الجواب الكافي 81

الدرس في الجواب الكافي 81، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تحذير من الكذب ونشر الإشاعات عبر الإنترنت

يتناول المقطع حديث ثمامة بن جندب عن عقوبة من يكذب الكذبة التي تبلغ الآفاق، محذراً من التهاون في نشر الأكاذيب والاتهامات الباطلة عبر شبكات الإنترنت. ويؤكد أن الواجب هو النصيحة والستر لا التشهير، وأن من يكتب الباطل يلحقه الوعيد الشديد المذكور في الحديث النبوي.

عقوبات الزنا والربا في الآخرة والدنيا

يصف المقطع عذاب الزناة والزواني في النار بوضعهم في تنور ملتهب، وعذاب آكلي الربا بسباحة في نهر مع إلقام الحجارة، مع ذكر الحدود الشرعية للزنا. ويحذر من خطورة الربا الذي يعد محاربة لله ورسوله، ويندد بانتشار البنوك الربوية في بلاد المسلمين مؤكداً أن إنكار هذا المنكر يكون بالوسائل الشرعية.

ضوابط إنكار المنكر ومشاهد المعراج

يؤكد المتحدث وجوب التقيد بالضوابط الشرعية في إنكار المنكر محذراً من اتباع الهوى الذي يجر إلى الفتنة والاقتتال. ثم يستعرض مشاهد من رحلة المعراج: رؤية مالك خازن النار الذي لا يضحك منذ خُلقت النار، وإبراهيم الخليل في الروضة محفوفاً بأطفال ماتوا على الفطرة، مبيناً أن أهل الكبائر من الموحدين يشفع فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ويدخلون الجنة بعد الحساب.

