الدرس في تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تفسير الآيات الكونية مثل الطير في الهواء يدل على قدرة الله وعظمته. يُبين المفسرون دلالة هذه الآيات على خلق الله وتدبيره للكون.
تفسير آية الطير يظهر قدرة الله في خلقه، والاستفهام الإنكاري يحذر الكافرين من العذاب. يُبين عظمة الله في قدرة الطيور على الطيران.
تحذير من الفتن التي يستدرج بها الشيطان الإنسان للابتعاد عن الحق. يُحث المسلمون على تجنب صفات المشركين وتقبل الحق.
حالة المشركين تحول دون اتباعهم للحق، وهذا سبب ضلالهم وحرمانهم من الهداية. نسأل الله الهداية والتوفيق لاتباع الحق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن، ما يمسكهن إلا الرحمن، إنه بكل شيء بصير، أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن، إن الكافرون إلا في غرور، أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه، بل لجوا في عتو ونفور. قال المفسر رحمه الله تعالى: أولم يروا ينظروا إلى الطير فوقهم في الهواء صافات باسطات أجنحتهن، ويقبضن أجنحتهن بعد البسط، أي وقابضات، ما يمسكهن عن الوقوع في حال البسط والقبض إلا الرحمن بقدرته، إنه بكل شيء بصير. المعنى: ألم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم وغيره من العذاب. أمن مبتدأ، هذا خبره، الذي بدل من هذا هو جند أعوان لكم، صلة الذي ينصركم صفة الجند، من دون الرحمن أي غيره يدفع عنكم عذابه، أي لا ناصر لكم، إن ما الكافرون إلا في غرور، غرهم الشيطان بأن العذاب لا ينزل بهم. أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك الرحمن رزقه، أي المطر عنكم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فمن يرزقكم، أي لا رازق لكم غيره. بل لجوا تمادوا في عتو تكبر، ونفور تباعد عن الحق. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذه الآيات من هذه السورة العظيمة سورة الملك، وهي سورة مكية، ومر معنا في الآيات التي قبلها ما أخبر الله عز وجل به من حال المشركين، وما توعدهم به سبحانه وتعالى من العذاب في الدنيا قبل الآخرة، نكيره سبحانه وتعالى لمن لم يقبل نذيره. أتبعت بهذه الآيات والآيات التي فيها تذكير بآيات الله الكونية التي هي كذلك واعظات ومخوفات بعظمة الرب العظيم سبحانه وتعالى المتفرد بالتدبير لهذا الكون كبيره وصغيره. فذكر آيته سبحانه وتعالى في الطير، أولم يروا أي هؤلاء أهل الشرك والكفر والعناد. قال ينظر يعني نظر اعتبار ونظر كذلك اتعاظ وتعظيم لمن يدبر المخلوقات جميعًا، وأمر الطير خصوصًا إلى الطير فوقهم، قال في الهواء صافات أي مصطفات جماعات لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى كثيرة، وخصوصًا الطير المهاجرة التي تهاجر من بلد إلى بلد. فإنها تسير في أمة لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى، وتسير في هذا الهواء المسافات الشاسع الواسعة باسطات أجنحتهن، يعني هذا من موضع آيات الله عز وجل في الطير، كيف أنها تطير هذه المسافات الطويلة على ضعفها وقلة قوتها. لو أن الإنسان سار بعض تلك المسافات فما استطاع أن يسير برجله وهو أقوى، فكيف بالطيران الذي هو أشق وأشد وأصعب، ومع ذلك يصدر من هذه الطير الضعيفة التي بعضها ربما لا يأتي في كف الإنسان، هذا حد آية عظيمة من آيات الله سبحانه وتعالى. لأن هذه القوة التي تنطلق بها وتسير بها المسافات تحتاج إلى ما يزودها، وانظروا اليوم على سبيل المثال أصغر الطائرات والمسيرات تحتاج لطاقة لأجل أن تسيرها مسافة يسيرة، فكيف تنطلق من بلاد إلى بلاد بمسافات شاسعة واسعة، ومن هذه الطير الصغيرة هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى. فرزق