الدرس في التعليق على الجواب الكافي 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد على أهمية التقرب إلى الله والإحسان إلى خلقه لجلب الخير ودفع الشر، وأن الدعاء سبب من أسباب الخير. كما يبين أن الله رتب الجزاء على الأعمال.
يتناول كيفية ترتيب الجزاء على الشرط والعلة والمعلول في القرآن، ويبين استخدام الله لأساليب مختلفة لبيان العلاقة بين الأسباب والنتائج. يشمل ذلك صيغ الشرط والتعليل.
يتناول الأدوات القرآنية التي تربط بين الأسباب والنتائج، ويشدد على أهمية الأخذ بالأسباب لتحقيق القدر الإلهي مع التحذير من الاعتماد المطلق عليها أو تركها.
يختتم الدرس الحالي مع التأكيد على إكمال الموضوع في درس لاحق، ويتمنى التوفيق من الله تعالى. يشير إلى اكتفائه بالمحتوى المقدم حتى الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها وانحلالها على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر. فما استجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمه مثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه. وهذا قد دلت عليه الأدلة السمعية: الكتاب والسنة، والأدلة العقلية والفطرة، أن هذه الأشياء أسباب لجلب كل خير، وأن أضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر. فالتقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب التي تجلب الخير، والتي ينفتح بها المغاليق وتتيسر بها المعاسير. فهذه أسباب، والدعاء منها. فلهذا هنا ذكر رحمه الله في الرد على من يقول: إن الدعاء ليس له فائدة؛ لأن القضاء يقع ولا بد، سواء دعا أو لم يدعُ. وهذا جهل؛ فالدعاء سبب من أسباب الخير، وإجابة دعوة رب العالمين سبحانه وتعالى. فهو سبب، وسيذكر الآن المؤلف رحمه الله أن الله عز وجل قد رتب الجزاء على الشرط، ورتب المسبب على السبب. فهذه سنة الله عز وجل في خلقه، والقرآن مليء بذلك. قالوا: قد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول الشرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتيب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلة، والمسبب على السبب. وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع. فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمر الشرعي على الوصف المناسب له، لقوله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فهذا خبر كوني، أي وقع، وأمر شرعي: كونوا قردة خاسئين. فجعلهم على هذا الوصف المناسب؛ لأنهم أعرضوا عن الله عز وجل وعن شرعه. قالوا: قوله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، أي: لما أغضبونا كان ذلك سببًا لأننا انتقمنا منهم. قالوا: قوله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، وهذا أمر شرعي يترتب عليه ردع عن السرقة، أنه حد. فسبب إقامة هذا الحد هو السرقة. قالوا: قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، أن هؤلاء الذين أعد الله لهم المغفرة هم عملوا بهذه الأسباب تقربًا إلى الله جل وعلا. قال: وهذا كثير جدًا. وتارة يرتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء: «إن فعلت كذا أعطيتك كذا». هذا معنى بصيغة الشرط والجزاء: «ما سأعطيك هذا الجزاء إلا بهذا الشرط». كقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، هذا الجزاء في شرط التقوى. قال: قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، أنا متى يكون إخوانكم إذا قاموا بهذه الأمور التي اشترطها رب العالمين سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾. قالوا: قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. ومن ظواهر هذا. وتارة يأتي بلام التعليل، كقوله تعالى: ﴿لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، إذا تدبروا آيات الله جل وعلا فحصل لهم التذكير. قالوا: قوله جل وعلا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. وتارة يأتي بأداة «كي» التي للتعليل، كقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. قال: وتارة يأتي بباء السببية، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهرًا أو محذوفًا، كقوله تعالى: ﴿فَرِجَالٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. فكل هذا ترتيب السبب أو المسبب على السبب، معنى ترتيب الشيء الواقع على سبب، أو معنى ترتب الجزاء على الشرط، أو المعلول على العلة. يعني: لماذا حصل هذا؟ حصل بسبب كذا، بعلة كذا حصل هذا، أو بعلة كذا سيحصل كذا. قال: كقوله جل وعلا: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾، أي: كراهة أن تقولوا. وتارة يأتي بفعل السببية، كقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. قالوا: قوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾، ونظائره. وتارة يأتي بأداة «لما» الدالة على الجزاء، قوله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، ونظائره. وتارة يأتي بـ«إن» وما عملت فيه، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، وقوله في ضد هؤلاء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وتارة يأتي بأداة «لولا» الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله سبحانه جل وعلا: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وتارة يأتي بـ«لو» الدالة على الشرط، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. قالوا: بالجملة، فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب الشرعية. بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة، ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال. قالوا: من تفقَّه هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل على القدر جهلًا منه. طيب، هذا أيضًا: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتكل على القدر ويدر الأسباب؛ فإن هذا قد شنَّع الاعتقاد إذا ترك الأسباب ويظن أن هذا أخذ بالقدر. فالقدر والقضاء الذي جعله الله عز وجل لا بد أن يأخذ به العبد أسبابه، يسلك الأسباب. ومن ثم يأتي قدر الله جل وعلا. أما يترك الأسباب ويريد القدر، القدر ويقول: إن القدر مكتوب. فهذا لا يقول به رجل عاقل، فضلًا أن يعد عالما. فإن ترك الدعاء من الأسباب في جلب الخير، في عدم جلب الخير إذا ترك الدعاء؛ فإنه سبب من الأسباب في ترك الخير. فالقضاء والقدر مرتب على الدعاء وعلى الأسباب. فإن ترك الأسباب معنى ذلك خدش في اعتقاده في باب القضاء والقدر. والاعتماد على الأسباب كما قال العلماء شرك، وترك الأسباب خدش في الاعتقاد. فإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.