المحاضرة بعنوان أثر العلم في إصلاح المجتمع، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الرابعة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 26 ذو الحجة 1447هـ الموافق 12 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبرز الخطيب أهمية العلم الشرعي وتأثيره الكبير على نهضة الأمة، حيث يؤدي إلى نيل الخيرية ودفع النقم عن البلاد والعباد. كما يشدد على أن تأثير العلم لا يقتصر على الفرد بل يمتد للمجتمع ككل.
العلم له دور كبير في دفع البلاء وتنظيم علاقات الأفراد، مما يؤدي إلى استقرار المجتمع وسلامته. كما يهذب سلوك الأفراد ويحدد حقوقهم وواجباتهم.
العلم يعد من أعظم عوامل إصلاح المجتمعات ودفع الفتن، حيث يغير الناس للأفضل ويزيل الفساد. كما يؤثر في القلوب حتى وإن كانوا من أهل الإجرام.
قرر علي بن أبي طالب مواجهة الخوارج بالعلم أولاً قبل القتال، حيث أرسل ابن عباس لمناقشتهم ونقاشهم حول معتقداتهم. هذه الخطوة تظهر أهمية استخدام الحكمة والعلم في التعامل مع الفرق الضالة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإننا نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا هذا اللقاء ونحن على افتتاح دورة مباركة في عامها الرابع والعشرين، وهذا من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وشكر الله جل وعلا لأخينا الشيخ المفضال أبي همام عبد الله بن علي باسعد حفظه الله على ما كان من ترحيبه بالضيوف عامة وبطلاب العلم خاصة ممن وفدوا على هذه الدورة المباركة، فنقول لهم كما قال عليه الصلاة والسلام: «مرحبًا بطالب العلم». وشكر الله كذلك لأخينا الشيخ المفضال أبي معاذ حفظه الله تعالى ورعاه بما تطرق إليه وأجاد في بياني ما يتعلق بأثر العلم على الأفراد. إني في هذا المقام، وعلى العجالة على ما يقتضيه المقام، سأستطرد وإياكم حفظكم الله على ما يتعلق بأثر العلم على المجتمع، وأعني بالمجتمع بمعنى أثر العلم على الأوطان، أثر العلم على البلدان، على العشائر، على القبائل، وعلى التجمعات البشرية. فإن للعلم فيها أثرًا عظيمًا، وإن الكلام عن أثر العلم على المجتمع لمن المسائل المهمة. وحسبي فقط كمقدمة مهمة إلى طرق هذا المسلك، وهو في بيان أثر العلم على المجتمع، إزاحة لبعض المفاهيم المغلوطة التي ترعرعت وعشعشت في أذهان وصدور وقلوب كثير من الناس. حيث أن منهم من يرى أن العلم الشرعي إنما تأثيره على صاحبه فقط، ليتعداه إلى غيره، فما هناك أثر حقيقي على المجتمع. حتى رأينا وسمعنا من بعض الآراء الشاذة والفجة من يدعو إلى إغلاق المراكز العلمية، ومنهم من يطلب من الأوقاف مثلًا أن تغلق المساجد، فما داعي للدروس العامة وما يتعلق بحلقات القرآن. وهؤلاء قد جهلوا ما يتعلق بأثر العلم على المجتمع بأسره كما سيأتي معنا. والخطأ الثاني الذي عشعش في أذهان كثير من الناس من يرى أن العلم المؤثر في المجتمعات وعلى نهضتها هو العلم الدنيوي البحت، من علم الصناعات ومن علم التجارب ومن علم الهندسة ومن علم الفلسفة وغيرها من العلوم. فبعض يجنح إلى أن هذه العلوم هي السبيل إلى نهضة الأمة، وهي التي لها الأثر الملموس دون عده. وهذا كذلك انتكاسة عظيمة. نحن لا ننكر فضائل العلم الدنيوي، لكن لا نتجاهل وتغافل عن العلم الشرعي، بل هو الأصل وهو الأساس. بل حتى قال العلماء: إذا ذكر العلم فما هناك إلا العلم الشرعي. إذا ذكر العلم، وحسبي في هذا المقام، وبعد ذلك يؤذن المؤذن، ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله يبغض كل جعضري جواض سخاب في الأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بالدنيا جاهل بالآخرة». عالم بالدنيا ليست محمدة، لا ليست محمدة بمقابل أنك تجهل علم الآخرة، هنا الذي يذم عليه صاحبه. فالشاهد إخواني، فلا لأجل هذه الأفهام المغلوطة ناسب أن أذكر أثر العلم على المجتمع، وذلك يكون بعد الأذان بإذن الله. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فمن أعظم آثار العلم على المجتمع أولًا أنه سبب لنيل الخيرية والبركة ودفع النقم عن البلاد وعن العباد، إذ أن طلب العلم من أجل العبادات ومن أعظم الطاعات. وقد سمعتم في كلمة أخينا المفضال أبي معاذ ما يتعلق بفضيلة هذه الشعيرة التي ما هناك عبادة توازيها ولا تساويها. فتخيل يا عبد الله أن الأفراد قد انشغلوا بطلب العلم، تعم هذه المجالس المباركة التي قال فيها نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». هذه الفضائل إذا تنزلت في مجلس، في عدة مجالس، في عدة مساجد، في الجوامع، في البيوت، في المراكز، إذا عمت المجتمعات مثل هذه الحلق المباركة، ما ظنك بالخيرية التي ينزلها الله جل وعلا على هذه الأمة، ينزل الخير الكثير. ومن هذه الخيرية أن الله عز وجل يدفع عنها البلاء، يدفع عنها النقم، كما قال إبراهيم النؤدهم رحمه الله تعالى: «إن الله ليرفع ويدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أهل الحديث». يدفع ويرفع ربنا عز وجل البلاء متى؟ إذا كانت هذه الأمة منشغلة بالعلم، بالانغماس فيه والرحلة إليه من هنا إلى هنا، ومن هنا إلى هنا، كل ذلك في سبيل العلم، فالله عز وجل يدفع البلاء ويدفع النقم. هذه من أعظم خيرية البلدان والأوطان. يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: قيل كل بلدة فيها أربع فأهلها معصومون من البلاء. يترى من هؤلاء الأربع؟ قال: كل بلدة فيها أربع فأهلها معصومون من البلاء: إمام عادل لا يظلم، وعالم على الهدي الصحيح، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرصون على طلب العلم والقرآن، ونساء مستورات. ذكر رحمه الله تعالى فيما نقل أربع أصناف، إن وجدت في مجتمع ما، فإن هذا المجتمع بإذن الله معصوم من البلاء. يهمني ما ذكر صنف الثالث: ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرصون على طلب العلم والقرآن. إذا وجدت هذا الصنف في بلد من البلدان أو وطن من الأوطان، فليحمد الله أن الله سبحانه وتعالى جعل في جنباته ما يدفع عنهم سخط الله، سخط الله عز وجل. فحمد الله يا عبد الله إذا جعلك الله منهم ممن يحرص على طلب العلم والقرآن، فبك يا عبد الله يدفع البلاء عن البلاد والمجتمعات. ثانيًا من أثر العلم على المجتمع أنه من أعظم أسباب تنظيم علاقات المجتمع بعضه على بعض. المجتمع عبارة عن كيان كبير يتكون من عدة أفراد يصلون بالآلاف يصلون بالملايين. تنظيم علاقة هذه المجتمعات بعضه ببعض لا يكون بالدسات لا يكون بالقوانين. والله ما وجد بمثل الشريعة عن طريق العلم الشرعي التي هذب ونظم علاقة المسلم بأخيه المسلم. تأمل أولًا لهذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحيتان في الماء ليصلون على معلم الناس الخير». هذا الحديث يتحدث عن فضيلة العلم وكيف أن العوالم تصلي عليه تدعو له. هنا مسألة ما السبب الذي جعل العوالم من كان في بطون البحار كالحيتان والحشرات في جحرها كالنملة تصلي تدعو لمعلم الناس الخير لماذا؟ ذكر العلماء نكت في هذا المقام قالوا: سبب ذلك أن بالعلم الذي انتشر استطاعت هذه الحيوانات أن تعيش حياة كريمة بلا زهق ولا إزالة ولا سحق. إذ أن بالعلم اتقى الناس ربهم جل في علا فسلمت المجتمعات وسلمت العوالم. ولهذا تجد العوالم من حقها على العلم وعلى أهله أنهم يدعون له، حتى الحيتان وحتى النملة ليصلون على معلم الناس الخير. إذا كان هذا من تأثير العلم على الحيوانات والأسماك والحشرات، فما ظنك بأثر العلم على تنظيم حياة المجتمع مؤثرة تنظم. ولهذا كان من كان من قبلنا ما احتاجوا إلى قوانين ولا دساتير، العلم هو الذي ينظم ويهذب ويرتب كل علاقة، بدءًا باللبن الأولى من المجتمع الأسرة. الأسرة يأتي العلم ويهذب وينظم في بيان حق الزوج على زوجته وحق الزوج على زوجها، وحق الآباء على الأبناء وحق الأبناء على الآباء. حتى قال علي رضي الله عنه في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارًا﴾ قال: علموهم، أدبوهم، علموهم. لأنه بالعلم يعرف كل واحد ما الذي عليه من الحقوق والواجبات. وهكذا قسم ما يتعلق بحقوق أصله الأرحام والأقارب، ما يتعلق بحق الجيران، ما يتعلق بحق الراعي والرعية من الحقوق والواجبات. ما الذي ينبغي على هذا، لذا وما يكون لهذا على ذاك، كل يلزم حقه وحده بالعلم ينتشر، كل يلتزم بمتنزماته. الأمر ليس فوضى، عواطف عواصف تعصف بالأمة بالفتن والقلاقل لا يا عبد الله. وجود هذا العلم هذب الله عز وجل به النظام، تهذيب به المجتمعات حتى على مستوى البيوع والشراء، المصانع، المدير بالعلم يعرف ما الذي يلتزم به أمام عماله، والعمال بالعلم يعرفون ما الذي يلتزمون به أمام المسؤولية وأمام المسؤولين. وهكذا العلم إذا شق طريقه في المجتمع نظم هذا وهذب هذا، وسارت الأمور