هذا الطير من القوة العظيمة المكتنزة التي لا يتصورها عقل إنسان، فتستطيع أن تبدل هذا المجهود الكبير من هذا الجسد الصغير، وليس هذا فحسب، بل مجهود فيه دقة التوازن في سيرها ولا تختل، وليس في مسافة قصيرة ولكن مسافات شاسعة واسعة. ولهذا أتبع بقوله ويقبض يعني تبسط الجناح وتقبضها الجناح بانضباط وانتظام عجيب، ويكون به سيرها في الهواء وانطلاقها المسافات الواسعة الشاسعة، وهذه آية أخرى من آيات الله سبحانه وتعالى. ما يمسكهن قال عن الوقوع في حال البسط والقبض إلا الرحمن، وهذا من التفسير ببعض المعنى، فالآية تشمل أن في هذا الطير آية في حال البسط والقبض، وفي حال السير والانطلاق والطاقة والقوة وغير ذلك مما يكون به معاني هذا الطيران العجيب البديع. وهذا آية بل آيات كلها آيات من آيات الله سبحانه وتعالى، بل من الطير ما هو ثقيل جدًا ومع ذلك أقدره الله عز وجل على الطيران كالنسور الضخمة الكبيرة، فإنها تطير بجناحها، وهذا كذلك أمر عجيب، كل هذا من آيات الله سبحانه وتعالى التي متى تفكر فيها الإنسان علم عظمة الرب العظيم سبحانه وتعالى الحكيم. قال إلا الرحمن قال بقدرته، أي أنه سبحانه وتعالى وحده المتفرد بذلك جل وعلا، إنه بكل شيء بصير، وكما تقدم معنا أن اسمه البصير يتناول إثبات صفة البصر مع العلم، فهو سبحانه وتعالى بصير بعلم سبحانه وتعالى، ومن ذلك تدبيره لأمر مخلوقاته جل وعلا. فلا يخفى عليه من أمر مخلوقاته وتدبيرها شيء جل سبحانه وتعالى في علاه. قال رحمه الله: المعنى ألم يستدل بثبوت الطير في الهواء على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم غيره من العذاب، يعني الذي عنده هذه القدرة والإحاطة العظيمة. فإنه لا يعجزه أن يعاجل هؤلاء المشركين بعد أن جاءتهم النذر بأن يعذبهم كما قال في الآيات قبلها كيف نذير، وقال قوله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. فإن الله عز وجل ينذر وينذر وينذر، فإذا لم يستجب الناس عاجلهم بعقوبته سبحانه وتعالى ونكارته. وقوله سبحانه وتعالى: «أمن هذا الذي» قال مبتدأ، وهذا خبره، والذي بدل من هذا، ويريد بهذا أن يصل إلى المعنى، فإذا كان «أمن هذا» الاستفهام المبتدأ وخبره هذا، فيكون المعنى فيه الاستفهام الإنكاري. أي ينكر الله عز وجل على هؤلاء بعد هذه الآيات كلها من أين يأتيكم النصر إن كان رب العظيم غاضب عليكم وأوجب عليكم العذاب، فلا ناصر لكم ولا مفر لكم من عذاب الله، فليس هناك جند يدفعون عذاب الله سبحانه وتعالى إذا أمر به. وفي هذا التحذير بهؤلاء المشركين أن تلحقهم العقوبة، وهذا قليل من كثير من الآيات المكية التي وعض بها أهل الشرك، فإنه ما عذب أحدًا سبحانه وتعالى إلا وقد قامت عليهم الحجج الشرعية، وكذلك الحجج والقواطع الكونية التي لا يكون مع أحد حجة في الدنيا ولا في الآخرة فيعذب بعدله سبحانه وتعالى. وقوله: «إن الكافرون إلا في غرور» فيه تحذير الكافرين وإعاظ المؤمنين من تغرير الشيطان، أي أن هؤلاء ما خفيت عليهم هذه الآيات الكونية ولا الآيات الشرعية، فكلها آيات عظيمة واعظة، ولكن المانع هو غرور الشيطان. فإن الشيطان يغر هذا الإنسان تارة بالتسويف وتارة بالتهوين وغير ذلك مما يكون به تغرير هذا الشيطان، فيدخل على هذا الإنسان ما يجعله يتأخر عن الحق ويرده ويصده بسبب ما يغرر به هذا الشيطان. فإن من الناس من يغره بالسلطان خوفه على السلطان يمنعه من الرجوع والدخول في الحق والاستجابة إليه، ومنهم المال، ومنهم الجاه، ومنهم شهوات الدنيا التي لا يستطيع أن يتركها، وعن علمه بالحق والباطل الذي هو فيه، فيضعف الشيطان والإنسان في هذا الغرور الذي يغر به هذا الشيطان. في