَرَ، وَخَاصَّةً مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ التَّوْحِيدِ، بِيَدِهِ وَلَيْسَ هُنَاكَ فِتْنَةٌ تَنْبَنِي عَلَى هَذَا التَّغْيِيرِ، فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ. فِي هَذَا الْبَابِ سَيَتَكَلَّمُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَسْأَلَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ: الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَنْ الرُّقَى، وَالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ التَّمَائِمِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقِيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةً مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةً إِلَّا قَطَعَهَا. فِي هَذِهِ السَّفَرَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَرْسَلَ رَسُولًا، يُنَادِي بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِمَاذَا؟ قَالَ: أَنْ لَا يَبْقِيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةً مِنْ وَتَرٍ. الْقِلَادَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ مِنْ وَتَرٍ، أَيْ مِنْ أَوْتَارِ الْقَوْسِ. وَهَذَا كَانَ مِنْ اعْتِقَادَاتِ الْجَاهِلِيِّينَ، كَانَ الْجَاهِلِيُّ الْعَرَبِيُّ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ الْقَوْسُ يُرْمَى بِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْقَوْسَ أَصْبَحَ بَالِيًا، فَإِنَّهُ لَا يُرْمَى وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ هَذَا الْوَتَرُ وَيُجْعَلُ قِلَادَةً يُعَلَّقُ بِهِ عَلَى الْبَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنْ لَا يَبْقِيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةً مِنْ وَتَرٍ إِلَّا قَطَعَهَا. أَمَرَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تُقْطَعَ أَيُّ قِلَادَةٍ وُجِدَتْ عَلَى بَعِيرٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ وَتَرٍ أَوْ كَانَتْ مِنْ خَيْطٍ أَوْ كَانَتْ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِلَادَةِ. وَجَعَلَ لِهَذَا الْأَمْرِ لِدَفْعِ الْعَيْنِ أَوْ رَفْعِهِ. فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ. أَمَرَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تُقْطَعَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهَا شِرْكٌ. فَإِنْ اعْتَقَدَ الَّذِي عَلَّقَ هَذِهِ التَّمِيمَةَ أَنَّهَا بِذَاتِهَا تَنْفَعُ وَتَضُرُّ، كَانَ ذَلِكَ شِرْكًا بِاللَّهِ مِنْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ. وَإِنْ جَعَلَهَا سَبَبًا، قَالَ: أَنَا مَا أَقُولُ إِنَّهَا تَنْفَعُ، بَلِ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الدَّافِعُ وَالنَّافِعُ، وَهُوَ الضَّارُّ وَلَا هِيَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ وَلَا قَدَرِيٌّ. فَالْأَسَفُ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ النُّصُوصِ إِلَّا أَنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَوْ دَرَتَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَامَّةً، تَرَى الْكَثِيرَ مِنْهُمْ مَنْ تَوَرَّطَ فِي هَذَا. كَأَنْ نَرَى مِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّقُ عَلَى الْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ قِلَادَةً مِنْ وَتَرٍ أَوْ خَيْطٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ مَرْفُوعَةً: مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ. هَذَا الْأَثَرُ حَسَّنَهُ صَاحِبُ النِّهْجِ السَّدِيدِ، وَكَذَلِكَ الْأَلْبَانِيُّ كَمَا فِي الْمِشْكَاةِ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ. أَيْ مَنْ تَعَلَّقَ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يُكِلُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِلَى هَذَا الَّذِي تَعَلَّقْتَ بِهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: التَّمَائِمُ شَيْءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الْأَوْلَادِ، يُتَّقَى بِهِ الْعَيْنُ. هَذَا التَّفْسِيرُ بِبَعْضِ الْمَعْنَى، لِأَنَّ التَّمِيمَةَ أَمْرُهَا وَاسِعٌ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ. فَكُلُّ شَيْءٍ يُعَلَّقُ يُعْتَبَرُ تَمِيمَةً، إِذَا عَلَّقْتَ شَيْئًا وَأَنْتَ تُرِيدُ مِنْ هَذَا الْمُعَلَّقِ أَنْ تَدْفَعَ بِهِ الْبَلَاءَ أَوْ تَرْفَعَهُ، فَأَنْتَ حِينَهَا عَلَّقْتَ تَمِيمَةً. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، وَيَجْعَلُهُ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتُلِفَ، هَلْ يُشْرَعُ أَنْ يُعَلَّقَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ اثْنَيْنِ. مِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُرَخِّصْ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ، لِأَنَّ التَّمِيمَةَ تَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَلَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ يَخُصُّ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ عَلَّقُوا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ. وَإِنَّمَا يُحْمَلُ فِعْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى جِهَةِ التَّعْلِيمِ لَا عَلَى جِهَةِ الْحِفْظِ مِنْ الْعَيْنِ. وَلِأَنَّ فِي فَتْحِ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَاطُ التَّمِيمَةِ الشِّرْكِيَّةِ بِالْقُرْآنِ. فَيَقُولُ الْعُلَمَاءُ: تَخَيَّلُوا لَوْ أَنَّنَا فَتَحْنَا الْبَابَ، فَيَقُولُونَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هُنَاكَ تَمِيمَةٌ جَائِزَةٌ. مَا هِيَ؟ يَقُولُونَ: إِذَا كَانَتْ مِنَ الْقُرْآنِ. فَيَبْدَأُ النَّاسُ يَرَوْنَ بَعْضُهُمْ يُعَلِّقُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَذَاكَ يُعَلِّقُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَذَاكَ يُعَلِّقُ الْفَاتِحَةَ. وَلَكِنْ هَلْ سَيَقِفُ النَّاسُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ؟ لَا، سَيَبْدَأُ التَّلَاعُبُ بِكِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. فَيُخْشَى أَنْ يَدْخُلَ فِي التَّمَائِمِ مَا هُوَ شِرْكِيٌّ. وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: مِنَ بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، حَتَّى لَا يَقَعَ هَذَا التَّلَاعُبُ وَالْخَلْطُ بَيْنَ التَّمِيمَةِ الشِّرْكِيَّةِ وَتَمِيمَةِ الْقُرْآنِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالرُّقَى هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَزَائِمَ، وَخُصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ. فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَى. وَالرُّقَى الشَّرْعِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَوَفَّرَتْ فِيهَا شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ: أَنْ تَكُونَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنْ تَكُونَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مَعْلُومٍ، وَأَنْ لَا يُعْتَقَدَ أَنَّهَا بِذَاتِهَا تَنْفَعُ. فَإِذَا تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ، كَانَتِ الرُّقْيَةُ شَرْعِيَّةً وَلَا بَأْسَ بِهَا. وَمِنْهَا مَا هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ شَيْءٍ مِنَ التَّمَائِمِ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّتِيُولَةُ هِيَ شَيْءٌ يُصْنَعُ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ بِالْمَرْأَةِ إِلَى زَوْجِهَا وَالرَّجُلِ إِلَى امْرَأَتِهِ. وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالَّتِيُولَةَ شِرْكٌ. فَالرُّقَى الشِّرْكِيَّةُ وَالتَّمَائِمُ وَالَّتِيُولَةُ كُلُّهَا شِرْكٌ. وَصَاحِبُهَا يَدُورُ بَيْنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ، عَلَى حَسَبِ مَا يَنْضَحُ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ. رَوَاهُ وَكِيعٌ. فِي هَذَا الْأَثَرِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ قَطْعِ التَّمَائِمِ. فَمَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ وَأَخْرَجَهَا مِنْ رِبْقَةِ الشِّرْكِ، فَكَأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً. ثُمَّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. هَذَا الْأَثَرُ يُشِيرُ إِلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَوْلَ النَّهْيِ عَنْ تَمِيمَةِ الْقُرْآنِ. وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَكَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَإِلَى هُنَا نَنْتَهِي مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَابِ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.