الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 44، ألقاها
يشرح المقطع الأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث سألته السيدة عائشة عن الدعاء في ليلة القدر، فأمرها بقول 'اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني'. يُفصّل معنى هذا الدعاء وأهمية العفو من الله عز وجل.
يتناول المقطع الثاني بعض الأعمال المستحبة في ليالي رمضان العشر الأواخر، مثل الإكثار من الدعاء، وتناول الطعام قبل الخروج لصلاة العيد، وفضيلة قراءة القرآن في البيوت، وتحريم صيام الدهر، وفضل شهر رمضان في فتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار.
المقطع الثالث يتحدث عن حديثين نبويين، الأول عن عقوبة من يفطر قبل غروب الشمس، والثاني يحذر من التزكية بالنفس والغرور بالأعمال الصالحة، ويشدد على ضرورة سؤال الله القبول والخشية من عدم قبول الأعمال.
المقطع الأخير يبدأ بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى أهمية هذه الصلاة في الإسلام كتعبير عن التقدير والاحترام للنبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في ذكر لأحاديث صحيحة تتعلق بالصيام. قال الثالث والستون: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». الحديث أخرجه أحمد والترمذي والنسائي في الكبرى، وصححه الألباني. وشغل الباني رحمه الله هذا الحديث في استحباب هذا الدعاء في ليالي القدر. عائشة رضي الله عنها تقول للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر -علمت يعني ظننت أو غلب على ظني أنها ليلة القدر- لأن ليلة القدر غير معلومة بعينها على الصحيح، والصحيح كما دلت عليه الأدلة، ولهذا الإنسان يتحراها في سائر العشر الأواخر من رمضان. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»، وقال: «تحروا ليلة القدر في أوتار العشر». فقولها «علمت» يعني ظننت، ما أقول فيها؟ أي ماذا أدعو في ليلة القدر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». وصال النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء «اللهم إنك عفو»، فالله عز وجل من أسمائه العفو، وهو الغفور الرحيم. قال الله جل وعلا: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾، وهو العفو الغفور، فالله عز وجل متصف بصفة العفو، فهو كثير العفو جل وعلا عن عباده، ويحب العفو، ولهذا حث عليه ورغب فيه. فمن عفا وأصلح فأجره على الله. وقال جل وعلا: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا»، فالله عز وجل يحب العفو، وهو جل وعلا كثير العفو، يعفو عن عباده ويصفح ويغفر. «فاعف عني» أي ما حصل مني من زلل ومن تقصير ومن خطأ، فأنت تسأل الله عز وجل في مثل هذه الليلة المباركة، ليلة القدر، أن يعفو عنك، أن يعفو عنك ما حصل منك من زلل ومن خطأ ومن تقصير. وهذا الدعاء مناسب في ليلة القدر، كما ذكر بعض أهل العلم أن في ليلة القدر يقدر الله عز وجل التقدير السنوي في تلك الليلة، كما في قوله سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾، الله عز وجل يقدر التقدير السنوي في ليلة القدر بما يكتبه للخلق، فيناسب أن يدعو الإنسان بهذا الدعاء، عسى الله عز وجل أن يعفو عنه ويصفح عنه، فيمحو عنه يعني شيئا مما قد كتبه الله عليه وقدره عليه. فيستحب الإكثار من مثل هذا الدعاء في ليالي القدر، فالإنسان يدعو به في سائر العشر، يكثر من الدعاء بهذا الدعاء في ليالي العشر الأخيرة من رمضان كلها. فإن المسلم إذا قام ليالي القدر كلها وأقبل فيها على طاعة الله، فإنه يكون مدركا لليلة القدر بإذن الله جل وعلا. قال الرابع والستون: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: «من السنة أن يطعم يوم الفطر، أن يطعم يوم الفطر قبل أن يخرج ولو بتمرة». الحديث أخرجه البزار، صححه الألباني رحمه الله. قال ابن عباس: من السنة أن يطعم يوم الفطر قبل أن يخرج -يعني إلى مصلى العيد- وقول الصحابي «من السنة كذا» له حكم الرفع، يعني من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فمن السنة أن يطعم يوم الفطر