الدرس في التعليق على الجواب الكافي 180، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح ابن القيم مفهوم المحبة الخاصة لله ورسوله وتأثيرها على القلب، ويبين تفاوت الناس في درجات هذه المحبة. يوضح أن المحبة الحقيقية تلطف التكاليف وتطيب الحياة.
يذكر ابن القيم علامات محبة الله منها محبة القرآن والتأثر بسماعه، ويبين أن محبة الله تعالى هي المحبة الحقيقية التي تُسوق إلى الخير. يُوضح أيضًا تأثير محبة الله وكلامه على القلب.
يتناول تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن الشهوة والزواج، ويشير إلى أهمية الزواج في دفع الشهوة والابتعاد عن الحرام. يُبين أن الله يريد أن يخفف عن الناس ويهديهم إلى سنن الذين من قبلهم.
يشير إلى أن قصة معينة غير صحيحة وتم نسبتها إلى بني إسرائيل، ويعلق على تعامل ابن القيم مع هذه القصة. يُبين أهمية التحقق من صحة القصص المنسوبة إلى السلف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل الحب الذي لا ينكر ولا يذنب. قال: فهذا الحب لا ينكر ولا يذنب، بل هو أحمد أنواع الحب، وكذلك حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما نعني المحبة الخاصة، وهي التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره لمحبوبه. وإلا فكل مسلم في قلبه محبة لله ورسوله، لا يدخل الإسلام إلا بها. والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتا لا يحصيه إلا الله. وكما ذكرنا قبل أن الله عز وجل ذكر للمشركين محبة، على تفسير قوله: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ أي أشد حبا لله من المشركين لمعبوداتهم. قال: فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهما. فهذه المحبة حتى كل مؤمن له محبة، لكنها تختلف في درجاتها. وعلى المحبة الخلة. قال: فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف أثقال التكاليف، وتسقي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي الذهن، وتروض النفس، وتطيب الحياة على الحقيقة، لا محبة الصور المحرمة. وإذا بليت السرائر يوم اللقاء، كانت سريرة صاحبها من خير السرائر العباد، كما قيل: سيبقى لكم في مضمر القلب والحشاء سريرة حب يوم تبلى السرائر. قال: وهذه المحبة هي التي تنور الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب. في محبة الله جل وعلا، كذلك محبة كلام الله، فإنه من علامة محبة الله. وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر محبة القرآن من قلبك. وكما قال الحسن: انظر قلبك في ثلاث: عند الصلاة، وعند تلاوة القرآن، وعند ذكر الله جل وعلا، فإن وجدت قلبك وإلا فاعلم أنك لا قلب لك. المراد به القلب الذي هو المخبت إلى الله، والراجع إلى الله، والطائع لله، وأيضا القلب السليم، والقلب اللين. قال: وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك في محبة الله، فانظر محبة القرآن من قلبك، والتدادك بسماعه أعظم من التداد أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم. أنا تحب القرآن أفضل وأعظم من أصحاب الملاهي الذين يحبون الغناء ويحبون هذه الأشياء، فأنت عندك سماع القرآن أفضل، فهذا لحياء قلبك ومحبتك لله جل وعلا. قال: فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه حديث أحب شيء إليه. كما قيل: إن كنت تزعم حبي، فلما هجرت كتابي؟ أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي؟ وقال عثمان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله. وهذا الأثر صحيح عن عثمان. قالوا: كيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه؟ وقال النبي عليه الصلاة والسلام يوما لعبد الله بن مسعود: «اقرأ علي». قال: «اقرأ عليك وعليك وأنزل». قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». فاستفتح بقراءة سورة النساء حتى إذا بلغ قوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ قال: «حسبك». فرفع رأسه، فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان من البكاء. أنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلذذ بكلام الله جل وعلا. قال: وكان الصحابة إذا اجتمعوا فيهم أبو موسى، يقولون: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم يستمعون. وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: يا أبا موسى، يا أبا موسى، ذكرنا ربنا. فيقرأ أبو موسى. قال: فلم حب القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحب السماع الشيطاني، أي الغناء. وكذلك سماع التصوف، أهل التصوف من الأناشيد وغيرهم. قال: فإذا رأيت الرجل زوقه وشدة وجده وطربه وشوقه إلى سماع الأبيات دون سماع الآيات، وسماع الألحان دون سماع القرآن، فهو كما قيل: تقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد فتميل كالسكران. أنا إذا هؤلاء تجد أنهم يقرأ عندهم القرآن ولا يبكون ولا يتحركون، فإذا قرأت القصائد التي قصائدهم هذه الشعرية، فتجد أنهم يبكون بل ويصيحون. قال: فهذا من أقوى الدلالة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلقه بمحبة سماع الشيطان. والمغرور يعتقد أنه على شيء. قال: ففي محبة الله وكلامه ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم أضعاف وأضعاف ما أورد السائل من فوائد العشق ومنافعه. بل لا حب على الحقيقة أنفع منه. وكل حب سوى ذلك باطل إن لم يعن عليه ويسوق المحب إليه. وهذا يبين أن الشيخ الإمام ابن القيم رحمه الله أن ما ذكره من المحبة والتعلق بغير الله، فهذا لا شيء أمام محبة الله جل وعلا وتعظيم الله سبحانه وتعالى، والتلذذ بكلامه، وكذلك التلذذ بطاعته. قال: وأما محبة الزوجات فلا لوم على المحب فيها، بل هي من كماله. وقد امتن الله سبحانه بها على عباده، فقال: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾. فجعل المرأة سكنا للرجل يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما محض الحب، وهو المودة المقترنة بالرحمة. أن المودة هي محبة مقترنة برحمة من الود. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾. قال: وقد قال الله تعالى عقيب ذكر ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن: ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾. قال: وذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان إذا نظر إلى النساء لم يصبر عنهن. لكنه لا يصح مرسلا أو إن كان أراده مقطوعا. معنى عن طاوس بن اليماني: معنى لم يصبر على نسائه عن أزواجه. قالوا: في الصحيح من حديث جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى امرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها، وقال: «إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتي أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه». وهذا الحديث في الصحيحين. أقصد في صحيح مسلم طريق أبي الزبير عن جابر. قالوا: منها الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه، كما يقوم الطعام مكان الطعام، والثوب مقام الثوب. يعني يتسلى الرجل بالمرأة. ومنها أن من هذه الفوائد التي في الآية وفي محبة الأزواج، ومنها الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الدوائيات، وهو قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته بها. وهذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح، كما في سنن ابن ماجه مرفوعا: «لم ير للمتحابين مثل النكاح». هذا هو الوجه الشرعي أنه إذا تحاب الرجل وامرأة، فالواجب عليهم أن يتزوجا. وأما المحبة بدون زواج، فهذه وسيلة إلى الرديلة، وسيلة إلى الحرام. قالوا: نكاح المعشوق هو دواء العشق الذي جعله الله دواءه شرعا وقدرا، وبه تداوى نبي الله داود. ولم يرتكب نبي الله محرما. وذكرنا أن هذه القصة غير صحيحة، وأنها من الإسرائيليات التي وضعت على نبي الله داود. قال: وإنما تزوج المرأة وضمها إلى نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته. ولا يليق بنا المزيد على هذا. وكأن الإمام ابن القيم يحكي ذلك كأنه مسلم بهذه القصة وليس كذلك. هذه القصة لم تأت لا في كتاب ولا في سنة. معنى أن داود عليه السلام قصد بقوله: «إن أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة»، فقال: «أكفلنيها». هذا السائل يريد داود نفسه. هكذا جاءت القصة، وأنه لا يريد بالنعجة الغنم، وإنما يريد بالنساء. وأن داود قال لهذا الرجل لما رأى امرأته وهي عجبته، وليس معه إلا هذه المرأة، فقال: لا تعطيني إياها حتى أكمل بها المئة. لكن هذه القصة كما قلنا غير صحيحة وباطلة، وهي من دسائس بني إسرائيل على الأنبياء. لكن رحم الله ابن القيم، فكأنه يأتي بها كأنها مسلم بها.