الدرس في تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفسر المقطع الآيات الكونية في سورة الملك ويشرح معانيها ودلالاتها الكونية والشرعية. يبين كيف جعل الله الأرض سهلة للإنسان ويمتن عليهم برزقه ويحذرهم من العذاب.
يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية مثل قوله تعالى ﴿وكلوا من رزقه﴾ و﴿وإليه النشور﴾، ويشرح معانيها ودلالاتها على عظمة الله وإثبات البعث والنشور. كما يوضح أوجه قراءة آية ﴿أأمنتم من في السماء﴾.
يناقش المقطع تفسير الآيات المتعلقة بعظمة الله وقدرته ويوضح معانيها ويشرح القراءات المختلفة لها. يركز على أهمية الإيمان بصفات الله دون تحريف أو تعطيل ويتناول تفسير الآيات التي تتحدث عن عذاب الله للأمم السابقة.
يتناول المقطع قراءة يعقوب لكلمة 'نكيري' ووجوهها المختلفة في الوقف والوصل. يذكر ثلاثة أوجه لقراءة هاتين اللغتين ويشير إلى أنه لا يقف على الراء بل على الياء.
﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير﴾، قال المفسر رحمه الله تعالى: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا سهلة للمشي فيها، فامشوا في مناكبها جوانبها، وكلوا من رزقه المخلوق لأجلكم، وإليه النشور من القبور للجزاء»، أأمنتم -بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينها وبين الأخرى وتركه وإبدالها ألفا- «من في السماء» سلطانه وقدرته أن يخسف -بدل «من»- بكم الأرض فإذا هي تمور تتحرك بكم وترتفع فوقكم، أم أمنتم «من في السماء» أن يرسل -بدل «من»- عليكم حاصبا ريحا ترميكم بالحصباء، فستعلمون عند معاينة العذاب كيف نذير إنذارا بالعذاب، أي إنه حق، ولقد كذب الذين من قبلهم من الأمم، فكيف كان نكير إنكار عليهم بالتكذيب عند إهلاكهم، أي إنه حق. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا في هذه الآيات العظيمات بهذه السورة سورة الملك، التي فيها من عظمة الله عز وجل والإخبار عن عظيم أثره في مخلوقاته، وما يلحق ذلك من ذكر حال الكافرين والمؤمنين، والامتنان على الناس بما أنزل عليهم من عظيم آياته الكونية والشرعية، ومن ذلك هذه الآيات الكونية التي يمتن الله عز وجل بها على الناس، ويخوفهم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة إن لم يؤمنوا ولم يستجيبوا لدين الله عز وجل وشرعه، وما أنزل في كتابه، وما بعث به أنبيائه ورسله. فقول سبحانه: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا﴾، قال المفسر رحمه الله: «سهلة للمشي فيها»، وهذا من التفسير ببعض المعنى، بل «ذلولا» أي ذللها، فجعلها سهلة مع ما فيها من صعوبة، فذللها أي سهل أمرها، سواء في المشي أو كذلك في الرزق والانتفاع بكل ما فيها من منافع. فالجبال الصعبة جعلها الله عز وجل سهلة، سهلها وذللها لهذا الإنسان، فيبني منها القصور والدور، ويبني منها كذلك ما شاء من أنواع الأبنية والأفنية، وهكذا ذللها بتيسير وسائل وأسباب الصعود إليها والنزول منها. وهكذا الفيافي والصحاري مع ما فيها من صعوبة، فقد ذللها سبحانه وتعالى، ويسر الوسائل للانتفاع بما فيها والسير والمشي فيها، فينتفعون من رملها بأنواع المصنوعات، وكذلك أنواع ما