الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 4، الدرس الرابع:من( باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله + باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، موضحًا معنى الشهادة وأركانها. يفسر معنى "إله" واشتقاقها اللغوي، ويبين أن "إله" تعني "معبود".
يشرح المقطع معنى كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله' وتفسيرها عند أهل السنة والجماعة، ويبين اختلافهم مع أهل البدع في تعريف الإله. يستدل بقول الله تعالى: 'أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة'.
استدل ابن عباس على معنى الوسيلة في القرآن باستخدام بيت شعر عربي، موضحًا أن الوسيلة تعني القربة إلى الله. يُظهر المقطع أيضًا براءة إبراهيم عليه السلام من عبادة الأصنام وتبرؤه من عبادة الأوثان.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: قَالَ مُؤَلِّفٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ: بَابُ تَفْسِيرِ، التَّفْسِيرُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْكَشْفِ وَالْإِضَاحِ. بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ، وَمَرَّةً: مَعْنَى مَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَى التَّوْحِيدِ، أَيْ: هَذَا الْبَابُ سَيَكُونُ فِيهِ الْكَشْفُ وَالْإِضَاحُ لِمَعْنَى التَّوْحِيدِ. قَالَ: وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَالشَّهَادَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ هِيَ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ عَنْ عِلْمٍ بِهِ وَاعْتِقَادِ صِحَّتِهِ. فَالْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَنْ عِلْمٍ بِهِ وَاعْتِقَادِ صِحَّتِهِ، فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ. فَلَابُدَّ لِلشَّهَادَةِ أَنْ تَتَضَمَّنَ أُمُورًا، فَمِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُضَمَّنَ بِهَا الشَّهَادَةُ: أَوَّلًا: الْاعْتِقَادُ، أَنْ تَعْتَقِدَ صِحَّةَ مَا تَشْهَدُ بِهِ، هَذَا لَابُدَّ مِنْهُ فِي الشَّهَادَةِ، لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا اعْتِقَادٌ، وَيَكُونَ الِاعْتِقَادُ مُصَاحِبًا لِلْعِلْمِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: الْإِخْبَارُ، هَذِهِ الشَّهَادَةُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْإِخْبَارُ، أَنْ تُخْبِرَ بِهَا، أَنْ تُخْبِرَ بِهَا، أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَا، أَنْ تُلْفِظَ بِهَا. فَلَابُدَّ لِلشَّهَادَةِ مِنْ التَّلَفُّظِ وَالْكَلَامِ بِهَا، وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ: الْإِخْبَارُ أَنْ تُخْبِرَ الْغَيْرَ، أَنْ تُخْبِرَ الْغَيْرَ. فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ تَتَضَمَّنُ الِاعْتِقَادَ، وَيَدْخُلُ فِي ضِمْنِ الِاعْتِقَادِ الْعِلْمُ، وَكَذَلِكَ التَّكَلُّمُ بِهِ وَالْإِخْبَارُ عَنْهُ. وَنَأْتِي الْآنَ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، هَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، تَضَمَّنَتْ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ: لَا، وَإِلَهَ، وَإِلَّا، وَلَفْظَ الْجَلَالَةِ اللَّهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ. وَلَيْسَ مَقَامُ يَسَعُ فِي ذِكْرِ شَرْحِ كُلِّ كَلِمَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ، لَكِنْ حَسْبُنَا أَنْ نَذْكُرَ كَلِمَةً مُهِمَّةً لَابُدَّ أَنْ نَفْهَمَهَا، وَهِيَ مَعْنَى: إِلَهٍ. مَا مَعْنَى إِلَهٍ؟ نَحْنُ نَقُولُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَمَا مَعْنَى إِلَهٍ؟ قَالَ عُلَمَاءُ: إِلَهٌ هِيَ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ، تَأْتِي بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَهَذَا مِنْ مَعَانِيهَا، وَهَذَا وَارِدٌ حَتَّى فِي لُغَةِ النَّاشِئَةِ، مِثْلُ: طَعَامٍ بِمَعْنَى مَطْعُومٍ، شَرَابٍ بِمَعْنَى مَشْرُوبٍ، أَيْ: وَقَعَ عَلَيْهِ الشُّرْبُ، وَوَقَعَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ، فَهُوَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. شَرَابٍ بِمَعْنَى مَشْرُوبٍ، طَعَامٍ بِمَعْنَى مَطْعُومٍ، مَعْنَى مَطْعُومٍ، وَكِتَابِيٍ بِمَعْنَى مَكْتُوبٍ، فَتَأْتِي بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. هَذَا أَوَّلًا، فَإِلَهٌ هِيَ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ، وَهَذَا سَيُفِيدُنَا إلَى مَعْنًى آخَرَ. لَكِنَّنَا نَرْجِعُ الْآنَ إلَى: إِلَهٍ. قَالَ عُلَمَاءُ: أَصْلُ اشْتِقَاقِهَا مِنْ: أَلِهَ يَأْلَهُ إلَهَةً وَأُلُوهَةً، أَلِهَ يَأْلَهُ إلَهَةً وَأُلُوهَةً، أَلِهَ يَأْلَهُ إلَهَةً وَأُلُوهَةً، هَذَا اشْتِقَاقُهَا. بَقِيَ الْآنَ الْأَصْلُ، مَا مَعْنَى: أَلِهَ؟ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَلِهَ بِمَعْنَى: عَبَدَ مَعَ الْمَحَبَّةِ، أَلِهَ تَأْتِي بِمَعْنَى التَّعَبُّدِ مَعَ الْمَحَبَّةِ، أَوْ مَا يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ فِي اللُّغَةِ بِالتَّنَسُّكِ. يُسَمَّى بِالتَّنَسُّكِ، وَالْبَعْضُ سَيَجْعَلُهَا بِمَعْنَى: آلِهَ، أَيْ: عَبَدَ مَعَ الْمَحَبَّةِ، هَذَا هُوَ مَعْنَى: آلِهَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، بِمَعْنَى: عَبَدَ، بِمَعْنَى: تَنَسَّكَ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي لُغَتِهِمْ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: لِلَّهِ دُرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدْهِى، سُبِّحْنَ وَاسْتَرْجِعْنَا مِنْ تَأَلُّهِي. أَيْ: مِنْ تَعَبُّدِي، وَهَذَا يُدَلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ: تَأْلَهَ، أَيْ: بِمَعْنَى عَبَدَ وَتَعَبَّدَ. سُبِّحْنَ وَاسْتَرْجِعْنَا مِنْ تَأَلُّهِي، أَيْ: مِنْ تَعَبُّدِي، أَيْ: هَذَا الرَّجُلُ بَلَغَ مِنْ تَعَبُّدِهِ أَنَّ النِّسَاءَ أَصْبَحْنَ يُسَبِّحْنَ وَيَسْتَرْجِعْنَ لِكَثْرَةِ مَا يَرَى مِنْ تَأَلُّهِهِ، أَيْ: مِنْ تَعَبُّدِهِ. فَنَأْتِي الْآنَ؛ إذَنْ: عَلِمْنَا أَنَّ: أَلِهَ بِمَعْنَى عَبَدَ، فَأَلِهَ يَأْلَهُ إلَهَةً وَأُلُوهَةً بِمَعْنَى عَبَدَ يُعْبَدُ عِبَادَةً وَعُبُودِيَةً، وَاضِحٌ الْآنَ هَذَا مَعْنَى: إِلَهٍ. فَهَذَا مَعْنَى الْإِلَهِ، أَيْ: بِمَعْنَى مَاذَا؟ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ. فَإِلَهٌ إذَنْ: نَرْجِعُ الْآنَ، قُلْنَا: إنَّ: إِلَهًا بِمَعْنَى مَأْلُوهٍ، إذَنْ: إذَا عَلِمْنَا أَنَّ: أَلِهَ بِمَعْنَى عَبَدَ؛ إذَنْ: سَيَكُونُ: إِلَهٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ: إِلَهٌ بِمَعْنَى مَعْبُودٍ. فَإِلَهٌ بِمَعْنَى مَعْبُودٍ، يَعْنِي: انْتَبِهُوا لِهَذِهِ الاشْتِقَاقَاتِ؛ لِأَنَّنَا نُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ نُفَسِّرَ دَائِمًا: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ بِمَاذَا؟ لَا مَعْبُودَ إلَّا اللَّهُ. هَذَا بَدَايَةُ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، لَا مَعْبُودَ إلَّا اللَّهُ. سَيُنَازِعُك الْمُبْطِلُ، يَقُولُ لَكَ: أَنْتَ كَيْفَ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ حَقٍّ؟ صَرَفْتَ مَعْنَى: إِلَهٍ إلَى مَعْنَى مَعْبُودٍ؟ هَذَا: إِلَهٌ وَيْنَ؟ وَمَعْبُودٌ وَيْنَ؟ فَأَنْتَ كَيْفَ أَنْتَ سَتُرَجِعُ هَذَا الرَّجُلَ الْخَصْمَ، أَوْ حَتَّى الْمُتَعَلِّمَ، كَيْفَ تُرِيدُ أَنْ تُفْهِمَهُ بِأَنَّهُ اسْتَطَعْنَا أَنْ نَتَوَصَّلَ أَنَّ مَعْبُودًا هُوَ يُفَسَّرُ بِهِ: إِلَهًا؟ بِهَذَا الطَّرِيقَةِ تُبَيِّنُ لَهُ. أَوَّلًا: أَنَّ: إِلَهًا عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ، وَهَذَا الْوَزْنُ يَأْتِي بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَإِلَهٌ يَأْتِي عَلَى وَزْنِ مَفْعُولٍ، مِثْلُ: فَعَالٍ عَلَى وَزْنِ مَفْعُولٍ، شَرَابٍ مَشْرُوفٍ، طَعَامٍ مَطْعُومٍ، هَذَا وَزْنٌ عَامٌّ. ثُمَّ تَسْحَبُ إلَى مَا مَعْنَى: إِلَهٍ؟ تَقُولُ: إِلَهٌ اشْتِقَاقُهُ مِنْ: آلِهَ يَأْلَهُ إلَهَةً، مَعْنَى عَبَدَ يُعْبَدُ عِبَادَةً. آلِهَ يَأْلَهُ إلَهَةً وَأُلُوهَةً، أَيْ: عَبَدَ يُعْبَدُ عِبَادَةً وَعُبُودِيَةً، فَهَذَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ. وَتُبَيِّنُ لَهُ؛ لِأَنَّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ: آلِهَ بِمَعْنَى عَبَدَ؛ إذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، فَإِلَهٌ تَأْتِي بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ. وَإِلَهٌ يَأْتِي بِمَعْنَى مَعْبُودٍ؛ كَمَا قُلْنَا: فَعَالٌ عَلَى مَعْنَى مَفْعُولٍ، فَإِلَهٌ عَلَى مَعْنَى مَفْعُولٍ؛ إذَنْ: إنَّ: إِلَهًا بِمَعْنَى مَعْبُودٍ. لِأَنَّ: آلِهَ بِمَعْنَى عَبَدَ، فَمَفْعُولُ عَبَدَ: مَعْبُودٌ. وَبِهَذَا تَوَصَّلَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ: إِلَهًا بِمَعْنَى مَعْبُودٍ. فَإِذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ؛ إذَنْ: فَمَعْنَى: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَيْ: لَا مَعْبُودَ إلَّا اللَّهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ. وَبِغَيْرِ مِثْلِ هَذَا: حَوْلَ خَبَرِ: لَا، لَا إِلَهَ أَيْ: لَا مَعْبُودَ إلَّا اللَّهُ، خَبَرُ: لَا مُحَذَّفٌ، وَتَقْدِيرُهُ: حَقٌّ، تَقْدِيرُهُ: حَقٌّ، أَوْ بِحَقٍّ. وَهَذَا كَذَلِكَ لَهُ تَخْرِيجٌ آخَرُ، لَكِنْ لَيْسَ مَقَامٌ يَسَعُ. لَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ قَدَّرُوا أَنَّ خَبَرَ: لَا فِي لَفْظِ الْجَلَالَةِ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَيْ: لَا مَعْبُودَ حَقٌّ، أَوْ بِحَقٍّ إلَّا اللَّهُ جَلَ وَعَلَا. وَهَذَا يَسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ. فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُعَرِّفُونَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ بِمَا سَمِعْنَا: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، لَا مَعْبُودَ حَقٌّ، أَوْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلَّا اللَّهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ. وَهَذَا عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْمُبْتَدِعَةُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ خَالَفَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي تَعْرِيفِ الْإِلَهِ، أَهْلُ السُّنَّةِ عَرَّفُوا الْإِلَهَ بِالْمَعْبُودِ. وَبَيْنَمَا أَهْلُ الْبِدَعِ عَرَّفُوا الْإِلَهَ بِأَنَّهُ: الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ. فَتَرَاهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، كَالْأَشَاعِرَةِ وَغَيْرِهِمْ، إذَا عَرَّفُوا: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، قَالُوا: لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ إلَّا اللَّهُ. وَهَذَا مَجْمُوعٌ فِي كُتُبِهِمْ، يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ بِمَعْنَى لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ إلَّا اللَّهُ. وَبَعْضُهُمْ يُفَسِّرُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَاذَا؟ هُوَ الْمُسْتَغْنِي عَنْ مَا سِوَاهُ، الْمُفْتَقِرُ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ عَدَاهُ، الْمُسْتَغْنِي عَنْ مَا سِوَاهُ، الْمُفْتَقِرُ إلَيْهِ كُلُّ مَنْ عَدَاهُ. هَذِهِ كُلُّهَا مِنْ تَفَاسِيرِ وَأَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّتِي لَا تُغْنِي؛ لِأَنَّهَا لَا تَأْتِي بِمَعْنَى الْإِلَهِ الْحَقِّ. فَالشَّاهِدُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَيَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. فَقَالَ: بَابُ تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ. بَدَأَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْبَابَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ بَدَايَتُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلَهُ، ثُمَّ قَالَ: رَبُّنَا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ. اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّبْوِيبِ، فَمَا مَوْطِنُ الشَّاهِدِ؟ مَوْطِنُ الشَّاهِدِ عِنْدَكَ تَمَعَّنْ فِي الْآيَةِ، قَالَ اللَّهُ جَلَ وَعَلَا: أُولَئِكَ، هَذَا الِاسْمُ مِنْ إشَارَةٍ عَائِدٌ عَلَى مَاذَا؟ قَالَ عُلَمَاءُ: أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْأَنْبِيَاءِ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ وَإِلَى الصَّالِحِينَ، أُولَئِكَ أَيْ: أُولَئِكُمْ الْقَوْمُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمَلَائِكَةِ. قَالَ: رَبُّنَا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ، هُنَا مَنْ الَّذِي يَدْعُو؟ هُمْ الْمُشْرِكُونَ، الَّذِي يَدْعُونَ هُمْ الْمُشْرِكُونَ، أَيْ: أُولَئِكُمْ الْقَوْمُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمَلَائِكَةِ، الَّذِينَ يَدْعُوهُمْ الْمُشْرِكُونَ، يَدْعُو مَنْ؟ النَّبِيَّ وَالصَّالِحَ وَالْمَلَكَ. أَلَا أَنْتَ مَعَهُمْ فِي الْآيَةِ، قَالَ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، طَيِّبٌ: مَا مَعْنَى الْوَسِيلَةِ أَوَّلًا؟ الْوَسِيلَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تَأْتِي بِمَعْنَى الْحَاجَةِ وَالْقَصْدِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَقَدْ جَاءَ أَثَرٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ: مَا مَعْنَى الْوَسِيلَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ الْحَاجَةُ. سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ الْوَسِيلَةِ، فَقَالَ: هِيَ الْحَاجَةُ. فَقَالَ هَذَا السَّائِلُ: أَتَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ أَتَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ، أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ الشَّاعِرِ: إنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إلَيْكِ وَسِيلَةٌ، إنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إلَيْكِ وَسِيلَةٌ، أَنْ يَأْخُذُوكِ فَتَكَحَّلِي وَتُخَضَّبِي. إنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إلَيْكِ وَسِيلَةٌ، هُنَا الشَّاهِدُ: إنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إلَيْكِ وَسِيلَةٌ، أَيْ: لَهُمْ إلَيْكِ حَاجَةٌ، لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَاجَةٌ أَنْ يَأْخُذُوكِ فَتَكَحَّلِي وَتُخَضَّبِي. فَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الْوَسِيلَةَ بِمَعْنَى الْحَاجَةِ. فَالشَّاهِدُ الْآنَ نَأْتِي إذَنْ نَفْهَمُ الْآنَ الْآيَةَ، ذَكَرَ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا عَنْ أُولَئِكُمْ، مَنْ هُمْ؟ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمَلَائِكَةِ، هُنَاكَ قَوْمٌ يَدْعُونَ هَؤُلَاءِ، وَهُمْ مُشْرِكُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ، أَيْ: الْمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ هَؤُلَاءِ، مَا بَالُ هَؤُلَاءِ؟ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، أَيْهُمْ أَقْرَبُ، أَيْ: أَنْظُرْ لِهَذَا الْمَشْهَدِ، كُفَّارٌ، مِنْ أَيِّ كُفَّارٍ كَانُوا؟ تَوَجَّهُوا بِالْعُبُودِيَةِ إلَى هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ، مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْ الْمَلَائِكَةِ، مِنْ الصَّالِحِينَ، لِمَاذَا تَوَجَّهُ إلَيْهِمْ؟ تَوَجَّهُ إلَيْهِمْ بِحَاجَةٍ، قَصْدًا إلَيْهِمْ، الْوَسِيلَةَ أَرَادُوا وَسِيلَةً. وَهَؤُلَاءِ هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، أَيْ: أَنَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَ هِيَ فَقِيرَةٌ لِلَّهِ جَلَ وَعَلَا، أَيْ: أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَمْلِكَ لِهَؤُلَاءِ. هَؤُلَاءِ قَدِ احْتَمَوْا بِمَاذَا؟ بِالْأَنْبِيَاءِ، ذَاكَ جَعَلَ النَّبِيَّ إلَهًا يُعْبَدُ، يَلْتَجِئُ إلَيْهِ فِي كَشْفِ الْمُضَرَّاتِ، وَكَشْفِ الْمُلِمَّاتِ، وَكَشْفِ الْغَمَّاتِ. وَآخَرُ دَعَا مَلَكًا مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْمَلَكَ سَيَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ. وَآخَرُ اتَّخَذَ وَلِيًّا، هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ، عِنْدَمَا اتَّخَذُوا هَؤُلَاءِ يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، مَا دَرَى هَذَا الْمُشْرِكُ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، يَتَّخِذُونَ يُرِيدُونَ حَاجَةً مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، أَيْ: أَيُّهُمْ مَاذَا؟ الَّذِي يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَرَادَ رَبُّنَا جَلَ وَعَلَا أَنْ يُبْطِلَ مَا عَلَيْهِ الْكَافِرُونَ مِنْ أَنْ تَوَجَّهُهُمْ لِهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ، هُوَ التَّوَجُّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ هِيَ لَيْسَتْ بِكَامِلَةٍ بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ هِيَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. فَقَالَ تَعَالَى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، أَيْ: أَنَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنْ الصَّالِحِينَ هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، أَيْ: كُلُّ هَؤُلَاءِ يَتَنَافَسُونَ إلَى رِضَا الرَّبِّ جَلَ وَعَلَا. فَالْمَلَكُ يُرِيدُ رِضَا الرَّبِّ، وَكَذَلِكَ الْمَلَكُ، وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ، وَكَذَلِكَ الصَّالِحُ، وَكُلُّ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ يَبْتَغِي الْوَسِيلَةَ إلَى رَبِّهِ جَلَ وَعَلَا. فَكَيْفَ بَعْدَ ذَلِكَ يُتَّخَذُونَ أَنْدَادًا وَأَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا؟ وَجَاءَ كَذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: إنَّ أُنَاسًا مِنْ الْجِنِّ أَسْلَمُوا. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْجِنِّ أَسْلَمُوا، فَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ. أَيْ: هَذَا كَمَا قَالَ مِنْ أَسْبَابِ النُّزُولِ كَذَلِكَ، وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ. فَيَذْكُرُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ النَّفْعَ وَالضَّرَّ بِالْجِنِّ. كَانَ هَذَا اعْتِقَادٌ سَائِدٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، كَانُوا يَهَابُونَ الْأَوْدِيَةَ؛ لِوُجُودِ مَا يُحْسَبُ فِيهَا الْجِنُّ، فَكَانُوا يَخَافُونَهُمْ وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ وَيَلْتَجِئُونَ إلَيْهِمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَبَيْنَمَا عَرَبٌ اعْتَقَدُوا الْجِنَّ آلِهَةً وَأَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، إذْ بِهِمْ يَجِدُونَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ أَسْلَمُوا. أَسْلَمُوا لِلَّهِ جَلَ وَعَلَا، عَلِمُوا أَنَّهُمْ عَلَى بَاطِلٍ، وَأَنَّهُمْ عَلَى شِرْكٍ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ تَابُوا وَأَنَابُوا وَرَاجَعُوا رَبَّهُمْ جَلَ وَعَلَا. أَسْلَمُوا، فَمَاذَا جَرَى لِلْجِنِّ؟ أَصْبَحُوا يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، يَقُولُونَ: يَا اللَّهُ، يَا اللَّهُ، اغْفِرْ لَنَا، يَا اللَّهُ، ارْحَمْنَا. أَصْبَحَ الْجِنُّ يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، أَيْنَ الْمُشْكِلَةُ؟ الْمُشْكِلَةُ فِي الْكَافِرِينَ، الْكَافِرُونَ مَا عَلِمُوا بِذَلِكَ، وَمَا شَعَرُوا أَنَّ الْجِنَّ أَسْلَمُوا. فَمَا زَالُوا عَلَى دِينِهِمْ، يَأْتِي الْعَرَبِيُّ، يَنْادِي: يَا جِنِّيُّ، يَا عِفْرِيتُ، أَغِثْنِي، يَا جِنِّيُّ، ارْحَمْنِي، يَا جِنِّيُّ، وَانْصُرْنِي، يَا غَوْثُ فُلَانٍ، يَنْادِي بِأَسْمَائِهِمْ، بِأَسْمَاءِ الْجِنِّ وَالْعَفَارِيتِ، يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. وَمَا دَرَى هَذَا الْمُشْرِكُ أَنَّ هَذَا الْجِنِّيَّ أَصْبَحَ مُنْكَسِرًا أَمَامَ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، إنْكَسَارُ الْجِنِّ ذَهَبَ طُغْيَانُهُ، أَسْلَمَ وَتَابَ وَأَنَابَ إلَى اللَّهِ، وَأَصْبَحَ يَرْكَعُ، وَأَصْبَحَ يَسْجُدُ، وَأَصْبَحَ يَلْتَجِئُ إلَى رَبِّي جَلَ وَعَلَا. فَأَصْبَحَ هَذَا الْكَافِرُ يَدْعُو نَفَرًا، وَهَؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنْ الْجِنِّ أَصْبَحُوا يَلْتَجِئُونَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هَذَا الشَّاهِدُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ. ثُمَّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي. ف