وتسير من غير محاسبة ولما يسمى بجهاز مكافحة الفساد ولا شيء. لكن إذا انتشر العلم حق الانتشار، لا تألم ولا تعل ونعلم غيرنا. هذا مما يذكر إخواني في الله من فضائل العلم على المجتمع. ثالثًا مما يذكر من فضائل وأثر العلم على المجتمع أنه من أعظم عوامل الإصلاح. لو أن المجتمعات اكتفت بالعلم الشرعي عامل من عوامل الإصلاح لكفاه الله. وتأمل يا عبد الله إلى هذه النبذة السريعة في حياة نبينا عليه الصلاة والسلام كيف كان في بداية أمره قبل بعثته كان يعتزل في غار الحراء ويتفكر، كان يتحدث في الغار، وكان ينظر إلى حال قومه وما وصلوا إليه من الفساد والانحراف والانحلال. فلا زال يشغل فكره ويشغل ذهنه كيف يصلح الله أحوال هذه البلاد والعباد؟ فبينما هو في الغار إذ نزل عليه الوحي المنزل المبشر بنبوته ورسالته، وأعطاه ربنا عز وجل أول عامل وأعظم عامل وهو الأس والأساس في إصلاح الناس، ما هو؟ إقرأ، إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. إقرأ العلم العلم يا محمد به يزيل الله عز وجل هذا الفساد والانحلال والانحراف. فنهر نبينا عليه الصلاة والسلام وحمل برسالة العلم على ظهره، فينطلق وانطلق يعلم الناس دين الله ويعرفهم، يطلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل في ضلال مبين. علم ورب حتى رب الصحابة وجعلهم جيلًا عظيمًا، كانوا بالأمس رعاة غنم، فبين عشية وضحاها جعلهم قادة أمم. بالعلم خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقه. العلم أصلح الله عز وجل الجزيرة بأسرها. وهكذا لا يزال العلم ليس فقط في تلكم الأزمان، بل لا يزال بأيدينا يصلح الله عز وجل الأحوال، يصلح الله عز وجل أهل الإجرام، أهل المخدرات، أهل السجون. كم والله من سجين حسن توبته وانقلع عن ذنبه بماذا؟ بالعلم، بالعلم. لا زال المراكز الأمنية ولله الحمد تفطنت لهذا العامل، فلا زال الأجهزة الأمنية تستدعي طلاب العلم والمشايخ إلى السجون، إلى أصحاب تهم المخدرات، ويعلمونهم ويعظونهم. حتى والله سمعنا أن بعضهم قد حفظ القرآن في سجنه. هذا ما يتأتل خبس، هذا ما يتأتل حفظ القرآن، لكن بالعلم لما يربى الناس ولو كانوا من أهل الإجرام والسوابق، لكن خلي بينه وبين العلم سيؤثر فيهم غصبًا ولزامًا. الوحي يؤثر في القلوب والعباد هكذا، ولو ترك العلم ويعطى للعاق وهكذا للقاطع للرحم ولكل مجرم سكير. والله لو أنهم علموا كتاب الله لتأثروا. عامل العلم من أعظم عوامل إصلاح المجتمعات. حتى فئة الشباب هذه الفئة التي أرهقت الدول في تسهيس هذه الطبقة والشريحة العظيمة من الشباب، أهل التهور، أهل الرذائل والانحراف. لا يا عبد الله أشغلهم بالعلم سيتربون. قال جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: «كنا فتيان حزاورة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا». هذا متى؟ قال: «كنا فتيان حزاورة» جمع حزور، والحزور هو الغلام إذا اشتد وهو في هذه الفترة، زاد إيمانهم بماذا؟ بالعلم. تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فالعلم يا عبد الله من أعظم عوام الإصلاح المجتمعات. كذلك يا عبد الله بالعلم من أثره على المجتمع أنه من أعظم أسباب دفع الفتن. يدفع الله عز وجل الفتن عن البلاد والعباد إذا انشغلوا بالعلم. جاء في روايات حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: «يا رسول الله كنا في جاهلية وشر وجاء الله عز وجل بك وبهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟» قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «يا حذيفة تعلم تعلم كتاب الله واتبع ما فيه، يا حذيفة تعلم كتاب الله واتبع ما فيه، يا حذيفة تعلم كتاب الله واتبع ما فيه». والحديث يحسنه الألباني. أمره نبينا عليه الصلاة والسلام في أيام الفتن أن ينشغل بالعلم. ولهذا لما تدب الفتن بأي مسمى كانت، إذا أقبل الناس على العلم أظهر الله عوارها وكشف خباياها. تأمل إلى فتنة الخوارج عندما ظهرت في زمن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فتنة هوجة عرجة كبيرة عظيمة، ستة آلاف خارجي عاثوا في الأرض فسادًا. أراد علي أنه يبدأ باستئصالهم، لكن بدأ بأعظم سلاح قبل السيف والسنان، بدأ بالعلم. أرسل ابن عباس: «اذهب إليهم بالعلم، ناقشهم». فناقشهم في النقاش المعروف قد ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيح