كتاب التفسير من صحيح البخاري 320

كتاب التفسير من صحيح البخاري 320

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 320، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة أم جميل وأذيتها للنبي ﷺ وبداية الجهر بالدعوة

يتناول المحور قصة أم جميل زوجة أبي لهب وشدة عدائها للنبي ﷺ حيث كانت تؤذيه بالنميمة ووضع الشوك، مما اضطره لعقد اجتماعات سرية في دار الأرقم. وبعد نزول آية الإنذار الجهرية، صعد النبي ﷺ جبل الصفا ونادى قريشاً فآمنوا بصدقه، فرد أبو لهب بالتكذيب فنزلت سورة المسد متوعدة إياه وزوجته.

تفسير تفصيلي لآية "وامرأته حمالة الحطب" وعذابها

يفسر المحور وصف امرأة أبي لهب بـ "حمالة الحطب" بأنها كانت تنقل النميمة وتوقظ الفتنة، فجاء جزاؤها من جنس عملها بأن تُعذب بحبل من نار في عنقها. ويوضح أن "حبل من مسد" يعني سلسلة من نار تُجعل في جيدها وتعصب بها في النار مصداقاً لآيات أخرى تصف أغلالاً وسلاسل لأهل النار.

الاستعاذة من نار جهنم والدعاء بالخير

يختتم المتحدث المحاضرة بتكرار الاستعاذة بالله عز وجل من نار جهنم مؤكداً طلب الحماية منها. كما يدعو الله أن يوفق نانسي قنقر في ترجمة الخير ونشره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب: وامرأته حمالة الحطب". قال: "حمالة الحطب: تمشي بالنميمة". وهذه المرأة التي يقال لها العوراء، وتكنى بأم جميل، وهي أخت أبي سفيان بن الحارث... أقصد: أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي، أبو سفيان بن صخر. وهذه أم جميل أخته، زوجة أبي لهب، وكانت امرأة سيئة، شديدة العناد، وأيضًا العداء. يُقال: إن اسمها أروى، والعوراء لقب. وقد ذكرنا قبل ما حصل لما نزلت هذه الآية، أو هذه السورة، فأقبلت امرأة أبي لهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان أبو بكر عنده. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: "لو تنحيت، فإنه سيحال بيني وبينها". فأقبلت، فقالت: "يا أبا بكر"، أو قالت: "يا أبا بكر، هجاني صاحبك". قال: "لا، ورب هذه البنية، ما ينطق بالشعر، ولا يتفوه به". فقالت: "إنك لمصدق". فلما ولَّت، قال أبو بكر: "ما رأتك يا رسول الله". قال: "ما زال ملك يسترني حتى ولَّت". وجاء أنها قالت: "مذمم أبينا، ودينه قلينا"، أو قالت: "محمد قلينا، ودينه أبينا، وأمرنا رفضنا، دينه وبغضناه". فقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في البخاري: "إن الله ليصرف عني هجاء المشركين"، أو كما قال عليه الصلاة والسلام: "فإنهم يسبون مذمما، وأنا محمد". يسبون مذمما، وأنا محمد. فالنبي عليه الصلاة والسلام اسمه محمد، وهو الذي قد جمع المحامد، والمشركون كانوا يقولون: مذمما. نحن يريدون عيبًا له وسبًا، فكانوا يقولون: مذمما، ويسبون مذمما. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "صرف الله عز وجل عنهم، أو عني، حتى سبهم، فهم يسبون مذمما، وأنا محمد". وقول هنا مجاهد رحمه الله: "حمالة الحطب: تمشي بالنميمة". وامرأته حمالة الحطب. قال مجاهد: "تمشي بالنميمة". وهذا تفسير عظيم من مجاهد رحمه الله. وقد جاء أيضًا عن ابن سيرين أنه قال: "كانت هذه المرأة، أي امرأة أبي لهب، تمشي بالنميمة، وتنم على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلى المشركين". معنى: تنقل كلامهم. ويُقال، أو ذُكر في السيرة، في سيرة ابن إسحاق، أن بيت أبي لهب كان جارًا للنبي عليه الصلاة والسلام، أو أن أبا لهب كان جارًا للنبي عليه الصلاة والسلام، فكانت هذه المرأة تسمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وترى من يأتي إليه. وذكر أيضًا ابن إسحاق في السيرة أنها كانت تضع الشوك على طريق النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت تنم وتحرش. فقال مجاهد: "حمالة الحطب: تمشي بالنميمة". أي: تأخذ كلام النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وتعطيه للمشركين، أو تخبرهم بمن يأتي عنده. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يجعل الناس يجتمعون في بيته، فقد كانوا يجتمعون في بيت الأرقم بن أبي الأرقم في أعلى مكة، حتى أظهر الله عز وجل دينه. وإلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متخفيًا، صلوات الله وسلامه عليه. فلما أمره الله عز وجل بالجهر، جهر بالدعوة، وطلع جبل الصفا، وأنذر أولًا، مثل ما أمره الله عز وجل: "وأنذر عشيرتك الأقربين"، كما تقدم في الحديث الذي ذكره المؤلف البخاري. لما نزلت هذه الآية، صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصفا، وقال: "يا معشر قريش". فعم وخص. فإن أخبرتكم أن عيرًا تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: "ما جربنا عليك من كذب". فقال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال هذا المدبر أبو لهب: "تبًا لك، أجمعتنا لهذا؟". فنزلت هذه الآية. ولهذا، كما قلنا، النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يجمع الناس في بيته، حتى لأجل عين المشركين، لأنهم كانوا إذا رأوا أحدًا يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم آذوه. فإن سمعوا بأن إنسانًا أسلم، آذوه، وأيضًا عذبوه، إذا كان مثلًا من العبيد أو من الإِماء، فجعلوا سيده يعذبه. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام اختار بيت الأرقم، لأنه بعيد من الناس، كان في أعلى مكان. لكن كانت هذه المدبرة، هذه العوراء، أم جميل، كانت تخبر المشركين إذا رأت أحدًا عند النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا جعل الله عز وجل من عذابها يوم القيامة أنها تحمل الحطب، تلهب النار لزوجها، أو على زوجها. "وامرأته حمالة الحطب". فهي تمشي بالنميمة، وهي أيضًا توقظ النار على المشركين. معنى: كأن الجزاء من جنس العمل. فهي في ذلك الوقت، في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كانت تأخذ كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخذ كلام الصحابة، أو إذا رأتهم، أو رأت أحدًا، أخبرت المشركين. فكأن هذا إيقاد لهم وإشعال النار عليهم. فلهذا جعل جزاؤها ربنا جل وعلا أنها تشعل النار على زوجها وغيره. قال: "في جيدها حبل من مسد". يُقال: من مسد، ليف المقل، وهي السلسلة التي في النار. "في جيدها": معنى في رقبتها، وهي السلسلة التي يُسلسل بها أهل النار: "خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه". "فاسلكوه": أي اسلكوه في هذه السلسلة. معنى: كأنه يدور عليه هذه السلسلة حتى لا يستطيع الحركة، ثم يدخل النار هو وسلاسله. "خذوه فغلوه، ثم...". فالله عز وجل بيّن أنهم يأخذون بهذه السلاسل ويضعون في النار، وأيضًا يعصبون بهذه السلاسل، وتوضع في أعناقهم: "أغلالًا في أعناقهم، والسلاسل يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون". أي: يحترقون في النار هم وسلاسلهم. معنى: كأنهم يأخذون مقيدين بهذه السلاسل، توضع أغلال في أعناقهم، وأيضًا يعصب جسمهم بهذه السلاسل. وهذا أيضًا هنا قال الله عز وجل: "في جيدها حبل من مسد". فهذا الحبل هو سلسلة من النار تلف على عنقها وعلى جسدها. فـ "جيدها": قال: عنقها، كما قال أبو عبيدة: "في عنقها حبل من النار". والمسد: هي حبال كبيرة. الأصل للمسد: هو حبل كبير. والمقصود به هنا: السلسلة التي في النار. فإن أهل النار يعصبون بها. ليس هناك حبال، وإنما سلاسل من النار توضع في رقابهم، وكذلك أيضًا في أجسامهم: فعصب أيديهم وأرجلهم، وأيضًا يأخذون إلى النار فيحترقون فيها. إذن: الأغلال في أعناقهم، والسلاسل يسحبون... تسحبهم الملائكة بالسلاسل في الحميم، ثم في النار يسجرون. يسحبونهم إلى الماء الحار حتى يحرق أجسادهم، ثم تحرقهم النار بعد ذلك. والعياذ بالله. نسأل الله عز وجل أن يعافينا، وأن يجنبنا النار. فنعوذ بالله عز وجل من نار جهنم، ونعوذ بالله، به جل وعلا، من نار جهنم. نعوذ بالله منها. سدد الله خير ترجمة نانسي قنقر.