التعليق على الجواب الكافي 9

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقيقة الدعاء وأهميته في قضاء الحاجات

الدعاء هو سبب لإجابة الحاجات، والله قدر الأمور بأسبابها، والدعاء من هذه الأسباب. يرد هذا الفصل على من يزعم أن الدعاء لا فائدة منه أو أنه مجرد علامة على قضاء الحاجة.

فضل الدعاء وأثره في النصر وتكفل الله بالإجابة

الدعاء من أعظم أسباب النصر، وقد تكفل الله بالإجابة لمن يدعوه، وقد يدخر الدعاء للآخرة أو يصرف به البلاء. كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يستنصرون بالدعاء.

أهمية سؤال الله ورضاه في طاعته

سؤال الله مهم جداً، والداعي إلى الله له أجر مضمون، إما إجابة الدعوة أو الأجر والثواب. الحديث النبوي 'من لم يسأل الله يغضب عليه' يدل على أهمية سؤال الله.

أضداد الطاعة وأثرها السلبي

أضداد الطاعة تجلب الشرور، ويمكن استجلاب نعم الله تعالى واستدفاع نقمه بالطاعة والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه. هذا الفصل يوضح أهمية الطاعة في استجلاب الخير ودفع الشر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد، قرأنا في درس مضى في كتاب الإمام ابن القيم الجواب الكافي، فذكر رحمه الله فصلًا في سؤال مشهور، وهو أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع، وإن لم يكن قد قدر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله. هذا سؤال يطرحه بعض أهل الشبهات الذين يريدون أن يطعنوا في نصوص الكتاب والسنة. فذكر طائفة منهم من أهل التصوف والجهل أن هذا الجواب أو أن هذا السؤال صحيح، وأن الدعاء لا فائدة فيه، وجعلوا عبارة "علمه بحالي يغني عن سؤالي" قصة مكذوبة على نبي الله إبراهيم، وأنه لما وقع في النار جاءه جبريل وقال: "ادع الله"، وقال: "علمه بحالي يغني عن سؤالي". وهذه القصة مكذوبة، بل الذي ثبت عن ابن عباس في صحيح البخاري أنه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل"، التجأ إلى الله جل وعلا. وقالت أيضًا طائفة أخرى يظنون أنهم أكيس من هؤلاء، فقالوا: بل الدعاء علامة مجردة، أمارة على قضاء حاجة، ليست سببًا، وإنما هي أمارة وعلامة على إجابة الدعاء، وعلى أن حاجته قد انقضت. كما قالوا: هناك غيم أسود في الشتاء البارد، فهذا علامة على أنه سيمطر. قالوا: هكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محبة بوقوع الثواب والعقاب، لا أنها أسباب له. وهذا قول من ينفي الأسباب، كالمعتزلة وغيرهم، وهو قول ترده الحس والعقل والشرع والفطرة. والصواب كما ذكره رحمه الله أنه قسم ثالث، وهو أن هذا المقدور قدر بأسبابه، هذا المقدور الذي وقع قدر بأسبابه، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر سببه. فالعقل أن هذه الأسباب تجري مع القدر، والأخذ بالأسباب من الإيمان بقدر الله، والتجرد من الأسباب خدش في الاعتقاد، عدم الأخذ بالأسباب خدش في الاعتقاد. فلهذا فالدعاء من الأسباب لإجابة الحاجة ووقوعها، إذا دعا العبد ربه جل وعلا أجاب الله عز وجل دعاءه. وهكذا الذي يشبع بالطعام ويروى بالماء، فإنه يأكل ويشرب، وهذا أكله وشربه من الأسباب. وكذلك أيضًا قدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، كل هذه أسباب جعلها الله عز وجل في هذه الحياة، ومن هذه الأسباب الدعاء، فهو سبب لإجابة لوقوع قضاء الحاجات. قال رحمه الله: ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وأدابه من غيرهم. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستنصر به على عدوه، أي يستنصر بالدعاء، وهذه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم في بدر دعا الله عز وجل كثيرًا حتى سقط رداؤه، وأخذ أبو بكر رداءه وقال: "يا رسول الله، كفاك مناشدتك لربك، إنه ناجز لك ما وعدك". فهذه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكان عمر يستنصر به على عدوه، أي الدعاء. قال: وكان أعظم جنده، أي الدعاء أعظم جنوده الدعاء. قال: وكان يقول لأصحابه: "لستم تنصرون بكثرة، وإنما تنصرون من السماء"، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا ينتصر أحد إلا بالله جل وعلا. فلهذا فالدعاء من أعظم الأسباب أسباب النصر، أن الإنسان يلجأ إلى الله جل وعلا، وكذلك الجيش يلجأون إلى الله ويخشعون لله ويخضعون له. قال: وكان يقول: "إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه"، أن الله عز وجل تكفل بالإجابة. ولهذا من ألهم الدعاء فقد ألهم الخير، وأما الإجابة فهي على الله جل وعلا، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الخير. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ هذا وعد من الله سبحانه وتعالى. لكن كما تقدم أن الله عز وجل إذا دعى العبد دعوة من غير إثم ولا قطيعة رحم، فإما أن يستجيب الله عز وجل له، وإما أن يدخرها له في الآخرة، يجعلها أجرًا له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من البلاء ما هو أعظم مما دعا به. فقد لا يستجاب لنفس الدعوة لأجل أن إجابة الله عز وجل للدعوة ليست مصروفة للعبد، فيعوضه الله عز وجل شيئًا آخر. أجاب الله عز وجل لم يستجب لهذه الدعوة لأجل أسباب منعت من استجابة، فيحولها ربه جل وعلا له ويدخرها له في يوم القيامة، أو يصرف عنه من البلاء ما هو أعظم. وهذا نعم عظيم، فالداعي إلى الله جل وعلا الذي يدعو ربه سبحانه وتعالى فأجره وافر، أجره مضمون، إما إجابة الدعوة، وإما الأجر والثواب، وإما أيضًا صرف ما هو أعظم مما يدعو به. قالوا: في سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه". وهذا الحديث أخرجه أبو صالح عن أبي هريرة، وأبو صالح هنا ليس هو ذكوان السمان كما ظنه بعضهم، وإنما أبو صالح هنا هو أبو صالح الخوزي إبراهيم الخوزي، وهو مختلف فيه. فمن وثقه صحح هذا الحديث، والظاهر أنه يقبل حديثه، أي أقل ما يكون أنه في درجة الحسن. "من لم يسأل الله يغضب عليه"، وهذا أمر عظيم، فابن آدم إذا دعوته غضب إذا سألته غضب، والله عز وجل إذا لم تسأله يغضب. قال: هذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته، وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه جل وعلا. وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أثرًا: "أنا الله، لا إله إلا أنا، إذا رضيت غمرت بركتي، وليس لبركتي منتهى، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد". لكن هذا لا يصح، ورحمة الله جل وعلا قد سبقت غضبه جل وعلا. قالوا: قد دل العقل والنقل والفطر وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير. حتى بالحس والعقل كما ذكر الإمام ابن القيم أن هذه الأمور والإحسان والبر بالخلق هو من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير. قالوا: أضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر. ولهذا خديجة رضي الله عنها استدلت بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم في البر والإحسان أن الله عز وجل لا يخزيه، قالت: "والله لا يخزيك الله أبدًا". وهكذا قال ابن الدغنة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وهكذا الناس في أممهم وفي أزمانهم المختلفة، تجد أن الإنسان الذي يعمل البر والإحسان للناس لا شك أنه صاحب خير، وأن الله عز وجل لا يذهب خيره، بل يجعل له الخير أضعاف ما هو يفعله. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "صلات المعروف تقي مصارع السوء". قال: ﴿وَأَضْدَادُهَا مِنْ أَكْبَرِ الأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِكُلِّ شَرٍّ﴾ فما استجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمه بمثل طاعته، أن استجلب النعم بالطاعة، واستدفع النقم كذلك بالطاعة والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه. طيب إن شاء الله نكتب بهذا، وأنتم في درس اللاحق ترجمة نانسي قنقر.