التعليق على الجواب الكافي 178

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 178، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم المحبة النافعة ودواعيها

المحبة النافعة هي محبة الله عز وجل لذاته لكماله المطلق في الجمال والإجلال. هذه المحبة لها داعيان أساسيان هما الجمال والإجلال.

أهمية محبة الله تعالى ووجوبها

محبة الله تعالى واجبة على العبد وهي نافعة له، بينما الله تعالى لا يحتاج لمحبته. العبد يتبغض إلى الله بالمعاصي بينما الله يحب عبده رغم معصيته.

صفات الله تعالى وكرمه وعوضه للمحب

الله تعالى له صفات الكمال مثل الرحمة والجود والعفو والمغفرة، ويجزل العطاء للمحب الصادق. من يحب الله يحصل على تعويض عظيم في كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: المحبة النافعة بعدما ذكر رحمه الله بعض ما استدل به وما يتناقله من يجيز العشق، فذكر بعد ذلك الجواب، وبالله التوفيق. وذكر كأنه يريد أن يرتب هذه الأمور، فذكر أولا: المحبة النافعة هي محبة الله عز وجل، وهي المحبة التي هي أنفع للعبد على الإطلاق، وهي أوجبها وأعلاها وأجلها أيضًا، فهي محبة الجليل العظيم سبحانه وتعالى. قال رحمه الله بعد ذلك: والمحبة لها داعيان، المحبة الإنسان إذا أحب شخصًا يحبه لأمرين. قال: والمحبة لها داعيان: الجمال والإجلال، إما يحبه لأجل جماله، وإما يحبه لأجل تعظيمه، وهذا التعظيم ممكن أن يكون تعظيم خوف، وممكن أن يكون تعظيم رجاء ورغبة فيما عنده. وأما الرب جل وعلا فهو للأمرين معًا، وأيضًا كذلك إجلال الله عز وجل رغبة ورهبة، رغبة فيما عنده سبحانه وتعالى، ورغبة أو رهبة في عدم أو في معنى في معصيتهم ومخالفتهم. قال: والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك، فإنه جميل يحب الجمال، بل الجمال كله له، والإجلال كله منه. وقد بلغ أو أنه ليس هناك منتهى لجماله جل وعلا، وجمال أسمائه وصفاته. قال: والإجلال كله منه، فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه. قال الله عز وجل: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾. قال: فالولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض. والله ولي الذين آمنوا، فهم أولياء، فلهذا لا ولاية إلا بمحبة، ولا براءة إلا ببغض. يقول بعضهم -بعض الجهلة-: أنا ما أبغض أحدًا، ولا في قلبي على أحد شيء، هذا إنسان يريد أن يتبرأ من المشركين، لكن لا أبغض أحدًا، هذا كلام باطل. كيف يكون براءة بدون بغض؟ فلابد أن تكون البراءة ببغض، كما أن الولاء لابد أن يكون بمحبة. قال: فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو وليهم محبته لهم. فالله يوالي عبده بحسب محبته له. ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من والى أولياءه، فإنه لم يتخذهم أولياء من دونه، بل موالاته لهم من تمام موالاته، لأن موالاته لأهل الإيمان من تمام موالات الله عز وجل. بخلاف من اتخذ أولياء ليس لله عز وجل، اتخذهم لأجل أمور أخرى. قال: وأخبر أن من فعل ذلك فقد اتخذ من دونه أندادًا يحبهم كحب الله. قال الله عز وجل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾. وقال تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا﴾. فهنا ربنا جل وعلا أيضًا ذكر أن هؤلاء الضلال الذين اتخذوا وحبوا من دون الله عز وجل أولياء، فيقولون لهم يوم القيامة وهم في النار: ﴿ربنا كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾. قال: بهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وأطبقت عليه دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، ولأجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار، فجعل الجنة لأهل محبته، والنار للمشركين به. وقد أقسم النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. فكيف بمحبة الرب جل جلاله؟ قال: ولا حتى أكون أحب إليك من نفسك، وهذا نبي الله، فكيف بالله عز وجل؟ أي: لا تؤمن حتى تصل محبتك إلى هذه الغاية. وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها، فليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه أولى بمحبته وعبادته من أنفسهم؟ لا شك ولا ريب. وإنما محبة النبي صلى الله عليه وسلم لمحبة الله تابعة لمحبة الله. قالوا: كل ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته ومحبة ما يحب. العبد يكره فعطاءه ومنعه ومعافاته وابتلاؤه وقبضه وبسطه وعدله وفضله وأمانته وإحياءه ولطفه وبره ورحمته وإحسانه وستره وعفوه وحلمه وصبره على عبده وإجابته لدعائه وكشف كربه وإغاثة لهفته وتفريج كربته من غير حاجة منه إليه، بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه. قال: فلو أن مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يمل قلبه عن محبة. تجد المخلوق لو أنه كان مثلًا عبدًا من عباده، أو مملوكًا له، أو أحد أولاده يخالفه دائمًا ويعصيه، فهل سيحبه؟ قلبه أنه ما سيحبه، بل سيبغضه، حتى ولو كان أبوه. لكن ربنا جل وعلا لطيف بعباده، مع هذا إلا أنه يطلب منه التوبة، ويطلب منه الإنابة إليه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع ساءته؟ فخيره إليه نازل، وشره إليه صاعد. وهذا كان يقوله بعض السلف في دعائهم: «اللهم إن خيرك إلينا نازل، وشرنا إليك صاعد»، هذا باب التواضع وبيان الحاجة، أنه يحتاج لمغفرة الرب جل وعلا. قال: فخيره إليه نازل، وشره إليه صاعد، ويتحبب إليه بنعم وهو غني عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه. فلا إحسانه وبره وإنعامه إليه يصده عن معصيته، ولا معصية العبد ولومه يقطع إحسان ربه عنه. هذا كله من كرم الله عز وجل على عباده، وإلا لحرمهم هذا الخير الذي يجدونه في الدنيا. قال: فألأ من لؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه، وتعلقها بمحبة سواه. تجد العبد إذا أحسن إليه من كان مثله من العبيد، أو من معنى إنسان مثله مخلوق، لو أحسن إليه إحسانًا يسيرًا، فتجد أنه يعظمه ويحبه. فكيف بالرب جل وعلا الذي أحسن في كل شيء إلى العبد، والعبد فقير إليه؟ قال: وأيضًا فكل من تحبه من القلب أو يحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك. والله سبحانه وتعالى يريدك لك. كما في الأثر: «لله عبدي، كل يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك»، أي: لنفع نفسك. فربنا جل وعلا لا يحتاج لمحبة المحب وطاعة المطيع، وليس هو بحاجة إلى ذلك، لكنه جل وعلا لكرمه جعلها لهذا العبد، فهو إذا أحب الله عز وجل كانت أنفع له. قال: وأيضًا فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعامله، ولابد له من نوع من أنواع الربح. والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح. فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوًا. أنا جعل الله عز وجل أعمالًا كثيرة تكفر السيئة، لو استغفر محيت هذه السيئة، إذا تاب ورجع محيت، بل محيت سيئات عظيمة وكبيرة. قال: وأيضًا فهو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة. فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبدل الجهد في مرضاته؟ لكن العبد يجد كأن هذا شيء مفروض على الله أنه يفعل له ذلك، فلهذا يتناسى مثل هذه الأمور، وكأنه لم يحسن إليه الرب جل وعلا، فتجد يخالفه ليلًا ونهارًا. قال: وأيضًا فمطالبك، بل مطالب الخلق كلهم جميعًا لديه، وهو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين. وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله. يشكر القليل من العمل وينميه. أن القليل من العمل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يتقبل صدقة أحدكم فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى تصير مثل الجبل». أن الصدقة اليسيرة يضعفها الله عز وجل حتى تصير مثل الجبل، وهذا من لطف الله وكرمه جل وعلا بعبده. قال: يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، بل يحب الملحين في الدعاء، ويحب أن يسأل، ويغضب إذا لم يسأل. وهذا الحديث قد مر معنا في بداية الكتاب: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، وهو من طريق إبراهيم الخوزي، وهو مختلف فيه. قال: ويغضب إذا لم يسأل، يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحم حيث لا يرحم نفسه. دعاه بنعمه وإحسانه ونداه إلى كرامته ورضوانه، فأبى. فأرسل رسله في طلبه، وبعث إليه معهم عهده، ثم نزل إليه سبحانه بنفسه، وقال: «من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». وهذا في حديث الأولياء، حديث الذي أخرجه الإمام البخاري: «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب». قال: كما قيل: أدعوك للوصل ثأبًا، أبعث رسولي في الطلب، أنزل إليك بنفسي، ألقاك في النوم. كأن الله عز وجل يقول: ها أنا ذا، اسألني يا عبد، واستغفرني فأغفر لك. فيجد العبد نائمًا، وكأنه لا أحد يدعوه. وأما من تعلق قلبه بالله عز وجل، فتجد أنه يقوم بدون ما أحد يقيمه، ولا أحد يوقظه. قالوا: كيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات، ولا يذهب بالسيئات، ولا يجيب الدعوات، ويقيل العثرات، ويغفر القطيعات، ويستر العورات، ويكشف الكربات، ويغيث اللهفات، وينيل الطلبات سواه؟ وهذا التفسير البياني من الإمام ابن القيم ليس عبثًا، وليس تطويرًا للكلام، وإنما يريد أن يبين للخلق منزلة الله عز وجل وعظمته وإحسانه للعبد، فكيف بعد ذلك العبد ينصرف عنه جل وعلا؟ قال: فهو حق من ذكر، وحق من شكر، وحق من عبد، وحق من حمد. فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، أهل أن يتقى، وأهل أن يغفر الذنوب جل وعلا، فيتاب إليه ويرجع إليه، ويحمد سبحانه وتعالى. قال: وأنصر من ابتغى، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم من قصد، وأعز من التجئ إليه، وأكفى من توكل عليه. ومن يتوكل على الله فهو حسبه، فهو كافيه جل وعلا. قال: أرحم بعبده من الوالد بولده، كما يأتي في حديث عمر في البخاري. وأشد فرحًا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا يأس من الحياة ثم وجدها. وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا ند له. كل شيء هالك إلا وجهه، لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصى إلا بعلمه. يطاع فيشكر بتوفيقه ونعمته، ويعصى فيغفر ويعفو. وحقه أضيع، فهو أقرب شهيد، وأجل حفيظ، وأوفى بالعهد، وأعدل قائم بالقسط. حال دون النفوس، وأخذ، وكتب، وكتب الآثار. ونكتب ما قدموا وآثاره، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين. ونسخ الآجال. قال: فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، والغيب لديه مكشوف. وكل أحد إليه ملهوف، وعنت الوجوه لنور وجهه جل وعلا، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه. ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه. أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات. لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه منتهى إليه بصره من خلقه. قال: معتاض بادل حبه لسواه من عوض، ولا ملك الوجود بأسره. فقال: معتاض بادل حبه لسواه من عوض، عن الذي يبذل حبه لغير الله، ما لاقى عوضًا، ولو ملك الوجود بأسره. وأما من كان محبته لله، وأيضًا حبه العظيم لله جل وعلا، فلا شك أنه معوض بكل شيء. هذا ما ذكره الإمام ابن القيم.