ينتفعون به، فيصنعون منها الزجاج، ويصنعون منها ما شاء من أنواع ما يبنون به ويحتفرون فيه، وغير ذلك مما ذلله الله عز وجل، حتى إن الماء جعل لهم سبحانه وتعالى وسائل لحفظه فيها. وأما الأرض التي تزرع، فقد ذللت أكثر وأكثر، وكل هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى. ثم جعل فيها من أنواع الأشجار والأزهار وأنواع الخضار والثمار، كل ذلك تذليل ونعمة منه سبحانه وتعالى، فلا ينحصر التذليل في المشي فقط، بل بكل معاني التذليل والتسهيل منه سبحانه وتعالى، وهي من نعم الله الكثيرة. وقول سبحانه: ﴿فامشوا في مناكبها﴾، قال: «جوانبها»، والمناكب هو ما على من جسد الإنسان، وكل ما على من جسد شيء سمي منكبا، والمقصود من ذلك أطراف الأرض وما عليها منها، والمعنى امشوا في أطرافها. وهذا المشي سبب للوصول إلى الأنواع الأرزاق التي سهلها الله عز وجل ويسرها فيها، ولهذا قال بعدها: ﴿وكلوا من رزقه﴾، فلا يأتي الرزق بدون مشي، ولا يكون الرزق قريبا، بل تجده في الأطراف وتجده في الأعالي. وفي هذا آية كونية، مع ما فيه كذلك من آية شرعية، فهو من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، وصف دقيق لما تحتويه هذه الأرض من كنوز ومن أرزاق ومن خيرات، وأن تحصيل ذلك يحتاج إلى سعي، والسعي ليس بمشقة، بل فقط مشي، ومع ذلك يأتيك من خيرات هذه الأرض الشيء الكثير. وقوله: ﴿وكلوا من رزقه﴾، قال: «المخلوق لأجلكم»، أضاف الرزق سبحانه وتعالى إلى نفسه؛ لأنه هو الذي خلقه ويسره وحفظه، فلا تزال هذه الأرزاق محفوظة بحفظ الله سبحانه وتعالى. انظروا إلى الماء أعظم وأنعم الأرزاق، على ما لا يخفى من وصف الماء، لو أمر الإنسان أن يحفظه لأسن هذا الماء ولفسد الماء. فكيف بهذه المياه العظيمة التي حفظها الله عز وجل في الهواء الطلق، أنواع المياه العذبة والمالحة والماطرة والسائلة والخارج من الأرض والنازل من السماء والماشية في الأنهار والجداول والعيون، وأنواع المياه الحارة والباردة والعدبة والمتوسطة، وغير ذلك من الذي سخر كل هذا هو الله سبحانه وتعالى. لو أعطي الإنسان كأس ماء وقيل له احفظه شهر، لأسن هذا الماء، وما استطاع أن يحفظه، ولا تغير طعمه لتغير ما وضع فيه. ولكن انظر إلى نعمة الله عز وجل في حفظ هذا الماء وتيسير أسبابه الكثيرة، وحركته ودورانه التي يكون بها منافع عظيمة عديدة لمخلوقات الله عز وجل، وغيرها من الأشجار والثمار والخضار والأزهار، كلها من نعم الله عز وجل ورزقه، وما اكتنزه تحت الأرض وحول الأرض وفي الجبال وفي الكهوف وفي أعماق البحار، كله من رزق الله سبحانه وتعالى. فإذا تأملت إلى هذه الأرزاق الكثيرة العظيمة، وقفت حائرا وخضعت لله عز وجل مجلا لعظمته سبحانه وتعالى، وفيه كذلك إشارة إلى أن هذه الأرزاق لا تطلب إلا منه، فهي من الله، فلا تطلب إلا من الله، سواء بالسؤال والدعاء أو كذلك بالسعي، فهي ترجع إلى من خلقها ورزقها ويسر بها. وقوله: ﴿وإليه النشور﴾، قال: «من القبور للجزاء»، وذلك لأن هذا الإنسان لا يعمر في هذه الأرض، فمهما عاش فيها فهو يفنى ويموت، وإذا مات فماذا بعد ذلك؟ ينشر الله عز وجل ويبعثه إليه، ﴿وإليه النشور﴾، وفيه دليل من أدلة كثيرة على إثبات عذاب القبر والبعث والنشور. فأدلة عذاب القبر ليست فقط من أحاديث السنة، بل لو كانت من أحاديث السنة لوجب التصديق بها، فلا يتم إيمان مؤمن ولا إسلام مسلم حتى يصدق بكل ما بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخبر به؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، بل كل ما يأتي به هو وحي من الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك كيف إذا انضاف إليه أدلة كثيرة من السنة، بل ومن القرآن، وهذا موضع من مواضع كثيرة من القرآن، ومن أصرحها وأوضحها قول الله عز وجل عن آل فرعون: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشية ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾، فأخبر أن آل فرعون بعد غرقهم تعرض عليهم النار في الصباح والمساء، ويعذبون بها، ويوم تقوم الساعة، وهذا عذاب ثاني غير العذاب الأول. فالعذاب الأول هو العذاب في البرزخ، عذاب أهل القبور، وليس عذاب أهل القبور ينحصر أن يكون في الحفرة، بل كل من مات غريقا أو حريقا أو كذلك أكلته السباع، وهو في الحياة البرزخية لا يزال إما ينعم أو يعذب، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى، إلى أن تقوم الساعة، ويكون البعث والنشور، فيردون على الحياة الأخروية التي فيها إما نعيم مقيم أو جحيم وعذاب أليم. وقوله رحمه الله تعالى في تفسير قوله: ﴿أأمنتم من في السماء﴾، قال: «بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينها وبين الأخرى وتركه وإبدالها ألفا»، هذه سبعة أوجه ذكرها مختصرة في قراءة «آمنتم»، فإنها تقرأ بأوجه سبعة. أولها: بالتسهيل مع الإدخال، تسهيل الهمزتين «آمنتم»، وهذا التسهيل مع الإدخال قرأ به قالون وأبو عمر وأبو جعفر. والوجه الثاني: بالتسهيل دون إدخال، وقرأ بها ورش والبزي. والثالث: الإبدال، والإبدال مع القصر بالتسهيل، وقرأ بها ورش، ومعناه إبدال الهمزة الثانية ألفا «آمنتم» مع المد والقصر، قراءتان، فهذه أربعة أوجه. والخامس: بالتحقيق مع الإدخال فيها، وهي قراءة هشام، أي تحقق الأولى وتدخل في الثانية «آه»، هذا التحقيق والتسهيل «آه» بغير تحقيق «آمنتم» تمر عليها خفيفة، «وأأمنتم» تحقيق الوجهين، وهذه قراءة البقية، بقية القراء. وقراءة أخرى بالإدخال والوصل مع «النشور»، فإذا قرأ «النشور» وصلها بـ«آمنتم»، فإنه يكون فيه إبدال الأولى واوا، وهذه خاصة قرأ بها قنبل فقط، فتقول: «وإليه النشور» ثم تحول الهمزة واوا، فتقول: «وإليه النشور وآمنتم». وقرأ بالوجهين: بالتحقيق وبالتسهيل، «وإليه النشور وآمنتم» بالتخفيف، «وإليه النشور وآمنتم» بالتحقيق، فهذه سبعة أوجه قرأت بها «آمنتم». قال: «من في السماء» قال: «سلطانه وقدرته»، وهذا من التحريف الذي لا يجوز أن يكون مع آيات الله عز وجل ومواضع أسمائه وصفاته، بل نؤمن بها كما جاءت، ونمرها كما جاءت، لا نتعرض لها بتحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. فإن قوله سبحانه: «من في السماء» فيه دليل على علو الله عز وجل على خلقه سبحانه وتعالى، وتفسير هذا العلو بالسلطان والقدرة من التحريف والتعطيل الذي سلكه المعطلة من الجهمية والكلابية والأشاعرة