التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 11

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في علم الحديث وبيان الفرق بين التدليس والمرسل الخفي

يشرح الفرق بين التدليس والمرسل الخفي في علم الحديث، حيث يبين أن التدليس يكون برواية الراوي عن من لقيه ولم يسمع منه. بينما المرسل الخفي يكون برواية الراوي عن من عاصره ولم يلقه.

أقسام الطعن في رواية الحديث وتقييم عدالة الرواة

يتناول أقسام الطعن في رواية الحديث، ويشرح كل قسم على حدة مثل الكذب والتهم بالكذب والغلط والفسق والوهم ومخالفة الثقات والجهالة والبدعة وسوء الحفظ. تُستخدم هذه الأقسام لتقييم عدالة الراوي وضبطه للحديث النبوي.

معرفة الأحاديث الموضوعة وأسباب الوضع في الحديث

يتناول طرق معرفة الأحاديث الموضوعة وأسباب الوضع في الحديث، حيث يذكر أن إقرار الواضع بوضع الحديث وحال الراوي ومتن الحديث يمكن أن تكون أدلة على الوضع. كما يذكر أن من أسباب الوضع الزنادقة الذين يكذبون على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «نزهة النظر في شرح نخبة الفكر»: «وكذلك المرسل الخفي إذا صدر من معاصر لم يلق من حدث عنه، بل بينه وبينه واسطة، فالمرسل الخفي يكون برواية من الراوي من عاصره ولم يلقه، فتكون روايته من المرسل الخفي. وأما إذا كان لقيه وسمع منه، ثم حدث عنه بما لم يسمع منه، فهذا هو رواية المدلس». قال: «والفرق بين المدلس والمرسل الخفي دقيق، حصل تحريره بما ذكر هنا، وهو أن التدليس يختص بمن رووا عن من عرف لقاؤه إياه، يعني أن الراوي لقي شيخه وحدث عنه، لكنه لم يسمع منه هذا الحديث، فيكون روايته عنه من باب التدليس. وأما إذا عاصره ولم يلقه، فروايته عنه من المرسل الخفي». قال: «فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، فهو المرسل الخفي. ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة، ولو بغير لقي، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفريق بينهما». إذا الفرق بين التدليس وبين المرسل الخفي: أن المدلس رواية الراوي عن من عاصره ولقيه، ما لم يسمع منه. وأما المرسل الخفي، فهو رواية الراوي عن من عاصره ولم يلقه، يعني ما لقيه مطلقا، ولم يسمع منه، فتكون روايته من المرسل الخفي. قال: «ويدل على أن اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة وحدها لا بد منه، إطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين - والمخضرمون هم من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام، كأبي عثمان النهدي، وهو عبد الرحمن بن مل، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، وقيس بن أبي حازم كذلك - عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل الإرسال، لأنهم يعدون من كبار التابعين، فروايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة، لا من قبيل التدليس». يعني يريد أن يستدل بهذا على أن رواية الراوي عن من عاصره ولم يلقاه هي من باب المرسل الخفي، وليس من باب التدليس. فهؤلاء أدركوا عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، فروايتهم عنه مرسلة، ولم تعد من رواية المدلسين، وإنما عدت من رواية الإرسال. قال: «ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس، لكان هؤلاء مدلسين، لأنهم عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم قطعا، ولكن لم يعرف هل لقوه أم لا». هذا القيد الذي ذكره فيه نظر، قوله: «ولكن لم يعرف هل لقوه أم لا»، هذا ليس بصحيح، بل يجزم بأنهم ما لقوه. المخضرمون يجزم بأنهم ما لقوا النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هناك شك في لقائهم للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني هل لقوه أو لم يلقه، بل يجزم بأنهم لم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، إذن فلا حاجة إلى قوله: «ولكن لم يعرف هل لقوه أم لا». قال: «ومن قال باشتراط اللقاء في التدليس، الإمام الشافعي، وأبو بكر البزار، وكلام الخطيب في «الكفاية» يقتضيه، وهو المعتمد». يعني في التدليس لا بد من ثبوت اللقاء، لقاء الراوي بشيخه. وأما في المرسل الخفي، فيكتفى بحصول المعاصرة. واضح الآن، المعاصرة مثلا على سبيل المثال، من عاش في زمن الشيخ ابن باز رحمه الله مثلا، عاصره هو وإياه في عصر واحد، لكن لم يلقه، لم يحصل له لقاء بالشيخ ابن باز، فإذا روى عن الشيخ ابن باز، قال: «قال ابن باز كذا»، أو «عن ابن باز أنه قال كذا وكذا»، الآن هذه رواية معاصر عن من عاصره ولم يلقه، فتكون من المرسل الخفي. لكن لو لقيه، لقي الشيخ ابن باز وسمع منه، ثم حدث عنه بشيء لم يسمعه منه، يكون من باب التدليس. هذا الفرق بين التدليس وبين المرسل الخفي. قال: «ويعرف عدم الملاقات بإخباره عن نفسه بذلك، أو بجزم إمام مطلع، يأتي إمام للعلم بالنقد، فيقول: «إن فلانا لم يلق فلانا»، فتكون رواية عنه مرسلة». أو لا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادة راوي أو أكثر بينهما، يعني بين هذا الراوي وبين من روى عنه، قد يوجد راوي بينهما، فيزاد ذكر هذا الراوي بين هذا الراوي وبين شيخه. قال: «الاحتمال أن يكون من المزيد في متصل الأسانيد، أن يروى الحديث من طريقين، يروى عن هذا الراوي عن شيخه بغير واسطة، ويروى عنه بواسطة، بذكر راوي آخر بينهما». فهذا يعني لا يكفي. يقول: «لاحتمال عدم الملاقاة، لاحتمال أن يكون هذا من المزيد في متصل الأسانيد، وأن يحكم برواية من ذكر هذا الراوي الزائد بالوهم، ويكون الصواب رواية هذا الراوي عن من روى عنه مباشرة، فيكون ذكر هذا الراوي الزائد بينهما من المزيد في متصل الأسانيد». قال: «ولا يحكموا في هذه الصورة بحكم كلي، لتعارض احتمال الاتصال والانقطاع، لا يحكم في هذه الصورة - يعني في ذكر الراوي أو زيادة راوين في الإسناد - لا يحكم عليها بحكم كلي، لتعارض احتمال الاتصال والانقطاع، فينظر أيهما أرجح، أيهما أرجح، هل هو ذكر هذا الراوي أو الرواية بغير ذكر هذا الراوي؟ فإن رجح ذكر هذا الراوي، فيكون عدم ذكره في ذلك السند يدل على انقطاع السند، وأن هذا الراوي لم يسمع من شيخه. وإن رجح العكس، وأن فلانا سمع من فلان، فيكون ذكر هذا الراوي الزائد من المزيد في متصل الأسانيد». قال: «وقد صنف فيه الخطيب كتاب «التفصيل لمبهم المراسيل»، وكتاب «المزيد في متصل الأسانيد»». قال: «وقد انتهت هنا أقسام حكم الساقط من الإسناد». انتهى ما يتعلق بحكم الساقط من الإسناد. قال: «ثم الطعن يكون بعشرة أشياء، بعضها أشد في القدح من بعض، خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط». الطعن يعني في الراوي يكون بعشرة أشياء، خمسة تتعلق بالعدالة، وهي: الكذب، والتهمة بالكذب، والفسق، والجهالة، والبدعة. وخمسة تتعلق بالضبط: فحش الغلط، والغفلة، والوهم، وسوء الحفظ، ومخالفة الثقات. قال: «ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر، لمصلحة اقتضت ذلك». يعني الحافظ ما ذكر هذه الأقسام مميزة، يعني بأن ذكر ما تتعلق بالعدالة، ثم ذكر ما يتعلق بالضبط، بل دمج بينها، واهتم بذكر الأشد فالذي دونه، يعني بالعد التنازلي من الأعلى إلى الأدنى. قال: «وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد، على سبيل التدلي». يعني من الأعلى إلى الأدنى، لأن الطعن إما أن يكون لكذب الراوي في الحديث النبوي، بأن يروي عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يقوله متعمدا لذلك. قوله متعمدا خرج به الساهي والغالط، فلا يعد ذلك من الكذب، إذا حصل منه السهو أو غلط، فلا يكون كذابا. الكذاب لذلك يتعمد الكذب، يتعمد أن يكذب في حديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «أو تهمته بذلك، يعني تهمته بالكذب، يقال: «فلان متهم بالكذب»، إذا قيل: «فلان كذاب»، معنى إيش؟ يتعمد الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. أما متهم بالكذب، بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي». وهذا دون الأول، إذا المتهم بالكذب يكون بأمرين: الأمر الأول أن يروى الحديث من طريقه، ويكون هذا الحديث مخالفا للقواعد المعلومة في الشريعة، تكون مخالفا للقواعد المعلومة في الشريعة، كأن يكون فيه دلالة على عدم وجوب شيء واجب في الشرع، مثلا في هذا الحديث: «أن الصلاة لا تجب»، مثلا، أو «أن الصيام غير واجب»، أو فيه تحليل شيء محرم، هذا شيء مخالف للقواعد المعلومة في الشريعة، أو فيه مثلا إباحة الكذب، مثلا، أو إباحة الغيبة، أو شيء من ذلك من أمور المحرمة فيعلم، ينظر في هذا الحديث، فيقال: «المتهم في هذا الحديث هو فلان»، المتهم به فلان. وهذا النوع الأول. نوع الثاني: من يقال له متهم بالكذب، من عرف منه الكذب في كلام الناس، ولم يعرف منه الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، علم منه أنه يكذب في كلام الناس، ولم يعلم منه الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون هو المتهم بهذا الحديث، يقال: «فلان متهم بالكذب». قال: «وهذا دون الأول»، يعني كذبه في حديث الناس أقل، أقل يعني إثما من كذبه في حديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «أو فحش غلطه، أي كثرته، إذا كان كثير الغلط، هذا مما يطعن به الراوي». أما إذا كان الغلط قليلا، فهذا لا يضر، لأنه لا أحد يسلم منه الغلط، إلا القليل النادر، ممن أغناهم الله لعدم الوقوع في شيء من الغلط. فإذا كان الغلط قليلا بجانب ما يحفظه، فهذا لا يضر بعدالته. لكن إذا كثر غلطه، دل هذا على عدم ضبطه، وبهذا يطعن في حفظه. قال: «أو غفلته عن الإتقان، غفلته عن الإتقان، يعني ذهوله عنده، ذهول عن الحفظ والإتقان، فتكثر عنده الغفلة، تكثر عنده الغفلة». أما إذا كانت الغفلة قليلة، فهذا لا يضر، أنه قل أن يسلم منه أحد. قال: «أو فسقه، أي بالفعل والقول، القول مما لا يبلغ الكفر، فسقه أي بالفعل والقول، أن يقع منه فسق بقوله أو بفعله، بالفعل كأن يحلق لحيته، أو يشرب دخانا، أو كذلك يترك واجبا، أو يفعل محرما. وبالقول: كان يتكلم بكلام الباطل، من سب أو طعن أو لعن أو غيبة أو نحو ذلك، مما لا يبلغ الكفر». يعني لا يكون الفسق فسق مكفر، وإنما فسق دون ذلك. إنه إذا كان مما يصل لحد الكفر، فهذا لا تقبل روايته، لأن الكلام هنا فيما يتعلق برواية الراوي المسلم، فيكون عنده فسق دون الكفر، هذا أيضا مما يطعن به في عدالة الراوي. قال: «وبينه وبين الأول عموم، يعني بين الفسق وبين كذب الراوي، بينهما عموم، يعني الفسق عام، والكذب خاص، ليس كل فسق كذب، وكل كذب فسق، فالكذب يدخل في الفسق، والفسق أعم، يشمل الكذب وغير الكذب، لكن خص الكذب بالذكر، مع أنه من الفسق، لشدة أمره في هذا الباب». قال: «وإنما أفرد الأول - يعني ذكر الكذب، كذب الراوي - مع أنه من الفسق، لكون القدح به أشد في هذا الفن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». قال: «وأما الفسق بالمعتقد، فسيأتي بيانه في الكلام على البدعة». قال: «أو وهمه، بأن يروي على سبيل التوهم، أن يروي على سبيل الوهم والشك وعدم اليقين والثبات، وهذا إذا كثر وهمه، أما إذا كان وهم يسير، هذا يغتفر، لأنه إذا كثر الوهم، فإنه يطعن به». قال: «أو مخالفته - أي للثقات - أي ممن هو أوثق منه، إذا كان يخالف الثقات، فهذا أيضا ترد روايته، ويدل هذا على عدم ضبطه». قال: «أو جهالته، بأن لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح معين، يعني لا يذكر أحد من الأئمة في الجرح والتعديل