هذا التحذير مما قد يغر به الشيطان من أنواع الفتن والمضلات التي يستدرج فيها الإنسان للبعد عن الحق واتباعه والانصياع له. وقوله سبحانه: «أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك» قال: الرحمن رزقه، قال: أي المطر، والآية عامة، وهذا من التفسير ببعض المعنى. فالرزق يشمل المطر وغير المطر، فكل ما رزق الله عز وجل هذا الإنسان من السماء ومن الأرض سطحها وجوفها فهو من رزق الله سبحانه وتعالى، فلا رازق إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي رزق ليس الإنسان فحسب، بل كل المخلوقات تعيش في هذه الدنيا من رزق الله سبحانه وتعالى الواسع العظيم. على اختلافها وكثرتها أمم لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى يرزقها جل وعلا، والرازق لها هو الله وحده لا شريك له، فإذا كان كذلك فالواجب ماذا الرجوع إلى دين وشرعه وعبادته وحده سبحانه وتعالى لا شريك له. وقوله سبحانه: «بل لجوا» قال: تمادوا، وهذا كذلك تقريب للمعنى، فاللجوج هو التمادي مع العدوان، التمادي مع العدوان، ولهذا يقال: رجل لجاج، أي مخاصم بعدوان، مخاصم بعدوان. فهؤلاء تمادوا بعدوان، تعدوا الحق إلى الباطل بالقول والفعل والمواقف وغير ذلك في عتو، ولهذا أكدت كذلك بهذه الكلمة، أي تكبر، فهو ليس تمادي مع عدوان فحسب، بل فيه التعالي والتكبر. ومن يقرأ في السيرة فإنه يجد تلك المواقف التي تدل على هذا المعنى، انظروا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو المشركين إلى الفضيلة، إلى التوحيد، إلى العدل، إلى الإحسان، إلى البر، إلى غير ذلك من مواضع جمالي وكمالي هذا الدين. فيجازونه بماذا بالسب والشتم والأذية، حتى أنهم تجاسروا على وضع سل الجزور على ظهره وهو ساجد عليه الصلاة والسلام، فهذا يصور لك معنى هذا التمادي في الباطل والعتو في التكبر الذي كان عليه أهل الشرك مع ما جاءتهم من الآيات الشرعية والكونية الكثيرة. ونفور، وهذا وصف ثالث لهؤلاء، عندهم مجادلة بعدوان، وعندهم تكبر بكذلك غلو وجفاء، فإن العتو هو أعلى درجات التكبر، ومع ذلك نفور، أي تباعد عن الحق، تباعد عن الحق، وفيه التحذير من هذه الصفات. فهذه الصفات من صفات المشركين المحرومين، فلذلك ينبغي للمسلم أن يحذر أن تكون فيه صفة من هذه الصفات، لأنها إذا وجدت حرمت صاحبه الحق والهدى والخير. ولذلك أمر المسلم أن يكون بعيدًا عن الجدال، بعيدًا عن الخصومة، ما ظل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، لأن الجدل يفضي إلى رد الحق، وهكذا كذلك الكبر، فضلًا عن التمادي والتعالي فيه. فإنه حذر أهل الإيمان والإسلام من الكبر، وأمروا بالتواضع، فهو أدعى لقبول الحق ولو جاء ممن هو أقل منك علمًا أو منزلة أو غير ذلك، وليس أحد أكبر من النصح، ولا أحد أكبر من أن يرجع إلى الحق. وهكذا النفور التباعد في سماع الحجة، بل ليكن سمعك وقلبك وبصرك مفتوح لأن تسمع، ثم بعد ذلك تتبع الحق تتبع الحق بدليله وبرهانه وحجته، أما أنك تتباعد عن الحق. والمشركون فعلوا أعظم من ذلك، تباعدوا وصكوا على آذانهم وأبصارهم وقلوبهم ألا يسمعوا الحق، فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم الآيات ماذا كانوا يصنعون؟ كانوا يبتعدون ويضعون الأكف على الآذان لا يريدون أن يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم مبالغة في النفور والابتعاد. ولا شك أن من كان هذا حاله فكيف يوفق لسماع الحق فضلًا عن اتباعه، وفي هذا كذلك بيان لمعنى آخر من معاني سبب حرمان المشركين وضلالهم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن ختامنا وأن يجعلنا هداة المهتدين. إلى هنا والحمد لله رب العالمين.