التعليق على الجواب الكافي 12

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مغالطة النفس في أسباب الخير والشر

يشرح كيف تغالط النفس الإنسان في أسباب الخير والشر، ويبين أهمية الحذر من هذه المغالطات. يُظهر أهمية الإقلاع الحقيقي عن الذنب لتحقيق السعادة والفلاح.

أسباب الغفلة عن الذنوب والمعاصي وخطورتها

يذكر أسباب الغفلة عن الذنوب والمعاصي، مثل الاعتماد على العلم دون العمل والاحتجاج بالقدر. يُبين أن الاستغفار وحده لا يكفي، بل يجب الإقلاع عن الذنب لتجنب تراكم الذنوب وتأثيرها السلبي.

خطورة الاتكال على الرجاء دون العمل وتوضيح منهج التوبة الصحيح

يُنبه إلى خطورة الاتكال على نصوص الرجاء دون الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، ويوضح المنهج الصحيح للتوبة. يؤكد أن العبرة في التوبة هي الإقلاع عن المعصية وعدم العودة للذنب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في التصليح الذي مضى بكتاب الإمامة القيم، الجواب الكافي، بعدما ذكر العلاج بالدعاء، وذكر آداب الدعاء، وغيرها من المسائل التي قد ذكرت. ذكر رحمه الله أمرين بهما تتم سعادة الرجل، فلاحه، ويكمل معرفته لدين الله جل وعلا. فذكرنا الأمر الأول، وهو أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير. أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير تكون له بصيرة في ذلك، ما يشاهده في العالم، وما جربه في نفسه وغيره، وما سمعه في أخبار الأمم قديما وحديثا. قد ذكرنا ذلك بما فيه الكفاية إن شاء الله. ثم ذكر رحمه الله الأمر الثاني، فقال: فصلنا الأمر الثاني، أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب. وهذا من أهم الأمور، يغالط نفسه في أسباب الخير والشر كما سيقوله الآن، وإشرحه. قال: وهذا من أهم الأمور، فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته، ولا بد. ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة. هذا الأمر مقرر عند أهل الحق، وعند من يعرف شريعة الله جل وعلا، أن المعصية والغفلة عن تلك الأسباب، أو الغفلة من الأسباب المضرة له بسبب دخوله في الشر، ودخوله في الفواحش، دخوله في الذنوب. فإنه يعرف أنها تضره في الدنيا والآخرة، لكن النفس تغالط، تغالطه. فمرة بالاتكال على عفو الله ومغفرته، يقول: أنا واثق أن الله عز وجل سيغفر لي، وأنا رجائي في الله عز وجل كبير، ثم ينهمك في هذه المعاصي، ويتكل على عفو الله ومغفرته، مغفرته سبحانه وتعالى. فهذا أيضا مزلق من المزالق التي تجعل العبد يستمر في المعصية. كما قال الله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. فاتكلوا على عفو الله ورحمته، فخالفوا الله عز وجل، وخالفوا دينه، وقالوا: سيغفر لنا. فقال المؤلف رحمه الله: ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف بالتوبة، وبالاستغفار باللسان تارة أخرى. عن التسويف بالتوبة: سأفعل كذا إذا جاء وقت كذا، سأتوب، وإذا جاء رمضان سأتوب، وإذا وجدت فرصة سأتوب، فيمني نفسه، ويسوف بالتوبة، ولا يعجل توبته في الحال. وهذا أيضا من المزالق. وكذلك بالاستغفار باللسان تارة، وهو استغفار الكذابين، كما قال بعض السلف عنه: يفعل المعصية ويستغفر، يفعل ويستغفر، معنى ذلك في نفس الوقت، وكأن هذا الاستغفار لا يقلعه عن هذه المعصية، وهذا لا ينفعه. لأن الله عز وجل قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فالاستغفار