بجرح ولا تعديل، فما يذكره بعض في كتب الجرح، ولا يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، هذا يعد من المجاهيل، يعد من المجاهيل، أو يقال: «فلان مجهول»، يقال فيه: «فلان مجهول»، هذا أيضا يعتبر من المجاهيل، والجهال أيضا طعن في الراوي». قال: «أو بدعته، ويعتقد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة، اعتقاد اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني بالصفة أو الكيفية أو التحديد، يعني الوقت، العبادة، فالبدعة ما أحدث بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، بقصد التعبد، ولم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام». قال: «لا بمعاندة، لأن إذا كان بمعاندة، سيقع في الكفر، كفر العناد، لكن بنوع شبهة، توجد شبهة جعلته يقع في هذه البدعة». قال: «أو سوء حفظه، وهي عبارة عن أن لا يكون غلطه أقل من إصابته، يعني يكون غلطه أكثر، يكون غلطه أكثر من إصابته، فيكون هذا يعني من سوء حفظه». قال: «أو سوء حفظه، وهي عبارة: أن لا يكون غلطه أقل من إصابته، يعني غلطه أكثر، إذا كان غلطه أكثر من إصابته، دل هذا على سوء حفظه». قال: «فالقسم الأول، وهو الطعن بكذب راوي في الحديث النبوي، هو الموضوع، لما يحكم على الحديث بالوضع، معنى أن في سنده كذابا، في سنده ممن يكذب على النبي عليه الصلاة والسلام». قال: «والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع، إذ قد يصدق الكذوب، الكاذب قد يصدق، لكن هذا الغالب عليه هو الكذب». إذن الحديث الموضوع، ويقال له: «المكذوب» و«المختلق» و«المصنوع»، هو الحديث الذي في سنده كذاب، الحديث الذي في سنده كذاب. قال: «لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية، يميزون بها ذلك، يعني يميزون بها كذب هذا الحديث، أو وقوع الراوي في الكذب». وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما، يعني بالأسانيد ومعرفة الرجال، وذهنه ثاقبا، وفهمه قويا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة. «وقد يعرف الوضع بإقرار واضعه، يعني يقر بأنه وضع الأحاديث، وكذب فيها على النبي عليه الصلاة والسلام». وقد وجد من الوضعين ما اعترف بذلك، اعترف بوضع أحاديث كذب فيها على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «المدقق العيدي: «لكن لا يقطع بذلك لاحتمال أن يكون كذب في ذلك الإقرار»، وهذا بعيد، يعني يعني أن يكذب في إقراره، هو يقر على نفسه بأنه كذب، ويكون كذب في هذا الإقرار، فهذا في الحقيقة فيه شيء من البعد». قال: «وفهم منه بعضهم - قال: «وفهم منه بعضهم، وكانوا يريدون الإمام الذهبي، لأنه قال في «الموقظة» متعقبا لكلام الدقيق العيدي - قال: «هذا فيه بعض ما فيه»، نحن لو فتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد، لو وقعنا في الوسوسة والسفسطة». قال: «لأنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم، لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك». يعني يريد أن إقرار الوضع بوضعه للحديث، هذا من الظن الغالب، لأنه في الأصل كذاب، كان يقول فقط يكذب في إدعائه الوضع، لكن هذا الغالب أنه يعني أن يكون كذابا، سنقبل ذلك منه بظن الغالب. قال: «ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنا، لاحتمال أن يكون كاذبين فيما اعترف به». نعم. لكل الآن مما يعرف به الوضع: إقرار الواضع، الواضع إقرار الواضع بأنه وضع أحاديث كذب فيها على النبي عليه الصلاة والسلام، فبهذا يعرف أن هذه الأحاديث موضوعة. قال: «ومن القرائن التي يدرك بها الوضع: ما يؤخذ من حال الراوي». أولا نذكر مثال من اعتراف الوضع: ما ذكر عن نوح بن أبي مريم الملقب بنوح الجامع، الذي قيل فيه: «جمع كل شيء إلا الصدق»، يعني ذكر في أحاديث فضائل القرآن سورة