الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 317، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح السورة المكية مصير أبي لهب الذي عارض النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تبت يداه وتب، مبينة أن ماله وما كسب لا يغنيان عنه وسيصلى نارا ذات لهب. كما شملت السورة امرأته أم جميل التي آذت الرسول بلسانها، فجعلها الله حطبا للنار وفي عنقها حبل من مسد.
يحذر المقطع من تأثير الوعاظ على العامة مستشهداً بعمر بن مرة الذي انحرف إلى مذهب الإرجاء فأضل كثيراً من الناس. ويختتم بسؤال حول موضع نزول آية الإنذار للعشيرة الأقربين.
يتكرر لفظ تبت عدة مرات ثم يُختم بالشكر وإعلان انتهاء المقطع، مما يدل على ختام الجلسة أو التسجيل. لا يحتوي هذا الجزء على محتوى علمي جديد بل يشير إلى نهاية المحاضرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد: قال البخاري رحمه الله تعالى: سورة تبت يدا أبي لهب وتب. بسم الله الرحمن الرحيم: تباب، خسران، تتبيب، تدمير. هذه السورة هي من السور المكية باتفاق العلماء، ومما نزل قديماً في بداية دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بالجهر، لما جهر بالدعوة، وسيأتي إن شاء الله تعالى سبب نزول هذه السورة. وتسمى أيضاً هذه السورة بسورة المسد في بعض المصاحف، وبعضها بسورة تبت، وسماها بعضهم بسورة أبي لهب، كما اشتهر ذكرها ابن العربي في أحكام القرآن. ولكن الذي استقر من هذه السورة معنى تسمى بسورة تبت، وأيضاً تسمى بسورة المسد، وهي أيضاً من السور القصار التي نزلت، كما قلنا، في مكة. وموضوع هذه السورة في هذا الحديث الذي سيأتي أنها نزلت في أبي لهب الذي عارض النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: تبا لك، ما جمعنا لهذا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾، أي خسر، خسرت يداه بما قاله، وأيضاً كذلك بما سيصلاها، إنه خاسر. ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾. وقرأ أكثر القراء بفتح الهاء في "لهب"، وقرأها ابن كثير بإسكان الهاء، وابن كثير من أهل مكة. فأنزل الله عز وجل هذه السورة في مصير أبي لهب، وأنه سيصلى ناراً ذات لهب. وقيل: إنه سمي بأبي لهب، وإلا فهو اسمه عبد العزى ابن عبد المطلب، لكن الله عز وجل لم يذكره باسمه، وإنما ذكره بكنيته، أنه يقال: كني النبي بأبي لهب. قيل: لأن وجهه كان أحمر يلهب، يعني لهب النار، وقيل: لشدة جماله، وقيل لغير ذلك، فكان يكنى بأبي لهب. فقال الله عز وجل: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ﴾، كما أنه لهب، سيصلى النار التي لها لهب، وسيحترق بهذا اللهب. وأدخل الله عز وجل امرأته في السورة لأنها كانت مؤذية، تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، يقال لها: أم جميل، وهي القبيح حول، فهي أم القبائح. وكانت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلسانها، حتى أنها مرة جاءت لما نزلت هذه السورة، جاءت وتريد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم تره، ووجدت معناه كان جالساً عنده أبو بكر، لكنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، أعماها الله عز وجل عنه، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبه؟ ثم قالت: محمد قليناه، ودينه أبينا، أو قالت: محمد قليناه، ودينه أبينا. "قلينا" أي: كرهنا، وغضبنا عليه. فكانت مؤذية، ويقال كما ذكر ابن إسحاق في السيرة: أنها كانت تضع الشوك في طريق النبي عليه الصلاة والسلام، فجعلها الله عز وجل تضع هذا الحطب على نار زوجها، وتوقد نار زوجها. قال: باب. حدثنا يوسف بن موسى، وهو ابن راشد القطان الكوفي، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة، حافظ من حفاظ أهل الكوفة، كان سفيان الثوري يسميه فتى الكوفة. قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران، الحافظ الكبير. قال: حدثنا عمر بن مرة، هو الجملي، أو عمر بن مرة، كوفي كذلك، إسناد كوفي إلى الصحابي ابن عباس، وسعيد بن جبير، يعدان في الكوفيين. وعمر بن مرة كان قد دخل مذهب الإرجاء. قال حماد بن زيد: قد رجع الناس عن مذهب الإرجاء حتى دخل فيه عمر بن مرة، لأن عمر بن مرة كان واعظاً يعظ الناس ويبكيهم، فلأثر على الناس دخوله إلى هذا المذهب المبتدع. فهذا يدل على أن أهل الوعظ يؤثرون على الناس غالباً بوعظهم، وأيضاً الناس يحبونهم، وأيضاً عامة الناس الذين يكون عندهم مثلاً لا يعرفون العلم، أو عندهم شيء من العلم، يغترون بالوعاظ وبالقصاص، يغترون بهم كثيراً، ويظنون أنهم علماء الإسلام. وهذا كان قديماً حصل، وفي هذه الأزمان أيضاً انتشر كثيراً، تجد العوام يظنون أن فلاناً الواعظ أفضل من الشيخ ابن باز، أفضل من ابن عثيمين، أفضل من كذا، يظنون لأنهم يسمعون كلام وعظه فيظنون أنه عالم، أو أنه كذا، وهذا خطأ وخطر أيضاً كذلك على العام. فانظر إلى هذا الرجل، كان واعظاً ويبكي الناس، حتى قال له ابنه: يا أبت، ما للناس إذا خطبهم غيرك لا يبكون، وإذا خطبت أنت بكوا؟ فقال: يا بني، ليست الثكلى كالنائحة. قال: يا بني، ليست الثكلى كالنائحة. الثكلى التي تصيبها المصيبة، التي تصيبها المصيبة، يكون بكاؤها عن صدق وعن معنى حرمان، أنها حرمت ابنها أو زوجها أو غير ذلك، لكن النائحة التي تنوح وهي فقط تتصنع، غالباً. فقال: ليست النائحة كالثكلى. وإن كان هذا ثناء على نفسه وهو ما ينبغي، لكن أحياناً بعض السلف يذكرون هذا لأجل أيضاً العبرة، أن الإنسان يخلص في عمله. فكما قلنا: أنه كان واعظاً، فلما دخل مذهب الإرجاء دخل أناس كثير، دخل أناس كثير، لهذا كان حماد بن زيد يحذر من عمر بن مرة، يحذر من عمر بن مرة لأجل مذهبه الإرجاء، وهو إرجاء الفقهاء. قال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: «لما نزلت: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، ورهطك منهم المخلصين، في أي شيء من سورة؟ تعرفون في أي شيء من سورة؟ تعرف يا سيب. قال: لما نزلت: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، ورهطك منهم المخلصين، ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ هذه في سورة الشعراء، لكن ﴿ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ قد يكون كما قال بعض الشراح: أن هذه الآية كانت موجودة، أو نزلت في ذلك الوقت في مكة، وهي توافق هذه الآية التي في الشعراء، توافق الآية في الشعراء، لكنها فيها زيادة: ﴿ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾، ولعلها نُسِخَت، وإلا فهي ليست في المصحف. أن هذه الآية نزلت قبل آية، أو قبل سورة تبت. فلما قال ابن عباس: لما نزلت: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى صعد الصفا. الصفا المعروف، الجبل الذي يصعد فيه الحجاج، ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾. فصعد النبي عليه الصلاة والسلام الصفا، وقال: فهتف: يا صباحاه، يا صباحاه. هذه كلمة تقال في الاستغاثة بشيء عظيم، مثلاً شيء نازل عليهم، أو جيش مصبحهم، لأن "يا صباحاه" غالباً الجيش يغير في الصباح، لهذا كانوا يقولون هذا: يا صباحاه، أي: ما سيصبح عليكم الصبح إلا والجيش مصبحكم. مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "مثلي ومثلكم كمثل رجل قام على جبل، وهو كالنذير العريان، فكان يقول: يا قوم، إن الجيش مصبحكم". فأطاعه طائفة فعدلجوا، أي: خرجوا من ذلك المكان، وبقي طائفة، فأصبحهم الجيش، فاجتاحهم وأهلكهم. فقال: يا صباحاه. فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فاجتمعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام لمناداته، لأن هذا الصوت يجمع الناس. قال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل، من سطحه، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً. لو أخبرتكم... وهذا تمهيد من النبي عليه الصلاة والسلام، يرى أو يريد أن يقيم الحجة عليهم، وأنهم يعلمون أنه ما كان يكذب. فقال: لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أن تغير، أي: كأنه جيش يريد أن يقتلكم، أكنتم مصدقين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. أي: أرسلني الله عز وجل لأنذركم عذاباً شديداً. فقال أبو لهب: تبا لك، ما جمعنا إلا لهذا. ثم قام، فنزلت: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾». قال: وقد تب، أي: قد خسر، وأصابه التتبيب والتدمير. قال: هكذا قرأها الأعمش يومئذٍ: «تبت يد أبي لهب وتب، وقد تب». ولعل هذا على قراءة عبد الله بن مسعود في الزيادة، أنه كان يقرأ قراءة مفسرة، يقرأ قراءة مفسرة، يدخل التفسير في الآيات. فقال: تبت يد أبي لهب وتب، وقد تب، أنا، قد تبه الله، وخسر، وأيضاً كذلك أهلكه الله. طيب، فهذا ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى، منه أولاً... تبت، وقد تبت، وقد تبت، وقد تبت، وقد تبت، شكراً، يبدو أنه تم.