الدرس في التعليق على الجواب الكافي 182، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع الأول موضوع محبة الزوجات والنساء في الإسلام، حيث يفرق بين المحبة الصحيحة وغير الصحيحة مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. كما يذكر أمثلة من السيرة النبوية والصحابة لتوضيح موقف الإسلام من هذه المحبة.
يناقش المقطع الثاني مسألة الشفاعة في المحبة وتزويج المتحابين، مستدلاً بأمثلة من الصحابة والتابعين. يؤكد أن تزويج المتحابين خير ووسيلة للابتعاد عن الشر.
المقطع الثالث يصنف عشق النساء إلى ثلاثة أقسام: العشق كقربة وطاعة، والعشق المذموم، والعشق المباح. يقدم نصائح لعلاج هذا الداء باللجوء إلى الله والاشتغال بذكره.
يؤكد المقطع الأخير على وجوب دفع الشهوة وعدم تركها لأن تركها قد يقود إلى الحرام، مشدداً على أهمية مقاومتها والابتعاد عن مثيراتها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله فيما ذكرنا محبة الزوجات ومحبة النساء جبلة وفطرة جعلها الله عز وجل في قلوب الرجال، لكن هناك محبة صحيحة ومحبة غير صحيحة. فمحبة الزوجات محبة صحيحة، لكن لا يكون فيها غلوّ ولا تكلف، حتى أن الرجل ينصرف عن الطاعة بسبب تلك المحبة. لهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروه﴾. فالعداوة هنا ليست عداوة ظاهرة، وإنما عداوة بصرفه عن الخير. ومحبة النساء غالبًا كما ذكر الإمام ابن القيم من كمال الإنسان. قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرهم نساء. وقد ذكر الإمام محمد أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة. قال عبد الله: فما صبرت عنها. وهذا احتج الإمام محمد على جواز الاستمتاع بالمسبية قبل الاستبراء بغير الوطء، لأن الوطء محرم حتى تستبر، واستبراؤها يكون بحيضة، بخلاف المملوكة المشتراة. والفرق بينهما أنه لا يتوقى من فسخ الملك في المسبية، بخلاف المشتراة فقد ينفسخ فيها الملك، فيكون مستمتعًا بأمة غيره. قال: وقد شفع النبي عليه الصلاة والسلام لعاشق أن يراجع معشوقته. وذلك في قصة مغيث وبريرة، لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام يمشي خلفها بعد فراقها ودموعه تجري على خديه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو راجعته». قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: «لا، إنما أشفع». قالت: لا حاجة لي به. قال العباس: يا رسول الله، ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغضها له؟ قال: «هذا عجب». وهذا الحديث في البخاري. حديث ابن عباس قال: ولم ينكر عليه حبها وإن كانت قد بانت منه. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يسوي بين نسائه في القسم، ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك». وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وغيره. قال: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم. ولم يزل الخلفاء الراشدون والرؤساء من الناس يشفعون للعشاق إلى معشوقهم إذا كان الشفاعة في الوصل بالزواج. وأما الشفاعة في المحبة فهذا لا يجوز. قال: كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان. وقلنا إنه لا يصح. وكذلك علي. وإنما قد يذكر في قضية أبي بكر إرجاعه لعاتكة. فعبد الله بن أبي بكر أحب عاتكة حبًا شديدًا، حتى إنه كان يجلس معها. فرأى أبو بكر رضي الله عنه أن هذا يفسد على عبد الله، فأمره بطلاقها، فطلقها. وهو كان يحبها كثيرًا، فشفع إليه أناس من الصحابة حتى يرجعها إليه. وقال أبو بكر رضي الله عنه: والله إنما خشيت أن يفسد قلبه. فبعد ذلك أرجعها إليه. وقد ذكر أيضًا أن عليًا رضي الله عنه أتى بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل. فقال له: ما قصتك؟ قال: لست بسارق، ولكني عشقت جارية في هذه الدار. فقال له علي: خذها، فهي لك. وذكر أيضًا أن معاوية اشترى جارية فأعجب بها أعجابًا شديدًا. فسمع يومًا تنشد أبياتًا منها: وفارقته كالغصن يهتز في الثرى طريًا وسيما بعد ما طر شاربه. قال: فسألها فأخبرته أنها تحب سيدها، فردها إليه. وفي قلبه منها ما فيه. وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أن زبيدة قرأت في طريق مكة على حائط: أما في عباد الله أو في إمائه كريم يجل الهم عن ذاهب العقل. قال: فنذرت أن تحتال للقائله، حتى تجمع بينها وبين من تحبه. فبينما هي في المزدلفة إذ سمعت من ينشد البيتين، فطلبته. فزعم أنه قال: هم في ابنة عم له، نذر أهلها لا يزوجوها منه. فما زالت تبدل لهم المال حتى تزوجوها منه. وإذا المرأة أعشق له منه لها. فكانت تعده من أعظم حسناتها. قال: وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية التحابان. فكتب الغلام يومًا: ولقد رأيتك في المنام كأنما عاطيتك من ماء فيك البارد. إلى آخر ما ذكره. رحمه الله. إلى ما كان من بعض الملوك أو بعض السلف يجمع بين المتحابين. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لم ير للمتحابين مثل النكاح». ليس هناك خير إلا أن يتزوج أحدهم الآخر. هذا الخير. أما أن يبقيان هكذا فهذا شر ووسيلة إلى الشر. قال: قال جامع بن برخية: سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة: هل على من أحب امرأة من زوجة أو غير زوجة لوم؟ فقال سعيد: إنما تلام على ما تستطيع من الأمر. ثم قال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا قط. ولو سألني ما كنت لأجيب إلا بهذا. قال: أقسام عشق النساء. فعشق النساء ثلاثة أقسام: عشق هو قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته ما لم يكن ذلك فيه غلو. وهذا العشق النافع، فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأكف للبصر والقلب عن التطلع إلى غير أهله. ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس. وعشق هو مقت عند الله وبعد من رحمته، وهو ضرر شيء على العبد في دينه ودنياه، وهو عشق المردان. فما ابتلي به إلا من سقط من عين الله وطرد عن بابه وأبعد قلبه عنه. وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله. وهذا كلام صحيح، أنه يقطع العبد بينه وبين ربه. قال: فدواء هذا الداء لاستغاث بمقلب القلوب، وصدق اللجأ إليه، والاشتغال بذكره، والتعرض لمحبته وقربه، والتفكر في الألم الذي يعقبه هذا العشق. والتفكر في العذاب الذي يعيشه بسبب هذا، واللذة التي تفوت به، يعني لذة الجنة. فيترتب عليه فوات أعظم محبوب، وحصول أعظم مكروه. فإذا أقدمت نفسه على هذا وآثرته، فليكبر على نفسه تكبير الجنازة، وليعلم أن البلاء قد حاط به. والقسم الثالث العشق المباح، وهو الواقع من غير قصد، كعشق من وُصفت له امرأة، فرأى جميلة، وتعلق قلبه بها، ولم يحدث له ذلك العشق معصية. فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه. لكن هذا الذي هو مختلف فيه. فإن استمر فيه فهو وسيلة إلى الحرام، وإن دفعه فهذا الواجب، أنه يدفعه عن نفسه. قال الإمام ابن القيم: والأنفع له مدافعته، والاشتغال بما هو أنفع له منه، لأنه يلهي عن ما هو أعظم من التقرب إلى الله ومحبة الله جل وعلا. قال: ويجب الكتم والعفة والصبر فيها على البلوى، فيثبته الله على ذلك، ويعوضه على صبره له لله وعفته وترك طاعة هواه، وإيثار مرضاة الله وما عنده. فهذا الأولى له، أنه يدافعه ولا يتركه، لأنه لو تركه لكان قاده إلى الحرام. فهذا إن شاء الله.