الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع القاعدة الأصولية التي تنص على أن لفظ العبادة إذا أفرد شمل التوكل والاستعانة، وإذا قورن بهما افترقت الدلالات فاختص كل بمعناه. ويبين أن التوكل يصبح اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، بينما الاستعانة تفيد التفويض لله وحده.
يوضح المقطع الفرق الاصطلاحي بين الفقير والمسكين عند اجتماعهما في آية الصدقات، حيث يعجز الفقير عن قوت يومه بينما يجد المسكين قوته لكن تعوزه حوائج السنة. ويقرر القاعدة الأصولية: إذا اجتمع اللفظان تفرقا في المعنى، وإذا افترقا اجتمعا في الدخول.
يستعرض المقطع القاعدة البلاغية القائلة إن ذكر الخاص بعد العام يفيد الاهتمام والتعظيم، مستدلاً بقرائن قرآنية كذكر الصلاة مع التلاوة والصلاة الوسطى مع الصلوات. ويبين أن تخصيص الصلاة بالذكر رغم دخولها في العموم يهدف لحث الأمة على أدائها وتعظيم شأنها.
يشير المتحدث إلى أن الأمثلة المستعرضة نماذج يسيرة من شواهد القرآن الكثيرة، مستشهداً بآيتين إضافيتين لتأكيد القاعدة. ويختتم الدرس بالاكتفاء بما ذُكر وتفويض العلم لله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: تقرأ: وإذا جمع بينه وبين التوكل والاستعانة - ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ - شملت العبادة بجميع المأمورات الباطنة والظاهرة، وشمل التوكل باعتماد القلب على الله في حصولها، وخرج الجميع المنافي، وتحقق التفويض مع الثقة التامة لله في حصولها. نعم، ما يزال المؤلف يبين هذه القاعدة: بأن بعض الأسماء الواردة في القرآن الكريم إذا أفرد دل على المعنى العام المناسب له، وإذا قرن مع غيره دل على بعض المعنى، ودل ما قرن معه على باقيه، وهي القاعدة المعروفة: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فمن ذلك: في بعض الآيات يجمع الله عز وجل بين العبادة والاستعانة، أو بين العبادة والتوكل، وفي كثير من الآيات يفرد الله عز وجل العبادة. فإذا أفردت العبادة فكما ذكر يتناول هذا اللفظ جميع ما يحبه الله ويرضى، ظاهرا وباطنا. ظاهرا: أي الأعمال الظاهرة، مثل الصلاة، مثل قراءة القرآن، مثل الحج، هذه أعمال ظاهرة. والباطنة: مثل التوكل على الله، والاستعانة بالله، والخوف والرجاء ونحوها. فالعبادة إذا أفردت يشمل ذلك كله. وإذا قرنت العبادة بالاستعانة أو بالتوكل - مع أن التوكل والاستعانة من العبادة - لكن إذا أفردت فسرت العبادة بجميع المأمورات الظاهرة والباطنة، واستثني من الأعمال الباطنة اللفظ الذي قرن معها. فمثلا في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، فالتوكل هنا يفسر باعتماد القلب على الله؛ لأن هذا هو حقيقة التوكل: صدق اعتماد القلب على الله مع اتخاذ الأسباب المأذون بها شرعا. فالتوكل إذا جمع مع العبادة فهو يشمل هذا المعنى. لكن إذا أفردت العبادة دون لفظ التوكل فيدخل فيها التوكل والاستعانة؛ هي بمعنى التوكل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نتوكل عليك ونعتمد عليك. ولذلك قال هنا: وفسر التوكل باعتماد القلب على الله في حصولها، وحصول جميع المنافع ودفع المضار. هذا كله بمعنى التوكل؛ لأنك اعتمدت على الله، فالاعتماد على الله في حصول جميع المنافع: تريد الرزق تتوكل على الله، تريد الشفاء تتوكل على الله، تريد طلب العلم تتوكل على الله، تريد حفظ القرآن تتوكل على الله، بمعنى تعتمد بقلبك على الله عز وجل وتحسن الثقة بالله سبحانه وتعالى. هكذا يكون معنى التوكل إذا قرن بالعبادة. أما إذا انفردت العبادة فهي تشمل جميع الأعمال، ومنها التوكل والاستعانة. نعم، تقرأ. كذلك الفقير والمسكين: إذا أفرد أحدهما شمل الآخر، وما في أكثر الآيات. وإذا جمع بينهما كما في آية الصدقات: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، فسر الفقير بمن اشتدت حاجته وكان لا يجد شيئا، أو يجد شيئا لا ينتفع منه مطعمة، وفسر المسكين بمن حاجته دون ذلك. نعم، تجد بعض الآيات يجمع الله عز وجل فيها بين الفقير والمسكين، وفي بعضها يفرد الفقير أو المسكين. فإذا أفرد الفقير دخل فيه المسكين، وإذا أفرد المسكين دخل فيه الفقير. وإذا جمع بينهما ف كل لفظ دل على معنى: فالفقير فسر بأنه أشد حاجة من المسكين، الفقير أشد حاجة من المسكين. بمعنى أن الفقير الذي لا يجد شيئا، جاء وقت الفطور أو وقت الغذاء وما معه شيء في يومه، أو معه شيء لا يكفيه في يومه، يكفّ إن قنع به، لم يجد ما يتغذى به، هذا يسمى فقيرا. لكن المسكين هو أحسن حال من الفقير، المسكين أحسن حال من الفقير. فقد تجد المسكين مثلا يجد قوت شهره لكن تعرض له عوارض في سنته. ولذلك حد العلماء حدا للمسكين وهو الذي لا يجد قوت سنته، ليس قوت شهره ولا يومه، لا قوت سنته؛ لأن الزكاة إنما تعود في السنة، فجعلوا حاجته حاجة سنة. فلو إنسان مثلا موظف، عنده وظيفة يستلم في الشهر مئة ألف يمني، تمام، لكن حاجته الشهرية أكثر من مئة ألف، ربما يصرف في الشهر مئة وعشرين، مئة وثلاثين، يستدين، يستدين، آخر السنة طلع عنده ثلاثمائة، أربعمائة ديون، هذا يعتبر مسكينا، لا نقول فقيرا؛ لأنه يجد قوت يومه ويجد قوت أغلب شهره وأغلب سنته. لكن الفقير بالأجر اليومي ما عنده عمل، يوم يعمل وعشر أيام ما يعمل، يوم يجد وثلاثة أيام ما يجد، هذا أشد حاجة. طيب، فإذا جاء الجمع بين الفقير والمسكين يكون الفقير غير المسكين، مثل آية الأصناف الثمانية الذين تجب في حقهم الزكاة في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، فقرن بينهما، فهنا يكون الفقير غير المسكين. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾، المسكين هنا يشمل الفقير من باب أولى؛ لأن الفقير أشد حاجة. واضح هذا الآن؟ فهذا معنى كلامي هنا: إذا اجتمع تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا. نعم، يشمل. يشمل ذلك الكتاب في السور كله. فإذا قرنت معه الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، كان ذكر الصلاة تعظيما لها وتأكيدا لشأنها وحثا عليها، وإلا فهي داخلة في الاسم العام وهو التلاوة والتمسك والتمسك به وما أشبه ذلك من الأسماء. أحسنت. هذا أيضا كما تقدم: أحيانا تأتي آيات فيها الأمر بتلاوة القرآن، مثل قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾، فمعنى أن أتلو القرآن أن أتبع القرآن، فيشمل ذلك الدين كله. فمن ذلك الصلاة، يدخل في ذلك القيام بالصلاة. واضح. ومثله كذلك التمسك: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾، الآية الأخرى بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، ما ذكرت الصلاة هنا، فهنا يشمل التمسك الدين كله. أنا ما قرنت بالصلاة، فيدخل في التمسك بما أوحي إليه التمسك بالصلاة، يدخل في ذلك التمسك بالصلاة. لكن إذا قرنت التلاوة والتمسك بالصلاة فالصلاة تخرج من تلاوة القرآن لأنها أفردت، لأنها أفردت. وهذا معنى قوله: فإذا قرنت معه الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. طيب، ما أوحي إليه من الكتاب أليس منه الصلاة؟ نعم، لكن قد يقول قائل: إذن لماذا ذكرت الصلاة؟ هذا من بلاغة القرآن، عندهم قاعدة أشار إليها هنا: هذه القاعدة تقول: ذكر الخاص بعد العام يفيد الاهتمام. هذه قاعدة بمعنى أن هذا الخاص أهم شيء في ذلكم العام. مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾، فيه الروح المراد به من؟ جبريل. طيب، جبريل أليس هو من الملائكة؟ إذن لماذا ذكر هنا؟ للاهتمام؛ لأنه من أفضل الملائكة، هو أمين الوحي. ضع هذا الآن. ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه». أليس الشباب من العمر؟ الشباب من العمر، العمر يشمل الطفولة والشباب والشيخوخة والكهولة وكل مراحل العمر، لكن لماذا هنا عطف بالشباب؟ للاهتمام. ذكر الخاص بعد العام يفيد الاهتمام، بمعنى أن هذا أهم شيء في ذلكم العام. وكما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، أليس صلاة العصر من الصلوات الخمس؟ نعم، لكن تخصيصها هنا بعد العام يفيد الاهتمام. فهذا معنى قوله: كان ذكر الصلاة عظيما لها وتأكيدا لشأنها وحثا عليها لأهميتها ولعظيم منزلتها. قال: وإلا فهي داخلة بالاسم العام وهو التلاوة والتمسك به وما أشبه ذلك من الأسماء. هذه كأمثلة، وإلا فأمثلة هذه القاعدة في القرآن كثيرة جدا، كثيرة جدا، وقد مثلنا ببعض الآيات: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾، فيها كذلك ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، وغيرها من الآيات الكثيرة الموجودة في القرآن. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.