والماتريدية، وقبلهم المعتزلة، فكل أهل التعطيل ينفون صفة العلو عن الله عز وجل، ثم لهم في هذا التعطيل وسائل، فإما أن ينفونها بالكلية كما فعلت الجهمية والمعتزلة، وإما حرفوا ألفاظها كما فعلت الكلابية والأشاعرة والماتريدية. بل تمروا كما جاءت من غير تعرض لها، ونثبت أن الله عز وجل في السماء، أي في العلو، «في» لا تعني الظرفية المكانية التي يكون بها الإحاطة؛ لأن «في» تأتي بمعنى «على»، فإن التعبير بـ«في» بمعنى «على» كثير في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبر الله عز وجل عن إنزال المطر من السحاب الذي في السماء، وهو في الحقيقة ليس في جوف السماء، وإنما في الفضاء، وهكذا كذلك معاني كثيرة تدل أن «في» تأتي بمعنى «على»، أي في العلو، والمعنى في العلو أن يخسف، قال: «بدل من» «من»، أي أن الله عز وجل قادر على أن يخسف، والخسف هو ما يكون من التعذيب من تحت الأرض، أن يزيلها فتكون الفتحات التي تأكل كل من فوقها وتأخذه إلى أسفلها، «أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور»، قال: «تتحرك بكم وترتفع فوقكم»، أي تبتلع من فيها، كما خسف الله عز وجل بعدد من الأمم، وأخبرنا الله عز وجل كيف خسف بقارون ومن معه، وخسف بأمم كثر. فالله عز وجل إذا أراد انتقم وعذب بأنواع العذاب، ومن ذلك الخسف. أم أمنتم «من في السماء» «أن يرسل» -قال بدل «من»- «عليكم حاصبا»، قال: «ريحا ترميكم بالحصباء»، وليست أي حصباء، بل الله عز وجل إذا أرسل الحصباء فإنها تكون حصباء محملة بالعذاب، إما أن تكون بالنار، وهي ما يكون من رجم الحصى الذي يكون من البركان، أو يكون كذلك بالحصى الذي يكون من الزلزال، وغير ذلك من أنواع العذاب الذي يجعله الله عز وجل. فقوله: «فستعلمون» قال: «عند معاينة العذاب» «كيف نذير»، قال: «إنذارا بالعذاب»، أي إنه حق، أي أنه أنذر، فمن لم يعتبر بهذه النذارة عذبه الله، ولهذا قال بعدها: ﴿ولقد كذب الذين من قبلهم﴾، قال: «من الأمم»، ﴿فكيف كان نكير﴾، قال: «أي إنكار عليهم بالتكذيب عند إهلاكهم»، أي إنه حق. والمعنى أنهم لما كذبوا النذارة أتبعهم بالعذاب والعقاب، وهذا هو النكير الذي أخبر الله عز وجل به. وقد قرأ هذا كذلك بثلاثة أوجه: «كيف نذير وكيف نكير» بتحقيق «نذير» و«نكير» وصلا ووقفا، يعني «كيف نذير» بالكسر فقط، «ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير» أو «لم يروا» هذا بالوصل، وبالقطع بالوقف «كيف نذير» بالوقوف على الراء، «وكيف نكير» بالوقوف على الراء. وهؤلاء هم جميع القراء إلا ورش، فإنه قرأ في الوصل خاصة «نذير» و«نكير»، أي «كيف نذير» «ولقد كذب الذين من قبلهم» بإضافة ياء «فكيف كان نكير» أو «لم يروا» بإضافة ياء وصلا. وأما عند الوقف فيقرأ كالجمهور «كيف نذير فكيف كان نكير». وأما يعقوب فيقرأ بالياء وصلا ووقفا، أي «كيف نذيري» بالوقف، «وكيف نكيري» بالوقف، ولا يقف على الراء، ولكن على الياء فيهما، وكذلك بالوصل «كيف نذيري» «ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكيري» أو «لم يرى» إلى الطير، فهذه ثلاثة أوجه في هاتين اللغتين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه وسلم.