سورة، كلها كذب على النبي عليه الصلاة والسلام، فلما قيل له في ذلك، قال: «رأيت الناس إن شغلوا - يعني بمغازي بن إسحاق، وفقه أبي حنيفة - فأردت أن أرغبهم، فوضع هذه الأحاديث في فضائل القرآن سورة سورة». قال: «ومن القرائن التي يدرك بها الوضع: ما يؤخذ من حال الراوي، كما وقع لمأمون بن أحمد، أنه ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة أو لا، أي الحسن البصري، فساق في الحال إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سمع الحسن من أبي هريرة»، قال: «حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سمع الحسن من أبي هريرة»». قال: «انتهى الخلاف، جاء النص في علم من هذا كذبه». هذه قرينة تدل على كذبه. قال: «وكذا وقع لغياث بن إبراهيم، حيث دخل على المهدي - أي الخليفة العباسي - فوجده يلعب بالحمام، فساق في الحال إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا سبق - يعني لا رهن - لا رهن - يعني رهان أو عوض - إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح»، فزاد في الحديث: «أو جناح». أصل الحديث صحيح، لكن بغير ذكر الجناح: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر». نصل يعني السهم، والخف للبعير، والحافر للخيل، يعني السباق بالخيل والبعير يجوز أخذ الرهان، وأخذ المسابقة بالسهام والرماية، فزاد لما رأى يلعب بالحمام، زاد: «أو حمام»، يعني حتى يريد شيئا من متاع الدنيا. قال: «فزاد في الحديث: «أو حمام»، فعرف المهدي أنه كذب؛ لأجله، فأمر بذبح الحمام، مع أنه الحمام ما له ذنب، كان يفترض أنه يعاقب هذا الذي وضع الكذاب». قال: «ومنها ما يؤخذ من حال الراوي، كأن يكون مناقضا لنص القرآن بحال المروي، يعني متن الحديث». ومنها ما يؤخذ من حال المروي، كأن يكون مناقضا لنص القرآن، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل، يعني يكون هذا المروي مخالفا لنص القرآن. ومن ذلك مثلا ما جاء في رواية أحد الوضعين، ذكر في حديث: «أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في الألف الأخير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في الألف الأخير، يعني بعد مضي ألف سنة من بعث النبي صلى الله عليه وسلم انتهت الدنيا»، هذا كذب. قال: «أو السنة - يعني يكون مخالف لشيء ثابت في سنة النبي عليه الصلاة والسلام - وهذا كثير في أحاديث الوضعين، يعني في ذكر أشياء مما جاءت السنة بالأمر بها أو بتحريمها أو نحو ذلك». قال: «أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل، يعني يكون شيء مخالف للعقل، ما يقبله العقل الصريح، كحديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «أن سفينة نوح طافت حول المقام سبعا، وصلت عند المقام ركعتين»، هذا شيء ما يقبله العقل، العقل الصريح يعرف أن هذا موضوع. قال: «ثم المروي تارة يخترعه الوضع، يعني مثل الحديث قد يضعه هذا الواضع من عنده، وتارة يأخذ من كلام غيره». قال: «ثم المروي تارة يخترعه الوضع، وتارة يأخذ من كلام غيره، كبعض السلف الصالح، أو قدماء الحكماء، أو الإسرائيليات، يعني يجعلها متن الحديث، أو يأخذ حديثا ضعيف الإسناد، فيركب له إسنادا صحيحا، ليروج، يعني ليقبل ويشتهر وينتشر». قال: «والحامل للوضع على الوضع، إما عدم الدين، كالزنادقة، الزنادقة الذين أرادوا الطعن في الإسلام، فحملهم ذلك على وضع الأحاديث المكذوبة على النبي عليه الصلاة والسلام». ورحم الله جل وعلا الخليفة المهدي، الذي لما رأى كثرة الزنادقة في ذلك الزمان، في زمانه، الذين يكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل ديوانا، وجعل يتتبع الزنادقة، فيقتلهم. ولهذا سمي المهدي «بقصاص الزنادقة»، سمي «بقصاص الزنادقة» رحمه الله. نعم. طيب. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.