التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 37

التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 37

الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 37، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التوازن بين القدر والعمل: أسباب المغفرة والرحمة

يوضح المقطع أن نيل رحمة الله ومغفرته لا يتحقق بمجرد القدر بل بالأسباب الشرعية كالتوبة والإيمان والعمل الصالح. ويرد على الطائفتين الجبرية والقدرية مبيناً أن للعبد مشيئة وأعمالاً يُحاسب عليها مع إثبات مشيئة الله النافذة.

الأعمال أسباب لنيل المغفرة والرحمة ودخول الجنة والرد على الجبرية والمرجئة

يؤكد المقطع أن نيل مغفرة الله ورحمته ودخول الجنة مشروط بالأعمال الصالحة كالتقوى والزكاة والإيمان واتباع الرسول والإحسان والهجرة والجهاد والاستماع للقرآن وطاعة الله ورسوله. ويرد على الجبرية الذين يتكلون على المشيئة دون عمل، وعلى المرجئة الذين يزعمون دخول الجنة بلا أعمال، مبيناً أن الأعمال أسباب بيانية لا سببية مقابلة.

أسباب العذاب والرزق وحقيقة التوكل على الله

يبيّن المقطع أن أسباب العذاب ترجع إلى التكذيب بالله ورسوله والتولي عن طاعتهما، مستدلاً بآيات سورة الأعلى والليل، وأن العذاب من كسب العبد لا ظلم من الله. ثم يستعرض أسباب الرزق من تقوى وتوكل واستغفار وتوبة، موضحاً أن التوكل الحق يجمع بين صدق اعتماد القلب والأخذ بالأسباب المأذونة، ويختتم بشرح حقيقة التوكل على الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه وبعد. وسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، إن رحمة الله قريب من المحسنين، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. ثم ذكر الأسباب التي تنال فيها المغفرة والرحمة وهي خصال التقوى المذكورة في هذه الآية وغيرها: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله، وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، وأعم من ذلك كله قوله تعالى: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون. فطريق الرحمة والمغفرة اتباع أوامر الله ورسوله عموماً، وهذه الأسباب مذكورة خصوصاً. طيب، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه وبعد. تقدم معنا في أول هذه القاعدة أن مراد المؤلف من هذه القاعدة الإيمان بالقدر وحقيقة التوكل على الله عز وجل، وذكرنا أن حقيقة ذلك لا يتم إلا بأمرين. ما هما هذان الأمران من باب المذاكرة؟ يعني الغرض من ذكر هذه القاعدة أن يتنبه القارئ للقرآن لهذه الفائدة التي أكثر الله عز وجل من ذكرها في القرآن، وهي من مسائل الإيمان بالقدر وحقيقة التوكل على الله عز وجل، وأن ذلك لا يتم إلا بأمرين: ما هما؟ أن الأمور كلها بمشيئة الله، وهذا يدل على كمال توحيده وانفراده بخلق الأشياء وتدبير جميع الأمور، وكون الله عز وجل بيده المشيئة التامة النافذة. لا يعني ذلك ترك العمل. صح، لا يعني ذلك ترك العمل، ففيه الأمر الآخر وهو ماذا؟ نعم، نعم: إثبات مشيئة العبد، وأن الله عز وجل بين له الطريق، طريق أهل السعادة وطريق أهل الشقاوة. وفي هذا رد على طائفتين كما تقدم معنا: الطائفة الأولى الجبرية الذين ينفون مشيئة العبد ويقولون أنه كالورقة في مهب الريح، والطائفة الثانية القدرية الذين ينفون مشيئة الله عز وجل في خلق أفعال العباد، فيقولون أن العبد هو الذي يخلق أعماله وأفعاله، وهؤلاء هم مجوس هذه الأمة لأنهم جعلوا مع الله إلهاً آخر. فالمؤلف هنا يبين أن مع أن الله عز وجل له المشيئة النافذة والقدرة الشاملة إلا أنه جعل للعبد أسباباً ينال بها وأعمالاً ينال بها رحمته ومغفرته ورزقه وكذلك جنته. فهو الآن يمثل على مشيئة العبد وأنه لا بد له من عمل، ولا يتكل على مشيئة الله عز وجل وعلى كذلك قدر الله سبحانه وتعالى. فذكر من هذه كذلك المغفرة والرحمة: فأنت يا عبد الله تريد الرحمة وتريد المغفرة، لا بد لها من أسباب يعملها العبد ويشاؤها العبد. طيب، ويقوم بها العبد حتى ينال رحمة الله ومغفرة الله سبحانه وتعالى. فذكر أمثلة على ذلك في نيل الرحمة وفي استحقاق العذاب. أما في نيل الرحمة والمغفرة فمثل بقوله تعالى: ﴿ إِنِّي لَغَفَّارٌ ﴾. هل يغفر الله عز وجل لكل أحد؟ لا، وإنما قال ماذا؟ ﴿ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾. فإذا أردت مغفرة الله عز وجل لك لا بد من أن تعمل بأسباب المغفرة، ومنها التوبة: أن تتوب إلى الله بالإقلاع، بالندم، بعدم العود إلى الذنب، ونحو ذلك من شروط التوبة. وهكذا الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وهكذا العمل الصالح: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾. أي الأعمال الصالحة تذهب السيئات. إذن هذه أعمال، وليست بأعمال... هذه أعمال. إذن لا بد أن يعملها العبد حتى ينال مغفرة الله سبحانه وتعالى. إذن لا يتكل على مشيئة الله ويقول: الله عز وجل إذا شاء أن يغفر لي يغفر لي. لا، لا بد من اتخاذ الأسباب. فهذا هو مراد المؤلف، وفي هذا الرد على الجبرية. وكذلك مثل بالرحمة: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾. طيب، قال: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾. إذن من ينال رحمة الله؟ من اتقى الله، والتقوى يكون بفعل المأمور وترك المحظور. إذن هذا عمل، هذا عمل. ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾، هذا أيضاً من الأعمال، فهذا أيضاً من الأعمال. ﴿ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾، هذا أيضاً من الأعمال، فهذا فيه رد كذلك على هؤلاء. ثم قال: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ﴾، هذا أيضاً من الأعمال التي بها تنال رحمة الله: اتباع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ذكر أيضاً آية أخرى بها تنال رحمة الله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فالمحسن في عمله، في معاملته مع الخلق، هذا الذي ينال رحمة الله. إذن هناك أسباب، لا يقول الشخص: أريد رحمة الله، ثم يتكل على قدر الله وعلى مشيئة الله. فهذا يعني لم يفهم الكتاب والسنة ولم يفهم عقيدة أهل السنة. ثم ذكر أيضاً أسباب دخول الجنة: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. من الذي ينال هذه الجنة؟ ذكر أوصافهم على وجه الخصوص وعلى وجه العموم. فعلى وجه الخصوص قال ماذا؟ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. إذن هذه أعمال، لا يدخل الجنة أحد إلا بعمل، إلا بعمل. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنه لن يدخل الجنة أحد بعمله» أي بسبب عمله، بمقابل عمله. فالأعمال ليست سببية وإنما هي ماذا؟ بيانية. يعني بمعنى أنها بمعنى المقابلة: أي لا يدخل أحد الجنة مقابل عمله، لأن فضل الله عز وجل عليك عظيم. لو أخذت نعمة واحدة فقط من نعم الله لما وازت العمل الذي تقوم به والذي تعمله لآخرتك، لأن فضل الله عليك عظيم. طيب، فالله عز وجل يقول في القرآن: ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، أي بسبب عملكم. فالعمل سبب لدخول الجنة، لا بد من القيام به. واضح هذا الآن؟ فهذا فيه رد على المرجئة. وأيضاً ذكر الأسباب التي تنال بها المغفرة والرحمة، ذكرناها في الآيات. ثم قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾. إذن من أسباب نيل رحمة الله الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، هذه أعمال جليلة. إذن ما تنال رحمة الله بالكسل وبعدم العمل. وهكذا قوله: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾. أي من أسباب رحمة الله قراءة القرآن والاستماع إلى القرآن والإنصات إليه والعمل به، هذه كلها من الأعمال. ثم قال: وأعم من ذلك كله قوله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾. فرحمة الله تنال بطاعة الله وطاعة الرسول. فكل ما تقدم من طاعة الله وطاعة الرسول فما تقدم على وجه التفصيل، وهذه الآية على وجه العموم. طيب، فكل الأعمال المتقدمة تدخل في عموم هذه الآية: الإنفاق، وقراءة القرآن، والاستماع له، والتوبة، ونحو ذلك، كلها هذه من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأخبر أن العذاب له أسباب متعددة وكلها راجعة إلى شيئين: التكذيب لله ورسوله، والتولي عن طاعة الله ورسوله. وقوله تعالى: ﴿ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾، و﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾. ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾. أحسن. قال: وأخبر أن العذاب له أسباب متعددة، يعني أن كما الإنسان مطالب بالعمل بأسباب رحمة الله فهو قد يؤدي بنفسه إلى العمل بأسباب عذاب الله. فالله عز وجل لا يظلم أحداً وإنما الناس أنفسهم يظلمون، كما قال الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾، وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. ولكن الناس أنفسهم يظلمون. طيب، فهناك أسباب لعذاب الله سبحانه وتعالى وهي من كسب العبد، وهي من كسب ماذا؟ العبد. بسبب ذنوبه وبسبب مخالفته تنزل عليه العقوبات. ولذلك قال هنا: وكلها، أي أسباب العقوبات، راجع إلى شيئين: التكذيب لله ورسوله، والتولي عن طاعة الله ورسوله. التكذيب لله ورسوله يعني عدم التصديق بما أخبر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والتولي عن طاعة الله ورسوله: قدر الإنسان لا يكذب، يعني يعترف ويوقن ويؤمن بما أخبر به الله ورسوله، لكنه لم يعمل، يتولى عن طاعة الله ورسوله، يعني يتولى، يعرض، يعرض عن طاعة الله ورسوله. فإذن هذا من كسب العبد، هذا من كسب العبد، والله سبحانه وتعلى إذ قدر له ذلك بسبب ما قدمت يده. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ﴾، يعني الشقي الذي كذب وتولى. كذب بما جاء به الله ورسوله وتولى عن طاعة الله ورسوله. ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴾، أي النار يبتعد عنها ولا يدخلها الأتقى، أي التقي الذي ﴿ يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾، أي ينفق. وقال تعالى: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾. فيقرأ. وكذلك يذكر أسباب الرزق وأنه لزوم طاعة الله ورسوله والسعي الجميل مع لزوم التقوى، كقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾، وانتظار الفرج والرزق كقوله: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾، وكثرة الذكر والاستغفار: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾، ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾. إلى آخر الآيات. فبالاستغفار وكذلك التقوى والتوبة والتوكل على الله: ﴿ لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ﴾. كل هذه من أسباب ماذا؟ الرزق. سواء كان أسباباً حسية أو أسباباً معنوية. وكل هذه الأمثلة ترد على أهل الضلال في هذه المسألة، وهي مسألة الإيمان بالقدر وحقيقة التوكل على الله سبحانه وتعالى. فلا يتحقق التوكل على الله عز وجل بأمرين: وهو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل مع اتخاذ الأسباب المأذون بها. هذا هو حقيقة التوكل على الله سبحانه وتعالى. وبهذا نكون قد أكملنا هذه القاعدة، وإلى هنا والله تعالى.