كتاب التفسير من صحيح البخاري 322

كتاب التفسير من صحيح البخاري 322

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 322، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تسمية سورة الفلق وفضائل المعوذتين وأسباب نزولهما

يتناول المحور تسمية سورة الفلق ونسبتها للمدنية، وفضائل المعوذتين من الأحاديث النبوية كتعويذ النبي صلى الله عليه وسلم بهما، مع شرح معنى "غاسق إذا وقب". كما يسرد إسناد البخاري لرواية زر بن حبيش عن أبي بن كعب في سؤال النبي عن المعوذتين.

إجماع الأمة على قراءة المعوذتين وتفسير معاني الاستعاذة

يؤكد المحور إجماع القراء والأمة على وجوب قراءة "قل" في سورتي الفلق والناس، وينتقد من حذفها بدعةً. كما يفسر معاني الاستعاذة من شرور المخلوقات والظلام والسحرة والحسد، ومن وساوس الشيطان التي تخنس بذكر الله.

فضل سورتي الفلق والناس والرد على المخالفين وخاتمة التفسير

يؤكد المحور أن سورتي الفلق والناس من القرآن الكريم بإجماع الأمة، ويرد على رأي ابن مسعود المخالف. يبين أن الفلق استعاذة من كل شر والناس استعاذة من أصل الشر وهو الشيطان، ويوضح تعاون شياطين الإنس والجن، مختتماً تفسير كتاب التفسير من صحيح البخاري.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «سورة قل أعوذ برب الفلق». والمشهور في المصاحف أنها سورة الفلق، وغالبًا البخاري يأتي ببداية السورة. وقال مجاهد: الفلق الصبح. وأيضًا هذه السورة سورة مدنية، وكذلك «قل أعوذ برب الناس» سورة مدنية، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعوذ بتعاويذ، حتى أنزل الله عز وجل هاتين السورتين، فترك تلك التعاويذ. وجاء أيضًا من حديث أبي سعيد في الترمذي وغيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من شياطين الإنس والجن بتعاويذ، حتى أنزل الله عز وجل هاتين السورتين، فتعوذ بهما. وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عقبة في صحيح مسلم: «ما تعوذ متعوذ بمثلهما، ما تعوذ متعوذ بمثلهما». وقد جاءت الفضائل الكثيرة في هاتين السورتين، ولهذا تجدها في أكثر الأذكار: أذكار الصباح والمساء، أذكار النوم، وبعد الصلوات، وغيرها من الأذكار، فيها تقرأ هاتان المعوذتان. وهما أيضًا أعظم ما يقرأ في الرقية، أفضل ما يقرأ وأعظم ما يقرأ في الرقية المعوذتان. وقال مجاهد: الفلق الصبح. «ومن شر غاسق إذا وقب»: غروب الشمس، معنى إذا دخل الظلام، معنى إذا دخل الظلام. «من شر غاسق إذا وقب»: جاءت الظلمة، وتأتي فيها الشرور، يأتي فيها الجن والشياطين، وتأتي فيها الهوام، وكذلك غيرها من الأشياء التي قد تضر الإنسان. يقال: أبين من فرق، وفلق الصبح، ووقب إذا دخل في كل شيء وأظلم. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو القُتَيْبِي البَغْلاني، أبو رجاء، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف. قيل: اجتمع في آبائه السعادة، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، البَجَلي، البَغْلاني، المصري. قال: حدثنا سفيان، وهو أبو محمد الهلالي، سفيان بن عيينة، عن عاصم، وعبدة. عاصم هو ابن أبي النجود، عاصم بهدلة، صاحب القراءة الذي قرأ عليه حفص، وأبو بكر بن عياش، أن انتشرت قراءة عاصم من طريق حفص بن سليمان الأسدي، وكذلك أبو بكر بن عياش، الذي يقال له الشَّعْبِي، وهو في الحديث حسن الحديث، ليس بالحافظ الثقة، لكنه دون ذلك، وليس هو بالضعيف، ولهذا قرنه البخاري هنا بعبدة. البخاري لم يذكر عاصمًا في الأصول، وإنما يذكره في الشواهد. وقال: وعبدة