التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 13

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الإدراج وأنواعه

الإدراج هو زيادة كلام في متن الحديث ليس منه، ويمكن تمييزه بورود رواية مفصلة أو تنصيص الراوي على ذلك. يحدث الإدراج في أول الحديث أو وسطه أو آخره.

الاضطراب في الحديث النبوي

الاضطراب يحدث عندما تختلف الروايات في السند أو المتن دون إمكانية الترجيح بينها، ويعتبر الحديث مضطربًا إذا كانت الروايات متساوية. يقع الاضطراب غالبًا في الإسناد وقد يحدث في المتن.

التصحيف والتحريف ورواية الحديث بالمعنى

التصحيف والتحريف يحدثان في رواية الحديث، والفرق بينهما مهم في فهم النصوص. رواية الحديث بالمعنى جائزة بشروط، لكن يُفضل سد باب الرواية بالمعنى لاحتمال الخطأ.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، لآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر»: «وأما إدراج المتن فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه». فتارة يكون في أوله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة أو من بعدهم -يعني من التابعين- بمرفوع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم من غير فصل -يعني تمييز وتفريق بين المرفوع والموقوف أو بين المرفوع والمقطوع-. قال: «فهذا هو مدرج المتن». إذن المدرج أن يزيد الراوي في متن الحديث ما ليس منه، سواء كان من قول صحابي أو قول تابعي. وقد يقع الإدراج في أوله، أي في أول المتن. ومن ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسبغ الوضوء، ويل للأعقاب من النار». قوله: «أسبغ الوضوء» هذا من قول أبي هريرة مدرج، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار». وتارة في أثنائه، يعني في أثناء الحديث، كحديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، لما ذكرت ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالت في أثناء الحديث: «وكان يتحنث في غار حراء، وهو التعبد الليالي ذوات العدد». «التعبد الليالي ذوات العدد» هذا ليس من قول عائشة، وإنما من قول الزهري مدرج في الحديث. وفي آخره، وهو الأكثر، يعني الأكثر في الإدراج أن يكون في آخر الحديث. ومنه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». هذه الزيادة، الجملة الأخيرة: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» هذه مدرجة في الحديث. قال: «ويدرك الإدراج بورود رواية مفصلة للقدر المدرج مما أدرج فيه»؛ يعني تأتي رواية لا يذكر فيها هذا الكلام المدرج. يعني مثل حديث أبي هريرة: «أسبغ الوضوء، ويل للأعقاب من النار». جاءت رواية أخرى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأعقاب من النار» من غير ذكر «أسبغ الوضوء». قال: «أو بالتنصيص على ذلك من الراوي»؛ يعني أن يقول الراوي: يعني أنا قلت كذا أو زدت كذا. مثل قول ابن مسعود في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار». قال ابن مسعود: «وقلت أنا: ومن مات لا يدعو لله ندا دخل الجنة». يعني نص على أن هذه الجملة من قوله رضي الله عنه. قال: «أو من بعض الأئمة المطلعين»؛ يعني أن يأتي إما من أئمة الحديث، فيقول: هذا الكلام مدرج في الحديث، ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. فينص على أن هذه الجملة مدرجة. أو باستحالة كون النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. ومثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين قال: «والذي نفسي بيده، لولا الحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك». «والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك». يعني ذكرها في ضمن مثل الحديث. قال علماء: هذه الزيادة يستحيل أن تكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي من قول أبي هريرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتمنى أن يكون مملوكا، وقد شرفه الله بالحرية، بل وجعله رسولا نبيا. وأيضا قوله: «بر أمي» كيف بر أمه قد ماتت وهو صغير، هو ما أدركها حتى يقول: «لولا بر أمي». فهنا يستحيل أن يكون هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان هذا الكلام من قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. والإدراج إذا كان لقصد تفسير كلمة أو إيضاح معنى، فهذا فعله بعض السلف، ولهذا يكون مكروها في مثل هذه الحال، لكن فعله جماعة كأبي هريرة والزهري. وأما إذا كان يفعله عمدا، أن يدرج كلاما ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يدخل في ضمن الكذابين الذين يكذبون عن النبي عليه الصلاة والسلام، منئذ يكون هذا الفعل محرما. قال: «وصنف الخطيب في المدرج كتابا». نعم، كتاب «الفصل للوصل المدرج في النقل». قال: «ولخصته»؛ أي الحافظ لخص هذا الكتاب بحذف الزوائد وترتيبه على الأبواب، وكذلك أيضا مع زيادات. قال: «وزدت عليه قدر ما ذكر مرتين أو أكثر، ولله الحمد». قال: «أو إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير»؛ أي في الأسماء، كـ «مرة بن كعب» أو «كعب بن مرة»؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر. فهذا هو المقلوب؛ يعني يسمى المقلوب أن يقلب اسم الراوي «كعب بن مرة» فيقال: «مرة بن كعب»، فيحصل بهذا الخطأ. قال: «وللخطيب فيه كتاب رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب»، وهو مطبوع. قال: «وقد يقع القلب في المتن أيضا»، كحديث أبي هريرة عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ففيه: «رجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله». هذا الآن قلب، وإلا فالحديث: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». قال: «فهذا ممن قلب على أحد الرواة»، وإنما هو: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» كما في الصحيحين. قال: «أو إن كانت المخالفة بزيادة راو في أثناء الإسناد، ومن لم يزدها أتقن ممن زادها»، فهذا هو «المزيد في متصل الأسانيد». المزيد في متصل الأسانيد يعني زيادة راو في سند بين راويين سمع أحدهما من الآخر. سمع أحدهما من الآخر، فحينئذ إذا رجحت عدم الزيادة، وأن فلان سمع من فلان من غير واسطة، فيكون ذكر هذا الزائد من المزيد في متصل الأسانيد. ولهذا قال هنا: «وشرطه أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة»، وإلا فمتى كان معنعنا مثلا ترجحت الزيادة. يعني إذا حصل التصريح بأن فلانا سمع من فلان، قال: «حدثنا فلان». وجاء في طريق أخرى أنه يروي عن فلان عن فلان، هذا الذي حدث عنه وصرح بالتحديث عنه، فيكون هذه الرواية الأخرى فيها ذكر هذه الزيادة من المزيد في متصل الأسانيد. أما إذا كان يروي بالعنعنة: «فلان عن فلان». وجاء من طريق أخرى أنه يروي بواسطة: «ثم عن فلان»، فهنا ترجح رواية الزيادة التي فيها ذكر هذه الواسطة. قال: «وشرطه»؛ يعني شرط المزيد في متصل الأسانيد أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة؛ يعني أن فلان سمع من فلان من غير واسطة، فيكون ذكر هذا الراوي بينهما من المزيد في متصل الأسانيد. وأما إذا لم يحصل التصريح بالسماع، وإنما كانت الرواية بالعنعنة، فحينئذ ترجح رواية الزيادة؛ يعني ذكر هذا الراوي الزائد تكون هذه الرواية هي الأرجح. قال: «أو إن كانت المخالفة بإبدال الراوي، ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى»، قال: «فهذا هو المضطرب». إن كانت المخالفة بإبدال الراوي؛ يعني إبداله براوي آخر؛ يعني يروى الحديث من طريقين، مرة يروى عن فلان، ومرة يروي عن فلان آخر، أو أكثر من اثنين، والرواية واحدة، مرة يروي عن هذا، ومرة يروي عن هذا، ولا مرجح لإحدى الروايتين؛ يعني أن هذه أرجح أو تلك أرجح، فهنا يقع الاضطراب، هذا يسمى حديث مضطرب. قال: «فهذا هو الاضطراب أو المضطرب، وهو الاختلاف في سند الحديث أو متنه على أوجه لا يمكن الترجيح بينها»، تكون الأوجه متساوية، ما يمكن أن يقدم بعضها على بعض، فحينئذ نعلم أن هذا الحديث لم يضبط، وحفظه وحصل فيه هذا الاضطراب، يحكم عليه بالضعف. قال: «وهو يقع في الإسناد غالبا، وقد يقع في المتن». نعم، يقع في الإسناد بأن يروى مثلا مرسلا، ويروى موصولا، أو موقوفا ومرفوعا، أو يروى مرة عن فلان، ومرة عن فلان آخر، ولا يمكن الترجيح، فهنا يحكم عليه بالاضطراب. قال: «وقد يقع في المتن». نعم، قد يقع في المتن، مرة يعني يروى بلفظ، وبطريق أخرى يروى بلفظ آخر، أو بشيء يعني من مخالفة في مثل الحديث، فمرة فيه يعني إثبات حكم، وفي رواية، أخرى أو الطريق أخرى نفي هذا الحكم، ولا مرجح فيقع حينئذ الاضطراب. قال: «لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد». قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد؛ يعني أكثر ما يقع الاضطراب في الإسناد، إسناد الحديث، وحينئذ يحكم عليه بالاضطراب بسبب ذلك؛ يعني هذا هو المضطرب. قال: «أما إذا حصل اختلاف، لكن على أوجه يمكن الجمع، هنا لا يحكم عليه بالاضطراب». يعني مثل حصل اختلاف، رواية مرة مرسلا، ورواية مرة موصولا، لكن رأينا من وصل الحديث أحفظ وأوثق ممن رواه مرسلا، ورجحت رواية الموصول، هذا ليس من باب الاضطراب، تكون رواية الموصول هي الراجح، ورواية الإرسال هي المرجوحة. قال: «وقد يقع الإبدال عمدا». مثال ذلك: مثال حديث مضطرب؛ يعني حديث: «ليس في المال حق سوى الزكاة». نعم، ورواية بلفظ آخر: «إن في المال لحقا سوى الزكاة». يعني رواية بهذه اللفظين: «إن في المال لحقا سوى الزكاة»، «ليس في المال حق سوى الزكاة». فهذا الحديث حكم عليه العلماء بالاضطراب، كما قال الحافظ العراقي رحمه الله. ولهذا يعني حكموا بضعف هذا الحديث، وعدم العمل به. قال: «وقد يقع الإبدال عمدا لمن يراد اختبار حفظه، امتحانا من فاعله». كما وقع للبخاري والعقيلي وغيرهما. وشرطه: أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة؛ يعني إذا انتهى قصد الامتحان، فيبين الصواب فيما حصل من إبدال في هذا الحديث. وقصة الإمام البخاري المشهورة في كتب التاريخ: أن البخاري لما قدم بغداد، أرادوا أن يمتحنوه ويختبروه وينظروا مدى حفظ البخاري رحمه الله، فأتوا له بثلاثمائة حديث من ثلاثة محدثين، كل واحد يعني أتى بثلاثين حديثا تقريبا أو مئة حديث. نعم، لعلها مئة حديث، وقلبوا أسانيدها، ومتونها، فجعلوا إسناد هذا الحديث في مثل هذا الحديث. نعم، وجعلوا يلقونها على الإمام البخاري، والإمام البخاري رحمه الله كلما قرأ أحدهم عشرة أحاديث، كان يحرك رأسه كأنه ما يعرف هذه الأحاديث، الأول والثاني والثالث، حتى يعني قريء عليه الماء، فظن الناس أن البخاري ليس بشيء، قالوا: هذه أحاديث كلها مرت عليه، وما عرفها. لما انتهوا، قال للأول: «أما حديث كذا، فإسناده كذا، ومتنه كذا». ورد كل حديث، كل متن إلى إسناده، حتى تكامل الماء، فشهدوا له بالحفظ، وكذلك بالعلم. قال: «فإذا حصل مثل ذلك لقصد الاختبار، فلا بأس». لكن بعد انتهاء الاختبار يبين الصواب، يبين الصواب: «أن هذا الحديث متنه كذا، وهذا سنده كذا». نعم، ولا يبقى على هذا الخطأ. قال: «فلو وقع الإبدال عمدا لا لمصلحة، بل للإغراب مثلا»؛ يعني أن يأتي بحديث يكون غريبا ما سمعه الناس، فيفعل ذلك حتى يلتفت الناس إليه، ويأخذ الحديث منه. قال: «فهو من أقسام الموضوع، يعتبر من قسم الموضوع المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «ولو وقع غلطا، فهو من المقلوب أو المعلل»؛ يعني إذا حصل على سبيل الغلط، فهو يعتبر من المقلوب أو المعلل الذي فيه علة. مثل حديث ثابت بن موسى الزاهد، لما دخل على شيخه وهو يحدث، فلما رآه قال: «من كثر الصلاة حسن وجهه في النهار». وظن ثابت أن هذا مثل الحديث، فجعل يحدث به. هذا الآن حصل قلب غلطا. نعم، البعض يجعلهم من الموضوع، من الموضوع، لكن من غير قصد الوضع، وإنما على سبيل خطأ، لكن الحافظ فرق بأن الموضوع أن يكون مقصودا متعمدا، وأما إذا حصل على سبيل غلط، فيكون مقلوبا أو معللا. قال: «أو إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف، مع بقاء صورة الخط في السياق». فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط، فالمصحف. أو إن كان بالنسبة إلى الشكل، فالمحرف. ومعرب هذا النوع مهم. إن كان الخطأ في النقط، فيسمى المصحف، يسمى هذا تصحيفا. وإن كان في الشكل، فيسمى المحرف. فمثلا: «يسار وبشار». «يسار وبشار» تجد لفظ الكلمة متساويان، لكن تجد الفرق في النقط، في «يسار» نقطتان في أولها، وبـ «بشار» نقطة واحدة، و «يسار» بالسين المهملة من غير نقط، وبـ «بشار» الشين المعجمة من نقط، هنا قد يحصل خطأ، فيكتب بدل «يسار»: «بشار». هذا يسمى تصحيفا؛ لأن الخطأ هنا وقع في النقط، فيسمى تصحيفا. نعم، ومثله أيضا: «العوام بن مزاحم» و «العوام بن مراجم». «مزاحم ومراجم» هذا يعني حصل تصحيف، لحي من معين رحمه الله. فهنا عندنا «مزاحم ومراجم»، «الزاي» في «مزاحم» بالزاي المعجمة، و «مراجم» بالراء المهملة، فحصل في هذا خطأ. وهكذا أيضا: «أبو جمرة وأبو حمزة». «أبو جمرة وأبو حمزة»، «أبو جمرة» الجيم بالجيم المعجمة، و «أبو حمزة» بالحاء المهملة، فحصل في هذا تصحيف بزيادة نقطة، فصارت الحاء جيم. هذا يسمى تصحيفا. إذا حصل الخطأ في النقط، فهذا يسمى تصحيفا. وأما إذا كان في الشكل لا في النقط، فهذا يسمى تحريفا. مثل: «عبيدة وعبيدة». طيب، هذا الآن في الشكل في الحركات، «عبيدة» بفتح العين وكسر الباء، و «عبيدة» بضم العين وفتح الباء، يحصل بهذا التحريف. وهكذا: «بشير وبشير». «بشير وبشير»، «بشير» بفتح الباء وكسر الشين، و «بشير» بضم الباء وفتح الشين. نعم. قال: «وقد صنف فيه العسكري والدارقطني وغيرهما». من الجوز. وكتاب العسكري: «تصحيفات المحدثين»، ومطبوع. وكذا كتاب الدارقطني: كتاب اسمه «التصحيف». قال: «ولا يجوز تعمد تغيير صورة المتن». ولا يجوز تعمد تغيير صورة المتن مطلقا؛ يعني لا بتقديم ولا بتأخير، ولا زيادة ولا نقصان. قال: «ولا الاختصار منه بالنقص». ولا إبدال اللفظ المرادف باللفظ المرادف له. الألفاظ المترادفة التي تختلف حروفها وتتفق معانيها، يسمى هذا اللفظ مرادفا لهذا. مثل مثلا: «جلس وقعد». «جلس وقعد» هذه من الألفاظ المترادفة. كذلك أيضا مثلا: «قام ونهض». مثلا، هذه من الألفاظ المترادفة. يقول: «إلا لعالم بمدلولات الألفاظ، وبما يحيل المعاني على الصحيح في المسألتين»؛ يعني مسألة اختصار الحديث، ومسألة الرواية بالمعنى؛ يعني يقول: لا يجوز أن يروي الإنسان الحديث بالمعنى، أو يختصر الحديث، إلا من كان عالما يعرف ما يرادف هذه الألفاظ ويساويها في المعنى. وأيضا يعرف أنه إذا اختصر الحديث يختصر اختصارا لا يخل بالحديث، لا يخل بالحديث، فيخرج منه قطعة يجعل حديثا مستقلا من غير أن يحصل إخلال. قال: «فمن كان عالما بذلك، فلا بأس أن يختصر الحديث، وأن يروي الحديث بالمعنى». قال: «وأما اختصار الحديث، فالأكثرون على جوازه بشرط أن يكون الذي يختصره عالما»؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين؛ يعني حديثين مستقلين. أو يدل ما ذكره على ما حذفه؛ يعني في الحكم، بخلاف الجاهل، فإنه قد ينقص ما له تعلق. مثل: «لا تفرقن عن بيع إلا عن تراض». يعني لو قال: «لا يتفرقن عن بيع»، وحذف ما بعدها، هنا الآن ما يستقيم الكلام، الكلام ناقص، حصل فيه إخلال. فالجاهل ربما إذا اختصر يفعل مثل ذلك، يحذف ما بعد «إلا»، ويصبح الكلام معلق. لكن العالم يختصر الحديث اختصارا لا يخل بمثل الحديث، ولا بأحكام مثل: حديث أبي هريرة: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». هذا الحديث إذا سمعته وتقول: هذا حديث مستقل، مع أنه قطعة من حديث طويل. قطعة من حديث طويل. هذا حديث أبي قتادة: «ساق القوم آخرهم شربا». نعم، معكم هذا الحديث، وهو قطعة من حديث طويل، كما سمعتم في صحيح مسلم، القصة طويلة في قصة ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر وهو وأصحابه، فاختصر العلماء هذه الجملة من الحديث، وجعلوها حديثا مستقلا في ذكر آداب الشرب ونحو ذلك. أحاديث كثيرة اختصرها العلماء، ويكون هذا الاختصار لا يخل بمثل الحديث، ولا أيضا بحكم الحديث، بل من يراه يظن أنه حديث مستقل، وهو في الحقيقة قطعة من حديث طويل. قال: «بخلاف الجاهل، وربما يخطئ ويغير المعنى ويبطل الحكم». قالوا: «أما الرواية بالمعنى، فالخلاف فيها شهير». فالخلاف فيها شهير، والأكثر على الجواز أيضا؛ يعني أكثر أهل الحديث، وعليه الأئمة الأربعة، وأكثر السلف. والخلاف من الفقهاء والأصوليين، وكان هناك خلاف، لكن يسير؛ يعني منع الرواية بالمعنى: ابن سيرين، وثعلب، وأبو بكر الرازي، وجماعة من الحنفية. لكن كما سمعتم: أكثر أهل العلم على الجواز، وهو الصواب. قال: «ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به». فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى، فجوازه باللغة العربية أولى؛ الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم؛ يعني بلسان هؤلاء العجم؛ يعني يجوز أن تشرح الشريعة الإسلامية مثلا لرجل أعجمي مثلا أوروبي ممن لا يعرف إلا اللغة الإنجليزية، أردت أن تشرح له أحكام الإسلام، فيجوز أن تشرح بلغته، بلسان الإنجليزية، هذا جائز. ومن ذلك أنك تشرح له أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاز ذلك بلغة غير اللغة العربية، فجواز ذكر الحديث بمعنى من الألفاظ العربية من باب أولى؛ من باب أولى أنه يجوز. قال: «وقيل: إنما يجوز في المفردات دون المركبات»؛ يعني في المفردات في مفردات الكلمات، يقال: هذه الكلمة كذا، ومعناها كذا، لا في الجمل المركبة. «وقيل: إنما يجوز لمن يستحضر اللفظة ليتمكن من التصرف فيها»؛ يعني إذا كان مستحضر لفظ الحديث، فيجوز له أن يذكر اللفظ المرادف له والمساوي له في المعنى، فيذكره بمعنى. أما الذي لا يحفظ مثل الحديث، ولا يستحضر لفظه، فلا. «وقيل: إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث، فنسي لفظه، وبقي معناه مرتسما في ذهنه، فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم منه، بخلاف من كان مستحضرا للفظه». قال: «وجميع ما تقدم يتعلق بالجواز وعدمه، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه دون التصرف فيه». نعم، إذا حفظ الإنسان الحديث بلفظه، فالأولى أن يذكره بلفظه، هذا الأولى والأكمل والأفضل. لكن إذا نسيه، وأراد أن يذكر لفظ الحديث، لكن نسي اللفظ الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يعرف معناه، فذكر ما يرادف في المعنى، فلا بأس. وهذا الذي أجازه العلماء في مثل هذه الحالة. قال: «قال القاضي عياض: ينبغي سد باب الرواية بالمعنى؛ لألا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن». كما وقع لكثير من الرواة قديما.