التعليق على الجواب الكافي 13

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أسباب الغفلة عن العمل الصالح

ذكر الإمام ابن القيم أسباب الغفلة عن العمل الصالح مثل الاعتماد على عفو الله والاغترار بصلاح الآباء. هذه الأسباب تؤدي إلى الغفلة والمعاصي.

الاغترار بالله وبالطاعات وحدوده

يشرح ابن القيم كيف يمكن الاغترار بعفو الله وبالطاعات دون فهم الشروط للتكفير عن الذنوب. حسن الظن بالله يجب أن يكون مع العمل الصالح.

حسن الظن بالله مع الإحسان وتحذيرات من سوء الفهم

حسن الظن بالله يكون مع الإحسان، بينما المسيء لا يحسن الظن بربه. هناك تحذير من اغترار الناس بظنهم أن الله سيغفر لهم دون إصلاح.

خطورة الاعتماد على حسن الظن دون عمل

الاعتماد على حسن الظن بالله دون عمل صالح خطير ويعتبر نوعًا من الأماني الكاذبة. هناك تحذير من الغرور الذي يصيب الإنسان بسبب ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في الدرس الماضي في كتابي «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» فذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعدما ذكر من العلاج الدعاء، وأيضًا أن الله عز وجل قد رتب الجزاء على من عمل خيرًا، وأن العمل بالأسباب هو الذي قرره الشرع، وأن ترك الأسباب خدش في الاعتقاد، والاعتماد على الأسباب شرك بالله جل وعلا. لكن ذكر بعد ذلك الإمام ابن القيم ذكر أمرين بهما تتم سعادة الإنسان وفلاحه. الأمر الأول أن يعرف تفاصيل أسباب الشرع والخير، ويعرف تفاصيل أسباب الشرع والخير، وتكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده في العالم، وما يجربه بنفسه، وما سمعه في الأخبار، أخبار معناه في السمع في الكتاب والسنة من أخبار الأمم الماضية. وكذلك كلما ذكر ربنا جل وعلا أيضًا عن من عارض النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر ربنا جل وعلا أسبابًا وتفاصيل لأهل الشرع كيف يعارضون القرآن، يعارضون السنة، وكيف أيضًا أن هناك من يتبع السنة، ومن يقول بالقرآن، وأيضًا يعمل بالقرآن وهكذا. فهذا الأمر الأول. الأمر الثاني أن يحضر مغالبة نفسه على هذه الأسباب، وهذا أيضًا من أهم الأمور. فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرّة له في دنيا وآخرة، ثم يتعلل بأشياء أخرى، يتعلل بأشياء أخرى، أن إما يركن إلى عفو الله ورحمته سبحانه وتعالى فيغفل ويتكل على عفو الله ورحمته، أو أنه يقول: أنا أحسن الظن بربي، فلو فعلت ما أفعل فأقول استغفر الله فيغفر الله لي. وبعضهم يغتر بأنه لا بد للعبد أن يفعل الذنوب، حتى قال بعضهم: وكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان المقصود ألا تكريمي. وهذا جهل أيضًا. ذكر رحمه الله أيضًا قول بعضهم: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله. وهذا جهل أعظم، أن يقول بعضهم أن التنزه عن الذنوب جهل بسعة الله، أن الإنسان إذا أراد أن يتنزه، يبتعد عن الذنوب، يقولون هذا جهل بسعة عفو الله. وهذا كلام باطل، بل واجب على المسلم أن بقدر مستطاعه أن يبتعد عن الذنوب حتى يحصل على عفو الله إن كلا وعلا، وليس فيه جهل بسعة عفو الله. وأيضًا بعضهم يقول: ترك الذنوب جراء على مغفرة الله، والصغائر وغيرها من هذه الأمور، أو الكلام الذي هو جهل. ومنهم أيضًا من يغتر بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحًا، وكانت عندهم هذه الأمور والذنوب. وهذا أيضًا من الجهل. ومنهم أيضًا من يغتر بأن الله عز وجل غني عن عذابه، وعذابه لا يزيد في ملكه شيئًا، وغيرها من هذا الجهل. ثم إن المؤلف رحمه الله تعالى قال: ومنهم من يغتر بفهم فاسد، فهمه هو وضرباؤه من نصوص القرآن والسنة، فاتكلوا، كاتكال بعضهم على قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وهو لا يرضى أن يكون في النار. معنى يقولون: الله قال لنبيه ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ معنى سيعطيك ما ترضى به. وقالوا: ﴿وَلَا يَرْضَى﴾ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون أمته في النار، أو بعض أمته في النار. وهذا جهل، بل من أقبح الجهل، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يرضى إلا بما يرضي الله جل وعلا، ما رضي الله عز وجل عنه رضي عنه رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم قال رحمه الله: والله تعالى يرضيه تعذيب الظالم والفساق والخونة والمصرين على الكبائر، فحاشى برسوله أن لا يرضى بما يرضى به وبه تبارك وتعالى. إن الله وقال: وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهذا أيضًا من أقبح الجهل، فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنه رأس الذنوب أساسًا. قالوا: لا خلاف، يقول لما يقيم الآن، ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين، أن الله لا يغفر الذنوب جميعًا، إن الله لا يغفر يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فهذه الآيات في حق التائبين، فإنه يغفر ذنب كل تائب من أي ذنب كان. قالوا: لو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها، وحديث إخراج قوم من النار بالشفاعة. أنا لو قلنا إن الله يغفر الذنوب جميعًا، معنى بطلت آيات الوعيد كلها. معنى لو قلنا أن الله يغفر الذنوب جميعًا بدون تقييدها بالتائبين، فمعنى ذلك أن نصوص الوعيد التي جاءت في الكتاب والسنة كلها منسوخة، ولا أحد يقول بمثل هذا القول، بل هذا جهل. وكذلك من الذنوب الشرك، فهل يغفره الله عز وجل؟ يغفر للمشرك؟ هذا بعيد، بل قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ فأخبر الله سبحانه أنه لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه، ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره. وكذلك أيضًا بعض الجهال أو بعض الجهال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فيقول: كرمه. وهذا جاء عن بعض السلف، لكن أراد المؤلف رحمه الله أنه ليس على الفهم الذي فهمه هؤلاء، أن بعض السلف قال عند قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ قال: كرمه، غرني كرمه وعفوه سبحانه وتعالى. وليس المراد أن الإنسان يفعل الذنوب لأجل أنه غره كرم الله، لا، ليس هذا المراد، أنه التحذير أن الإنسان يغتر بعفو الله وكرمه فيفعل الذنوب والمعاصي والعياذ بالله، بل هذا لا يتحذير فيها. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ هذا الذي خلقك، وهذا الذي رزقك، لماذا يغرك الشيطان وتغرك نفسه عن الله عز وجل وعن طريق الله؟ قالوا: قد يقول بعضهم: إنه لقن المغتر حجته، أو لقن المغتر حجته. وهذا جهل قبيح، وإنما غره به الغرور، غره به الغرور، وهو الشيطان، أو كأن الله عز وجل يقول: من هذا الذي غرك؟ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟ جعلك تنصرف عن الله، من الذي غرك؟ ومن الذي غرك حتى انصرفت عن الله جل وعلا؟ فقال: إنما غره به الغرور، وهو الشيطان، ونفسه الأمارة بالسوء وجهله وهواه. أن هؤلاء أربعة: عداء الشيطان، ونفس الأمارة بالسوء، وكذلك الهوى، وكذلك الجهل. والجهل قد يدخل في الهوى، وكذلك الدنيا، هذه عوارض تعترض الإنسان وتغره. قال: واتى سبحانه بلفظ الكريم، وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به، ولا إهمال حقه. فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه، واقترف بمن لا ينبغي الاقتراف به، أنا اقترف بالشيطان. قالوا: كاقتراف بعضهم بقول تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ الذي كذب وتولى. وقوله جل وعلا: ﴿وَعَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يدر هذا المغتر أن قوله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ هي نار مَعْنَاهُ نَارٌ مُخَصَّصَةٌ مِنْ جُمْلَةِ دِرَكَاتِ جَهَنَّمَ، لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى. يقول: من كتب أنه شقي. وهذا الشخص ما أدراه أنه ليس من هؤلاء؟ وأيضًا الاغترار بقوله: ﴿وَعَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ معناه: أنه هو مؤمن، يقول: أنا مؤمن، فلا يعذبني الله، وأنا مؤمن، والنار عدة للكافرين. لكن قد ذكر ربنا جل وعلا أن أهل المعاصي وأهل الذنوب أيضًا يدخلون النار، إلا أن يشاء الله عز وجل أن لا يدخلهم. قال: وقوله هنا: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ قال: هنا الإمام ابن القيم: هي نار مخصوصة من جملة دركات جهنم. يريد أن يبين أن جهنم دركات، وأن هناك نارًا أيضًا، أو موضع في جهنم للعصاة. قال: ولو كانت جميع جهنم، فهو سبحانه لم يقل: لا يدخلها، بل قال: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ ولا يلزم من عدم صليها عدم دخولها، فإن الصلي أخص من الدخول، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، أن الدخول قد يدخلها، لكن لا يصلاها. والصلي غالبًا يكون إلى قعر الشيء، وإلى قاعه. قال: ثم إن هذا المغتر لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مطمئنًا له أن يجنبها. قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ فإذا كان أعرض ولو بالمعاصي، فهذا على خطر. قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَعَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ فقد قال في الجنة: ﴿وَعُدَّتْ﴾ للمتقين. ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن يدخلها الفاسق والظالم، ولا ينافي إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من الإيمان، ولم يعمل خيرًا قط. يعني يدخل الجنة مثل ما يدخل هؤلاء الجنة، أيضًا كذلك ممكن أن يدخل الفاسق والظالم يدخل النار، إن كان من الموحدين فيخرج منها. قالوا: كاقتراف بعضهم بالاعتماد على صوم عاشوراء أو يوم عرفة، حتى يقول بعضهم: صوم يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها، ويبقى صوم عرفة زيادة في الأجر. معنى يقول بعضهم أن صوم يوم عرفة يكفر ذنوب العام كلها، سنة قابلة وسنة ماضية. أن يقول: خلاص العام كله مكفر، ويبقى صوم عرفة زيادة في الأجر. قالوا: لم يدري هذا المغتر أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر. فرمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة، لا يقويان على تكفير الصغائر إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها. أن هذا التكفير إذا تركت الكبائر، ويكفر هذه الصغائر، فيقوى مجموعة الأمرين على تكفير الصغائر، فكيف يكفر صوم يوم تطوع كل كبيرة عملها العبد وهو مصر عليها، غير تائب منها؟ هذا محال. ولهذا قالوا: أن الأشياء التي تأتي في النوافل في تكفير الذنوب، إنما المراد به الذنوب الصغائر، الذنوب الصغائر. أما ما جاء في الفرائض، عما يكون في الفرائض، فهنا ممكن أن يكفر الصغائر والكبائر، مثل الحج مثل الجهاد، هذه الأشياء الكبيرة قد تكفر الصغائر والكبائر. وأما النوافل، نوافل الصوم، نوافل الصلاة، فهذا يكفر الصغائر. قال رحمه الله تعالى: فكيف، ثم قال: على أنه لا يمكن أن يكون صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء مكفرًا لجميع ذنوب العام على عمومه، وتكون من نصوص الوعد التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعًا من التكفير. أنا قال: حتى لو أدخلنا الكبائر، لو أدخلنا مثلًا الكبائر، هذا لم يصر عليها، أما المصر على الكبائر ومصر على الصغائر، فإنه قد يمتنع عنه ذلك. قال: فإذا لم يصر على الكبائر لتساعد الصوم وعدم الإصرار، وتعاونهما على عموم التكفير، كما كان رمضان وصلوات الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر. مع أنه سبحانه قد قال: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ قال: فعلم أن جعل شيء سببًا للتكفير لا يمتنع أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير. فالتكفير هنا قد يكون يدخل فيه عموم الذنوب، لكن متى؟ إذا اجتنبت الكبائر، أو لم يصر عليها. الحمد لله. قالوا: يكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما، وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل. قالوا: كاتكال بعضهم أيضًا يحكي على كثير. وهذا الكلام وإن كان قد أسهب فيه الإمام ابن القيم، لكنه مفيد جدًا، قد لا تجد كتابًا يسهب أو يتتبع مثل هذه الأشياء. فهذه الأشياء مفيدة؛ لأنها تحصل للإنسان، تحصل للإنسان يغتر بمثل هذه الأشياء، إما يغتر بعفو الله وكرمه، أو يغتر بفعل بعض الطاعات، أو يغتر بأن الله عز وجل سيغفر له، وغيرها من هذه الاغترارات التي يغترها. ثم قاله: كاتكال بعضهم أيضًا هذا من الاغترار على قولي النبي صلى الله عليه وسلم حاكيًا عن ربه: «أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء». يعني ما كان في ظني فإني فاعله به. معناه: حسن الظن، أجل، مراد بحسن الظن أنا عند حسن ظن عبدي بي، كيف يكون حسن الظن بالله؟ فالذي يفعل الذنوب وينهمك في المعاصي، ثم يريد أن الله عز وجل يغفر له، هذا ليس حسن ظن، هذا ليس حسن ظن بالله جل وعلا. حسن الظن أن الإنسان يحسن العمل فيحسن الظن بالله أنه سيجزيه على ذلك العمل، ويعفو عنه ما كان من تقصير، وما كان من معاصي، فيعفو عنه الله سبحانه وتعالى. وهذا الذي قرره الإمام ابن القيم رحمه الله. قال رحمه الله: ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه، حسن الظن بربه أنه يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، أنه سمى حسن ظن، حسن ظن، وحسن الظن فيه إحسان، ليس أن الإنسان يسيء ثم يقول: أنه محسن بربي، أنه سيغفر لي. وقد ذكر الله عز وجل مثل هؤلاء القوم، ثم فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ فهذا اغترار، مع أنهم أساءوا العمل، وأرادوا أنهم يظنون بالله جل وعلا الإحسان، هذا خطأ. بل أن الإنسان الذي يحسن الظن بالله فهو يحسن العمل أصلا. قال: فإن المحسن حسن ويظن بربه أنه يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته. وأما المسيء المصِر على الكبائر والظلم والمخالفات، فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه. فلهذا فيحسن الظن بربه من أحسن العمل، أحسن العمل فأحسن الظن بربه جل وعلا، وأن الله عز وجل سيعفو عنه، وأنه يتوب إلى الله ويستغفر الله، ويظن أن الله عز وجل سيتوب عليه ويغفر له. قال: وهذا موجود في الشاهد، فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجام وحشة الإساءة، إساءة الظن أبدًا. فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته. وأحسن الناس ظنًا بربه أطوعهم له، كما قال الحسن البصري: «إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل». قال: وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه؟ كيف يكون هذا؟ وعنا مثل العبد الآبق، العبد الآبق الشارد، هل هذا محسن بربه؟ هو شارد، محسن بمولاه، محسن مثلًا بسيده، وهو شارد عنه؟ لو كان محسن به لآتى إليه، ولا أقبل إليه، لكن هذا معرض، ويقول: أنه محسن، هذا ليس بمحسن الظن بربه. فلهذا أراد يبين الحسن البصري رحمه الله أن الذي يهرب ويبتعد عن الله عز وجل، ويغرق عن مغفرة الله، ولا يتوب، فهذا ليس محسن الظن بالله، بل هارب من الله. قال: وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه، حال مرتحل في مساخطه وما يغضبه، متعرض للعنته أو للعنته، قد هان حقه وأمره عليه، فأضاعه، وهان نهيه عليه، فارتكبه، وصرّ عليه. معنى لم يرعَ النهي، ولا أمر الله عز وجل، لم يبالي به. قالوا: كيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة، وعاد أولياءه، ووالى أعداءه، وجحد صفات له، وأساء الظن بما وصف به نفسه، وصف به رسوله صلى الله عليه وسلم، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر. أنا مثل ما قال أولئك الأشاعرة والمعتزلة، يقولون: أن ظاهر إثبات الصفات كفر. وهذا جهل. قالوا: كيف يحسن الظن بمن يظن أنه لا يتكلم، ولا يرى، ولا ينهى، ولا يرضى، ولا يغضب؟ وقد قال الله تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ معنى لما أساءوا الظن بأن الله عز وجل يسمعهم في السر، فهذا الظن الذي يفعلوه هو ظن سيء بالله جل وعلا، وهي صفة واحدة، صفة أنه يسمع الصوت في السر، أنكروا ذلك، وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين. وما كنتم تستطيعون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أن الله لا يسمع كثيرًا مما تعملون. فهذا الذي ظنه أن الله لا يسمعهم، فجعل الله عز وجل هذا هو سبب خسارته. فكيف بمن ينكر الصفات كلها؟ ينكر الصفات كلها، فيقول: أن الله لا يتكلم، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يسخط، ولا يكره، ولا يحب؟ قال: فهؤلاء لما ظنوا أن الله لا يعلم كثيرًا مما يعملون، كان هذا ساعة لظنهم بربهم، فأرداهم ذلك الظن. وهذا شأن كل من جحد صفات الله، وصفات كماله، ونعوت جلاله، ووصفه بما لا يليق به. فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة، كان غرورًا وخداعًا من نفسه، وتسويلًا من الشيطان، لا إحسان ظن بربه. قال: فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع كلامه، ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يدي الله، ومسؤول عن كل ما عمل، وهو وهو مقيم على مساخطه، مطيع لأوامره، أو مضيع لأوامره، معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به؟ وهل هذا إلا من خدع النفوس، وغرور الأماني؟ عن الذي يظن أنه واقع في مساخ الله، ومضيع لأوامر الله، ثم يقول: أنا الله عز وجل أحسن الظن بربي، أحسن الظن بربي، وهو مقيم على المعاصي. لكن هذا متى يقول هذا؟ إذا تاب، إذا تاب يحسن الظن بالله. أما إنسان واقع في المعاصي، واقع في الذنوب، مصر على الكبائر، ينصح، وقال له: يا فلان، اتق الله، لا تفعل كذا، يقول: أنا أحسن الظن بالله، الله سيغفر لك. هذه أماني، لكن إذا تاب ورجع إلى الله، فإنه يحسن الظن بالله، وأن الله عز وجل سيعفو عنه. وهذه نقطة لا بد أن تعرف، وهذه مسألة لا بد أن يفهمها كل طالب علم، بل كل مسلم؛ لأن هذا يدخل منها الشيطان. قال: ثم قال رحمه الله: وقد قال أبو أمامة ابن سهل بن حنيف: ودخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها، فقلت: لو رأيت ما، فقالت: لو رأيت ما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض له. وكانت عنده ستة دنانير أو سبعة دنانير، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها، فشغلني وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله، ثم سألني عنها، فقال: «ما فعلت؟ أكنت فرقت الستة دنانير؟» قالت: فقلت: لا، والله، لقد كان شغلني وجعه. فدعا بها، فوضعها في كفه، فقال: «ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده؟» هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فيا لله، ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه، ومظالم العباد عنده؟ فإن كان ينفعهم قولهم: «حسنا ظنوننا بك، إنك لم تعذب ظالمًا ولا فاسقًا»، فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه بالله، فإن النار لا تمسك. فسبحان الله، وهذا هو غرور وأماني اليهود. قال: «ما يبلغ الغرور بالعبد؟» قال إبراهيم: «أعف عن الله تريدون، فما ظنكم لرب العالمين؟» أي: ما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه؟ وقد عبدتم غيره. طيب، إن شاء الله تعالى، نقف إلى هذا الحد، فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.