هو ابن سليمان، أو عبدة بن أبي لبابة. قال: عن زر بن حبيش. وزر بن حبيش يعتبر في الكوفيين، وهو من المخضرمين، المخضرم الذي حضر الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ولد قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام بعشرين سنة. قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين، فقال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «قيل لي، فقلت». فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا السؤال سأل زر بن حبيش أبي بن كعب عن المعوذتين، وهما: «قل أعوذ برب الفلق»، «قل أعوذ برب الناس». فقال النبي عليه الصلاة والسلام... قال أبي: سألت النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «قيل لي، فقلت» عن الله عز وجل: «قل أعوذ برب الفلق». فقال: «قل أعوذ برب الفلق»، مثل ما قال الله. ونحن... قال أبي: ونحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد اتفقت أمة الإسلام على أنه يقال: «قل، قل أعوذ برب الفلق»، ولم يخالف في ذلك أحد من القراء ولا غيرهم، وإنما ابتدعها بعض المعاصرين، وخاصة من في قلبه مرض، فيه شيء من النفاق، والعياذ بالله، وأيضًا في قلبه زيغ، فحذف «قل»، مثل ما فعل ذلك الهالك القَطَّان، فحذف «قل»، وقال: «أعوذ برب الفلق، وأعوذ برب الناس». وهذا يدل على جنونه، وإلا فهذا لم يختلف فيه أحد، لأن الأمة... لأن هذا القرآن هو الذي يبلغه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبلغ هذه السورة هكذا. قال: باب سورة «قل أعوذ برب الناس». وقال ابن عباس: وهذه السورة سورة عظيمة، فيها الاستعاذة من كل الشرور، الاستعاذة بالله عز وجل، أو الالتجاء. الاستعاذة هي العوذ والالتجاء والاعتصام بالله جل وعلا من كل الشرور. فقال: «أعوذ برب الفلق من شر ما خلق»، أنا كل من خلقه الله عز وجل فيه شر، يستعيذ به الإنسان من شر ما خلق. «ومن شر غاسق إذا وقب»: إذا دخل الظلام، ظلام الليل. «ومن شر النفاثات في العقد»: وهن السواحر والساحرات، السواحر التي ينفثن في العقد. أيضًا فيه الاستعاذة من شر السواحر والسحرة، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد، سواء كان حسده عينًا أو حسدًا بغير عين، فكله يستعاذ منه. فشملت هذه السورة كل شر يكون في هذه الأرض، ويكون في كل مخلوق، فإنه يستعاذ منه، فهي شاملة في المعنى في الاستعاذة من الشرور. ثم أيضًا هذه السورة الأخرى: «قل أعوذ برب الناس». قال ابن عباس: الوسواس، إذا ذكر الله خنس، فإذا ذكر الله عز وجل ذهب، وإذا لم يذكر الله ثبت على قلبه. وخنس: معناه اختفى، يختفي في قلب العبد، فإذا ذكر الله ذهب هذا الشيطان وخنس، وإذا لم يذكر برز. فقال الله عز وجل: «قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس». أنا نستعيذ بأعظم أسماء الله عز وجل: الرب، والإله، والمالك. «قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس». يوسوس، يظهر ويختفي، إذا ذكر الله عز وجل... وإذا غفل خنسه الشيطان. خنسه الشيطان: أي أزاله. إذا خلق هذا الوسواس في قلب الإنسان، جاء الشيطان وزينه له، وزينه له، أي هذا الوسواس. يوسوس لابن آدم في صلاته، يوسوس له أيضًا كذلك في طاعاته، فما يجد فرصة إلا وهو يوسوس لهذا الإنسان. وأيضًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». قال: وحدثنا علي بن عبد الله، وهو ابن المديني، أبو الحسن، إمام من أئمة المسلمين. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة. قال: حدثنا عبدة بن لبابة، عبدة بفتح العين، عبدة بن لبابة، عن زر بن حبيش. وقال: وحدثنا عاصم. الذي قال: «حاء» هو سفيان بن عيينة. معنى: سفيان بن عيينة سمع هذا الحديث من عبدة ومن عاصم، كما تقدم عن زر. قال: سألت أبي بن كعب، قلت: يا أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال أبي: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فقال لي: «قيل لي، فقلت». قال: فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وهذا الحديث: كان ابن مسعود له رأي أن هاتين السورتين إنما جعلها الله عز وجل من الذكر، وليستا من القرآن. وهذا اجتهاد، اجتهاده، لم يوافقه عليه أحد، بل خالفه سيد القراء، وهو أبي بن كعب، وأجمعت الأمة على ذلك، أجمعت الأمة على أنهما من القرآن. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأهما في الصلاة، فإذا لم تكونا من القرآن، فما قرأهما النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذه السورة أيضًا كذلك، كما قلنا، فيها الاستعاذة من الشياطين: شياطين الإنس وشياطين الجن، وهي أصل الشر. فالفلق فيها الاستعاذة من جميع الشر، وسورة الناس فيها الاستعاذة من أصل الشر، أصل الشر وهو الشيطان. ولهذا... أقد الشر من الشر، فالشيطان هو أصل الشر، فجاءت سورة الناس بالاستعاذة منه: «قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس». فتبين أن هذه الآية فيها، أو السورة فيها، الاستعاذة من شياطين الإنس والجن. فهذا يوسوس في القلب، ويجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا يوسوس له بالكلام، ويغريه بالكلام، ويزين له بالكلام، فيزين له الفاحشة، ويزين له الكفر، والعياذ بالله، والفسوق، وكل ذلك يكون من شياطين الإنس. وأيضًا يتعاون مع شياطين الجن، فهؤلاء الشياطين يتعاونون بعضهم مع بعض، وقد ذكر الله عز وجل أنهم استمتع بعضهم ببعض: «استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا». قال الله عز وجل: «النار مثواكم، خالدين فيها». فالله عز وجل يخبر أن هؤلاء يتعاونون، شياطين الإنس والجن، على الإنسان، وعلى بني آدم، لكي يغووهم عن الطريق. وشيطان أخذ هذا من أول ما خلق الله عز وجل آدم، فحسده. ولما خلق الله عز وجل آدم، جاءه الشيطان، فنظر إليه، لما كان آدم في طينته، فلما خلقه الله جاءه الشيطان وحام حوله، فلما رآه أجوف، مدخل، يريد يدخل في هذا الإنسان، رآه أجوف، ففرح هذا الشيطان، وعلم أنه سيغوي ابن آدم، سيغوي ابن آدم. ومما جعله الله عز وجل ابتلاء للإنسان، تسليط الشيطان عليه، فمن كان من الغاوين استولى عليه الشيطان، ومن كان من المخلصين فإنه ينجى من هذا الشيطان، كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وقال الشيطان: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. فالمخلص لا يقربه الشيطان، لأنه يريد الله، والشيطان يريد أن يبعده عن الله. فكل من ابتعد عن الله فإن الشيطان يتسلط عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. فخلاصة ما يذكر في هذا المقام: أن هذه السور من أعظم السور في الاستعاذة والالتجاء إلى الله عز وجل من شر كل ذي شر، من شر كل ما خلق، من شر الشياطين، ومن شر ما ذرأ وبرأ، كل ما ذرأ وبرأ في هذه الأرض. ففي هذه السور الاستعاذة، فيها الاستعاذة بذلك، أو من ذلك، الالتجاء إلى الله من كل الشرور، من شرور الشياطين. وبهذا، إن شاء الله تعالى، قد انتهينا من كتاب التفسير من صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى. سَأَلَكُمُ الله. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.