والتوبة لا بد فيها من الندم والإقلاع عن ذلك الذنب. أما إنسان مستغفر على هذا الذنب وهو واقع فيه، لعله فيه، ويستغفر، فهذا قد لا ينفعه. قالوا: بفعل المندوبات تارة، أن يقول: إذا فعل مثلا معصية، أو أصر على فعل هذه المعصية، فأقول: سأصلي ركعتين، وسأصلي الضحى، أو سأقوم الليل. قالوا: بالعلم تارة، أن يقول: أنا في علم، والله عز وجل سيغفر لي ما دام أني أواصل الطريق إلى الله. قالوا: بالاحتجاج بالقدر تارة، وهذا أيضا يحصل من كثير من الجهلة، يقول: هذا مكتوب علي، هذا خارج إرادتي. هكذا يقول بعضهم، يفعل المعصية ويقول: هذا خارج إرادتي، وكأن الله عز وجل جبره على هذا، وهذا هو قول الجبرية، الاحتجاج بالقدر، وهو باطل. قالوا: بالاحتجاج بالأشباه والنظراء تارة، أن يحتج بأصحابه ومن كان مثله، هؤلاء مثلا يقول: فلان وفلان من أصحابي، لماذا أنا أتشدد، لماذا أنا أزمت نفسي، وأولئك كذا، وأولئك كذا، فينظر إلى أصحابه والنظراء. قالوا: بالاقتداء بالأكابر تارة أخرى، وأيضا هذه مصيبة ذكرها ربنا جل وعلا في عدة آيات، أن كثيرا من الناس يقتدي بمن يعظمه، من يعظمه فيعرف أنه على طريق خطأ، لكن ينظر إلى قدوته فيرى أنه كذلك، فيتبعه ويصر على ذلك. قالوا: كثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: أستغفر الله، زال الذنب وراح، هذا بهذا. وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما أفعل، ثم أقول: سبحان الله وبحمده مئة مرة، وقد غفر ذلك أجمعه، كما صح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من قال في يوم سبحان الله وبحمده مئة مرة، حطت عنه خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر». وهذا الحديث في الصحيحين، حديث أبي هريرة. يريد رحمه الله أن يبين أن هذا أيضا غفلة، صحيح أنه اعتمد على هذا الحديث، لكن هل هذا الحديث ينزل هنا؟ فقد يكون هذه الأشياء عنده كبائر، والكبائر لا تمحى إلا بالتوبة، على قول أكثر العلماء مما دلت عليه الأدلة. أو يكون مصر على صغيرة، مصر عليها، فالإصرار كما قال ابن عباس يجعلها كبيرة. فمثلا اقتراره بمثل هذه الأشياء ليس صحيحا، ولا يدفع عنه أيضا ما جاء به من هذه الآثام. لكن هنا أراد يبين الإمام ابن القيم أن ليس هذا هو المهم، مثلا أن هذا الذنب يغفر، المهم أن الإنسان يقلع عن هذا الذنب، هذا هو المهم. لأنه لو غفر مثلا هذا الذنب، أغفر الله عز وجل له، سيعاود هذا الذنب، ثم من كثرة المعاودة سيعلو على قلبه الران، ستأتي الغفلة بعد ذلك، وسيكبر الأمر. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب ورجع، صقل قلبه، فإن هو عاد عادت، فإن هو عاد عادت، حتى يعلو على قلبه الران». فإذا علت على قلبه الران بعد ذلك، يرى هذه المعصية هيئة، بل أنه يرتكب ما هو أعظم منها، يرتكب ما هو أعظم منها بسبب تجرؤه على المعصية الصغيرة التي يظنها. فبعد ذلك يرتكب ما هو أعظم وأعظم. ولهذا قالوا: هذا المعنى أيضا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده». فسواء كان قلنا: البيضة هنا البيضة هذه التي هي الطعام، بيضة الدجاج، أو البيضة التي توضع على المحارب في رأسه. فهنا قال: «لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده». معنى ذلك: أي شيء الذي جعله يسرق هو سرق بيضة، شيء قد يراه حقير، لكن هذه البيضة التي سرقها عودته على السرقة، تعود بعد ذلك حلالا يأخذ الأشياء التي ليست له ويسرقها، ثم يتطور بعد ذلك فيسرق أشياء كبيرة، يسرق أموالا، يسرق ذهبا، يسرق كذا، فتقطع يده. فلهذا من دخل وفتح الشهوات كما جاء في حديث شداد بن أوس: «فتح سطور المحارب، بعدما حذر: ويلك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه». فيفتحه ويتجري عليه، فيجد فيه فيرى الظلمات داخله. فلهذا فلا يغتر الإنسان بمثل هذه الأعمال، صحيح أن هذه الأعمال تغفر الذنوب، لكن ليس هذا هو المهم، المهم أن الإنسان يقلع عن هذا الذنب حتى لا يأتي هذا الذنب ما هو أعظم منه. قال رحمه الله: وقال لي آخر من أهل مكة: نحن أحدنا إذا فعل ما فعل اغتسل وطاف بالبيت أسبوعا، وقد محي عنه ذلك. وقال لي آخر: قد صح للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أذنب عبد ذنبا فقال: أي ربي أذنبت ذنبا فاغفر لي، فغفر له، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا آخر، وقال: أي ربي أذنبت ذنبا فاغفر لي، فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، فليصنع ما شاء». وهذا الحديث في الصحيحين. قال: وأنا لا أشك أن يقوم على لسان هذا الشخص: وأنا لا أشك أن لي ربا يغفر الذنب ويأخذ به. قال: وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها، وتعلق بكرة يديه، أنسى نصوص الوعيد وأخذ بنصوص الرجاء. قال: وإذا أجب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته، ونصوص الرجاء. قال: وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب. فقول لبعضهم: كثر ما استطعت من الخطايا، إذا كان القدوم على كريم. أن يقول: وإن جئت بكثير من الخطايا، فأنت قادم على كريم، فهذا إن كان ظاهره فهو جهل. على كثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم. قالوا: قول الآخر: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله. انظر إلى أين وقعوا، وهذا بسبب جهلهم بدين الله، يرى أن التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله، أنا أفعل الذنب حتى تعلم أو حتى توقن بعفو الله جل وعلا، هذا لا يقوله رجل من العلماء. قالوا: قول الآخر: ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله، واستصغار لمعصية الله. معنى استصغار المغفرة، وهو قد استصغر المعصية. قالوا: قال محمد بن حرب، لعله أبو محمد بن حرب، وهو أحمد بن سعيد بن حرب الإمام المشهور، صاحب المحلى، وله كتب في هذا الباب. قالوا: قال محمد - عندهم أبو محمد - سألتها فقال: أبو محمد بن حرب رأيت بعض الجهال يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من العصمة، سبحان الله، يستعيذ من العصمة. قالوا: من هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر، وأن العبد لا فعل له ولا إرادة ولا اختيار، وإنما هو مجبور على فعل المعاصي. وذكر رحمه الله تعالى عدة اقتراحات يقترها كثير من الناس، ثم بعد ذلك رحمه الله سيجاوب على هذه الأشياء. وخلاصة رده رحمه الله: أن العبرة ليس بتلك الأمور، العبرة أن العبد ينبغي عليه أن يقلع عن المعصية، ولا يعاود الذنب، لأن هذا الذنب قد يضره إذا دام عليه، ويحدث ظلمة في قلبه، ويحدث أشياء في قلبه، ثم لا يستطيع بعد ذلك حتى الاستغفار. فسيأتي إن شاء الله تعالى معنا رد الإمام ابن القيم رحمه الله على هذه الأشياء والاقتراحات التي اقترحها كثير من الناس، بل بعضهم من الفقهاء. فلنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.