الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 318، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث خروج النبي ﷺ إلى البطحاء وصعوده الجبل وناداه: يا صباحاه، مع توضيح ضبط أسماء الرواة كمحمد بن سلام وأبي معاوية والأعمش وعمر بن مرة وسعيد بن جبير. كما يذكر أخبار مقتل سعيد بن جبير على يد الحجاج وما تبع ذلك من عقوبة إلهية.
جمع النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً باستخدام نداء «يا صباحاه» التقليدي وحذرهم من عذاب شديد، فرد عليه عمه أبو لهب بالسب والرجم بالحجارة حتى أدمى عقبيه. يبرز النص تباين مواقف الأعمام: أبو طالب يحميه، وحمزة ينصره بعد إسلامه، والعباس يؤتمنه النبي رغم كفره آنذاك.
كان عم النبي أبو لهب من أشد أعدائه، يتبعه في المواسم ويكذبه أمام القبائل، مما أوقع الرعب في قلوب من أرادوا الإسلام. أما ضمام بن ثعلبة فقد جاء متحفظًا ظانًا أن النبي مسحور، فلما سمع خطبة الحاجة ثلاث مرات أدرك أنها من عند الله فأسلم فورًا.
أخبر الله أبا لهب بدخوله النار وهو لا يزال حياً، فعندما استنكر ذلك وقال: «تباً لك»، نزلت سورة «تبت يدا أبي لهب» لتؤكد عقابه وتوبيخه. تؤكد السورة عقاب الله لأبي لهب وتثبيته في النار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿ تبت يد أبي لهب وتب ﴾ ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾. قال: حدثنا محمد بن سلام، ويقال: سلام محمد بن سلام، وهو البيكندي البخاري. يقال: محمد بن سلام، ومحمد بن سلام بالتشديد. وذكرت عنه حكاية أنه قال: إن أبي بالتخفيف وليس بالتشديد، لكن بعضهم كالدارقطني يقول: إنها لم تثبت. المهم أنه يُقرأ هذا كذا وهكذا: محمد بن سلام أو ابن سلام. والأصل أن ما جاء في البخاري، بل في الكتب الستة، على هذا الشكل: «سلام» هو بالتشديد، إلا والد الصحابي الجليل عبد الله بن سلام. وإلا فكل ما رأيت في الكتب الستة من «سلام» فهو بالتشديد: سلام بن أبي الحقيق، سلام بن مشكم، ومن اليهود. ولكن والد الصحابي عبد الله بن سلام بالتخفيف: سلام. وأيضًا يذكرون والد محمد بن سلام البيكندي أيضًا يقولون: سلام. وأما البقية فهو بالتشديد: سلام بن مسكين، وهذا من التابعين من الرواة: سلام أبو الأحوص، سلام بن مسكين، أو أقصد: سلام بن سليم أبو الأحوص، وسلام بن مسكين، وسلام بن مطيع، وكلهم بالتشديد. قال: أخبرنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير. قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو عبد الله الكوفي، حافظ أهل الكوفة، كان يلقب بالمصحف، وله قراءة أيضًا تعتبر من القراءات الشاذة، لكنه كان مقرئًا من أهل الكوفة. قال: عن عمر بن مرة، وعمر بن مرة هو الهمداني الكوفي كذلك. عن سعيد بن جبير، وهو أبو محمد الفقيه، قتله الحجاج ظلمًا، لكنه لم يقتل أحدًا بعده، ومات بعده بمرض، مات بعده بمرض خبيث بعد خمسة عشر يومًا، أي بعدما قتل سعيد. وأما القصة التي ذكرها السمرقندي، تلك القصة الطويلة، فهي لم تثبت، هي من وضعه. لكن قتل الحجاج لسعيد ثبت أنه قتله، وأنه قال له: من أنت؟ فقال: أنا سعيد بن جبير. بل قال: أنت الشقي بن كسير. قال: أنا أعلم باسمي منك. إلى آخر ما حصل، ثم قتله. وبعدها جاء الرعب والخوف، فكان يصيح في الليل لا ينام، كان يقول: ما لي ولسعيد، ما لي ولسعيد، حتى أهلكه الله. قال: قال سعيد عن ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى البطحاء، والبطحاء هذا مكان في مكة، فصعد إلى الجبل فنادى: يا صباحاه. وقلنا: إن «يا صباحاه» كان العرب إذا أراد أحد ينذر قومه من شيء خطير، معنى ينذرهم الصباح عندما يصبح، فينادي في الناس: يا صباحاه، حتى ينتبهوا له. قال: فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتم إن حدستكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم. وتقدم في الرواية التي مرت: قالوا: ما جربنا عليك من كذب، أو قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. وقالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك. وأبو لهب كما قلنا هو عبد العزة، عم النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كان من أعداء أعداء النبي عليه الصلاة والسلام. وقد بين ربنا جل وعلا في هذه الآية أنه من أهل النار، كان معاديًا حتى في بداية دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث طارق بن عبد الله، وأيضًا حديث غيره: أنه كان يمشي خلف النبي عليه الصلاة والسلام ويحدفه بالحصباء حتى أدمى عقبيه عليه الصلاة والسلام. كان معه حجارة ويرمي، فيقول: لا تصدقوا هذا الشاب فإنه يكذب. فقال طارق بن عبد الله: فقلت: يا أبي، من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله. قال: فقلت: ومن هذا الذي يمشي خلفه؟ فقال: هذا عمه أبو لهب، أو قال: عبد العزة. فانظر إلى هذه الجرأة والعداوة إلى أين تصل، وهو ابن أخيه. معنى: لو كان عنده شيء من الرحمة والشفقة، لأشفق على ابن أخيه مثل أعمامه الآخرين. العباس، العباس ما أسلم إلا بعد، بعد خيبر الظاهر أو كذا، وكان مع النبي عليه الصلاة والسلام حتى في البيعة، أنه كان لا يزال على كفره وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعه الأنصار في العقبة الثانية، فمعناه كافر، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأتمنه حتى أخذه معه، والكفار لا يعلمون بهذا. بل أن الأنصار كانوا مع قومهم وخرجوا بدون أن يعلموا بهم، حتى جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وبايعوه. وكان النبي عليه الصلاة والسلام معه عمه العباس، كذلك عمه أبو طالب وهو سيد قومه كان يحميه مع كفره، لكنه كان يحميه، وكان أيضًا يشفق عليه. وأيضًا عمامه الآخرين الذين حضروا وقت النبي عليه الصلاة والسلام والبعثة: حمزة بن عبد المطلب أسلم رضي الله تعالى عنه، وحسن إسلامه، ودافع عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذا الشقي كان من أشد أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أنه كما قلنا يخرج خلفه، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو في القبائل في عكاظ ومجنة وذي المجاز. كان النبي عليه الصلاة والسلام يمشي ويدعو الناس إلى الخير، يدعو الناس إلى الإسلام، وكان هذا الشقي خلفه يقول: لا تصدقوا فإنه كاذب. حتى التقى النبي عليه الصلاة والسلام بشباب من الأنصار ودعاهم إلى الله وقبلوا، وكذلك أيضًا قبل منه أناس عليه الصلاة والسلام. لكن لشدة ما كان يبثه تبثه قريش عند القبائل وعند غيرهم، فكان الواحد منهم إذا أسلم خاف، خاف على نفسه أن يقتل، خاف على نفسه أن يقتل، حتى أن الرجل لا يدخل إلى مكة وهو خائف أن يقع في هذا، أو أن يقع في دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم. حتى قال ضمام بن ثعلبة: أنه وضع في أذنه الكرسف، وضع قطن حتى لا يسمع شيء، وجاء والتقى بالنبي عليه الصلاة والسلام. فلما رآه يصلي قال: أنا الرجل أعرف الطب، وأعرف كذا الحكمة، وأعرف الشعر، وأعرف كذا، أنا عندي معارف كثيرة، فسأنظر ما هذا عند هذا لعلي أداوي. لأنهم يقولون: إنه معنى انتشر عند قريش أنه مطبوب، أي مسحور، به طب، معنى به سحر يفرق بين المرء وأهله، وغير مما ذكره هؤلاء الكفار لأجل الصد عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما كان الرجل يسمع يخاف أنه يسمع شيء، لكن قال ضمام: أنا عندي في الحكمة وأعرف في الطب، لعلي أشفيه. فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له هذا الكلام، والحديث في صحيح مسلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعين ونستغفره، وذكر خطبة الحاجة. فقال له ضمام: أعد علي، أعد هذا الكلام. فعاده النبي صلى الله عليه مرة ثانية، ثم قال له: أعد، أي أعد مرة ثالثة. فعاده، فقال ضمام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. فأسلم رضي الله عنه بسماع هذه الخطبة، لأنه عرف أن هذا ما يقوله إلا رجل من عند الله عز وجل، وليس رجلًا مسحورًا كما يدعي أولئك. فالمهم أن هذا الشقي كان يعادي النبي عليه الصلاة والسلام، عم ابن أخيه. كان لو كان في قلبه شفق لأشفق على ابن أخيه ولسكت مثل غيره، لكنه كان شقيًا. ولهذا كان عقابه أن بشره الله عز وجل بالنار وهو حي، بشره الله عز وجل بالنار وهو لا يزال في الحياة، كما في هذه السورة. فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك. فأنزل الله عز وجل: ﴿ تبت يد أبي لهب وتب ﴾ إلى آخرها. فهذا ما يذكر في هذا المقام. الله تعالى شكرًا شكرًا.