الختام والدعاء

يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ثم يشكر المشاهدين على المتابعة. ويختتم بالدعاء بالخير والبركة للجميع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد وقفنا عند حديث ثمامة بن جندب رضي الله تعالى عنه، عند قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حين قال: «ما هذا؟» فقال له: «وأما الرجل الذي أتيت عليه يُشرشر شدقيه وقفا وقفا، فإن الرجل يغدو إلى بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق». يعني النبي عليه الصلاة والسلام ضمن ما رأى من عقوبات أهل الذنوب والمعاصي عقوبة من يكذب الكذبة تبلغ الآفاق، يعني تنتشر بين الناس ويتناقلها الناس. ووعيد هؤلاء أن يأتيهم من يأخذ أشداقهم فيشرشرها عن اليمين وعن الشمال، وهكذا أعينهم، وهكذا أفواههم، ويستمرون على هذا العذاب. ومع شدة هذا الوعيد وفضاعته، إلا أن كثيرا من الناس قد تهاونوا في قول الكلام الكذب الذي يبلغ الآفاق. كم في الشبكات، شبكات الإنترنت، من كلام وكذبات على أناس قيلت فيهم وهم منها براء. هذا ليس بالأمر الهين، لأن الآن هذه الشبكات على مستوى العالم، إذا أخرج الإنسان خبرا في هذه الشبكات وقال: فلان هذا سارق، قد اختلس كذا وكذا من المال، ليشوه صورته، إما لأنه خالفه في طريقته ولم يوافقه على ما هو عليه من منهج ومن سلوك، فربما يتساهل البعض فينسب إلى من خالفه هذه الكذبات، وهذا افتراء. وإن كان ذلك الذي قيل فيه ما قيل فعلا ممن هو مخالف، حتى لو كان ممن خالفك حقا وأنت على حق وعلى المنهج الصحيح، لا يجوز أن تكذب عليه. فكيف إذا كان ذلك المخالف أصلا على الجادة وعلى الهدى الصحيح المستقيم، وأنت الذي خالفت؟ على الإنسان أن يحذر، وأن لا يتساهل في نقل الكلام الكذب. ربما يسمع كلاما من شخص ويذهب يكتبه في الشبكة وفي الإنترنت: فلان كذا، وفلان كذا، وهو كذب. ولو كان ما فيه، كان الواجب النصيحة، نصح هذا الشخص قبل التشهير به. كان الواجب الستر، هذا أصل ستر المؤمن. هذا إذا كان فيه، فكيف إذا لم يكن فيه ذلك الذي قيل من الكلام الكذب؟ وقد بلغ الآفاق، بلغ الآفاق، وصل إلى أوروبا، وصل إلى أمريكا، وصل إلى كل مكان، بمجرد كتابتك لهذا الكلام في هذه الشبكة. فالوعيد عظيم، والوعيد شديد في حق هؤلاء. والله يؤسف أشد الأسف مما يقال في هذه الشبكات من الكلام الذي ربما له، الذي ربما ليس له زمام ولا خطام، وإنما: «حدثني فلان»، أو «سمعت فلانا»، أو «كذا عنده ثقة». ربما عند الآخرين ليس بثقة، بل ولا حتى ممن يصلح في الشواهد والمتابعات كلام. فهذا الباب توسع الناس فيه، في كثرة الكلام، في كثرة الطعونات، والتوسع في ذلك. سبحان الله، إذا نخلت ذلك الكلام، ربما صفى منه مما هو حق بواقع إلا الشيء القليل، إنصف، إنصف شيء. فالحذر الحذر من الانزلاق في مثل هذه المزالك. لا تنفعك الشهرة، فلان يكتب وفلان يكتب، لا تُسأل عن هذا الكلام الذي تكتبه، تكتبه. إن كان في مرضاة الله فهو في موازين حسناتك، وهذا لا يكون إلا إذا كان حقا وكان موافقا لشرع الله. وأما إن كان غير ذلك، ففي موازين سيئاتك، ويلحقك مثل هذا الوعيد الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، فيما رأى من عقوبات أهل الذنوب والمعاصي. قال: «وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني». وهذه عقوبة الزناة والزواني، يعاقبون بأن يوضعوا في بناء كالتنور وهم فيه عراة، ومن أسفل منهم لهب، وهم يصيحون ويصرخون ويضجون في هذا التنور لما يلحقهم من حر ذلك اللهب الذي يأتيهم من أسفل منهم. فهذا دل على خطر الزنا وشدة وعيد الزناة والزواني، إضافة إلى ما يقام عليهم من الحدود الشرعية. فالزاني إذا كان محصنا، محصنا، يرجم، وهكذا المرأة. وأما إن لم يكن كذلك، فجلد مئة وتغريب عام، كما جاء عن نبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال: «وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم...» وقال: يعني ممن يحدثون ويخبرون النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا له: «وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا». وهذا وعيد آكل الربا، يأتيه رجل فيأخذ الحجارة ويجعلها في فيه، وهكذا كلما ذهب يسبح ورجع، وعنده الحجر، الحجر فيه، ويسبح ويعود، وهكذا. هكذا آكل الربا، هكذا وعيد آكل الربا، إضافة إلى ما يلحقه من الوعيد الشديد الآخر عند بعثه. عند البعث، فإن آكل الربا حين يحشر إلى الله جل وعلا يحشر كالذي أصابه المس، يتخبطه الشيطان من المس. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. كأن جنيا دخل فيه، صار ممسوسا، يحشر على هذا الحال، عياذا بالله. إضافة إلى أن الربا محاربة لله جل وعلا ولرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فإذا الذي يأكل الربا، والذي يتعامل بالربا، هذا يحارب الله جل وعلا، ويحارب رسول الله عليه الصلاة والسلام. فكيف يكون له النصر، والذي يحاربه الله جل وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام؟ ومع شدة هذا الوعيد وفضاعة وعيد آكل الربا والتعامل بالربا، إلا أن كثيرا من الناس قد تهاونوا في هذا الأمر. فكم عدد، فكم عدد البنوك الربوية اليوم الموجودة في بلاد أهل الإسلام؟ خمسة عشر، خمسة عشر، عشرون، ربما أكثر، ربما في البلاد الواحدة، بل في المدينة الواحدة، في المدينة الواحدة ربما خمسة أو أكثر، هذا على أقل تقدير. فكيف ببلدان ومدن وجمهوريات وممالك وإمارات، كم فيها من بنوك الربا التي تتعامل بالربا جهارا صراحة؟ والله المستعان. وهذا لتهاونهم في هذا الأمر، وإلا فأيسر أبواب الربا كأن يأتي الرجل أمه. هذا أيسر أبواب الربا، الربا بضع وسبعون بابا، أيسرها كأن يأتي الرجل أمه. يكفي في شناعة وعيد آكل الربا والمتعامل بالربا أن يتصور هذا: كأن يأتي الرجل أمه، التي ولدته، والتي حملته في بطنها، وتعبت في تربيته، سهرت عليه. أيسر أبواب الربا، فكيف بأشد أبواب الربا؟ إذا كان هذا أيسرها، كأن يأتي الرجل أمه، فكيف بأعظمها؟ فلا شك أنه أفظع وأفظع، وأعظم وأعظم. ومع هذا، بنوك الربا مشيدة ومبنية. وليس معنى كلامنا هذا أننا نحرض على تفجيرها، ولا على الاعتداء عليها وقتل موظفيها، أبدا. وإنما هو إنكار المنكر، وأن هذا منكر عظيم. لكن لا يعالج، لا يعالج بالتفجيرات، ولا بالاعتداء، أبدا. إنما يعالج بالطرق الشرعية، بالطرق الشرعية. فلا بد من التقيد والالتزام بالضوابط الشرعية في إنكار المنكر: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه». ونحن الحمد لله الآن نستطيع أن ننكر بألسنتنا، وها نحن ننكر، وها نحن ننكر بألسنتنا. نستطيع بحمد الله، ربما يأتي وقت ما تستطيع حتى أن تنكر باللسان، فإنما تستطيع أن تنكر بالقلب. نصر الله العافية والسلامة. فإذن لا بد من التقيد بالضوابط الشرعية، فالأمر دين، والأمر إسلام واستسلام. هذا الإسلام الحق، التزام الأمر الشرعي والسير على منهج السلف في الإنكار. أما إذا صار الأمر على ما يهوى الإنسان، فمعنى ذلك التخبط والفوضى في بلاد أهل الإسلام، ولن يقف الشر عند حد بعد ذلك، وإنما سيصير أهل الإسلام في قتل وقتال فيما بينهم، إذا لم يلتزموا الضوابط الشرعية في إنكار المنكر. إذا كان الإنكار بالهوى، فلا تسل عن الشر الذي يحصل بين أوساط المسلمين، والواقع خير شاهد. نسل الله العافية والسلامة. قال رحمه الله، أو قال أي الملائكة للنبي عليه الصلاة والسلام: «وأما الرجل الكريه المنظر الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم». يعني ذلك الرجل الذي رآه النبي عليه الصلاة والسلام وهو على هذه الصورة، وقد رآه كذلك عليه الصلاة والسلام. وقال: «فما بال، ما بال، ما بال مالك لم يضحك قط؟» قال: «منذ خلقت النار». ومالك أحد ملائكة الله جل وعلا الكرام الموكلين بالنار، بالنار. ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، وهم في النار نادوا مالكا لأنه هو الذي يتولى النار: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. فمالك خازن النار، أحد ملائكة الله، لم يضحك قط. فهذا ملك من ملائكة الله عز وجل وكل بهذا الأمر. وأما الرجل الطويل الذي رآه في الروضة، الذي رآه، الذي في الروضة، فإنه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة. وفي رواية البرقاني: سألوا بعض المسلمين رسول الله، فقالوا: «يا رسول الله، وأولاد المشركين؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأولاد المشركين». وبهذا الحديث استدل من استدل من أهل العلم على أن أطفال المشركين في الجنة، أن أطفال المشركين في الجنة. جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أطفال المشركين، قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». يعني ما يدرى منهم إذا صاروا كبارا وصاروا أهل تكليف، هل يعملون بعمل أهل الإسلام أم لا؟ فالله أعلم بما كانوا عاملين. وهذا الحديث فيه أنهم حول إبراهيم عليه السلام في الروضة، يدل على أن أطفال المشركين في الجنة. وقال بعض أهل العلم، كالألباني رحمه الله تعالى: أن أطفال المشركين خدم، خدم أهل الجنة، يخدمون أهل الجنة في الجنة. أطفال المشركين الذين ماتوا وهم أطفال. قالوا: «وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح»، أي الذين بعد ذلك أمروا أن يقعوا في ذلك النهر فرجعوا على صورة حسنة، فهم الذين خلطوا بين العمل السيء والعمل الصالح، والذين تجاوز الله عنهم، والذين تجاوز الله عنهم. فالناس يوم القيامة منهم من يغفر له، ممن لم يكن من أهل الشرك الأكبر. أهل الشرك الأكبر لا يغفر. ومن الناس من يعذب بقدر ما عنده من الذنوب والمعاصي، ومآله إلى الجنة، مادام أنه من أهل التوحيد. ومن الناس من يغفر له ولا يدخل النار أصلا. لأن يوم القيامة الشفاعة لأهل الكبائر، فيه شفاعات تحصل، ومن الشفاعات الشفاعة لأهل الكبائر، يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يشفع فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونسأله جل وعلا أن يقينا شرور الدنيا والآخرة. والله أعلم. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.