قبل أن يخرج ولو بتمرة، يعني ولو أن تأكل تمرة واحدة، تحرص على هذه السنة، أنك ما تخرج إلى صلاة العيد حتى تأكل، تفطر ولو بتمرة. قال الخامس والستون: عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن البيت ليتلى فيه القرآن، فيتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض». الحديث أخرجه أحمد، وصححه الألباني رحمه الله، وذكره الذهبي في السير، وقال: هذا إسناد نظيف حسن المتن. هذا الحديث فيه فضيلة قراءة القرآن في البيوت، «إن البيت ليتلى فيه القرآن، فيتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض»، يعني يكون في هذا البيت نور وإضاءة يراه من في السماء، كما يرى أهل الأرض النجوم في السماء. أنت ترى النجوم وضوءها من بعيد وأنت على الأرض، وكذلك أهل السماء يرون البيت الذي يتلى فيه القرآن، وهو ماذا يعني يضيء. وهذا لا شك أنه فضيلة عظيمة ينبغي أن نحرص على يعني إعمار بيوتنا بذكر الله جل وعلا، وقراءة القرآن فيها. قال السادس والستون: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين». هذا الحديث أخرجه أحمد والطيالسي وأبو شيبة وحبان والبيهقي، وحسن إسناده الألباني رحمه الله. قال أبو إبراهيم رحمه الله: في هذا الحديث تحريم صيام الدهر، «من صام الدهر» يعني السنة كلها «ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين»، عقد التسعين بالأصابع، كان شيئا مستعملا عند العرب، استعمال الأصابع في بعض الأعداد، فعقد التسعين هكذا. فالحديث يدل على تحريم صيام الدهر، تحريم صيام الدهر، وأنه لا يجوز صيام السنة كلها. قال السابع والستون: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذا رمضان قد جاءكم، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتسلسل فيه الشياطين». أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الألباني رحمه الله، وقد مر الكلام عليه في الدروس التي مضت. قال الثامن والستون: عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أتاني رجلان فأخذ بضبعي، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دما. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم». أخرجه النسائي وابن خزيمة وغيرهما، وصححه الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه عقوبة من أفطر قبل وقت الإفطار، من أفطر قبل وقت الإفطار، تعجل الفطر فأفطر قبل غروب الشمس، فإنه يعاقب بهذه العقوبة، يعلق بعراقيبه، مشققة أشداقه، تسيل أشداقه دما. قال الألباني رحمه الله: هذه عقوبة من صام ثم أفطر عمدا قبل حلول وقت الإفطار، فكيف يكون حال من لا يصوم أصلا؟ نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة. إذا كان هذه عقوبة من صام وأفطر متعمدا، فكيف بمن لم يصم أصلا وترك الصيام من أصله؟ قال التاسع والستون: عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم: إني صمت رمضان كله، وقمته كله، فلا أدري أكره التزكية أو قال لابد من نومة أو رقدة». الحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة، وصححه الشيخ مقبل رحمه الله، والصحيح المسند، وضعفه الألباني رحمه الله، وعلته عند الألباني هو رواية الحسن عن أبي بكرة، والحسن مدلس. فإن صرح بالتحديث في رواية أخرى، فيكون الحديث صحيحا. وقوله: «لا يقولن أحدكم: إني صمت رمضان كله، وقمته كله»، كأنه يعني كره التزكية، أن يزكي نفسه بأنه صام رمضان وأنه قام، يعني كما قال: «لابد من نومة ورقده». والإنسان لا يغتر بعمله، ويمدح نفسه بعمله، بل يسأل الله عز وجل القبول، يعمل العمل ويخشى أنه لا يتقبل منه، ويكون على خوفه وجل من الله سبحانه وتعالى. فلا يغتر بأعماله التي عملها، وأني فعلت كذا وتصدقت بكذا أو صمت كذا أو قمت كذا وكذا، لا، اعمل العمل لله، واسأل الله عز وجل أن يتقبل منك، اسأل الله أن يتقبل منك. والله عز وجل يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾. والله جل وعلا يقول في مدح أهل الإيمان: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾. فإذا سئلت: هل صمت رمضان؟ قل: الحمد لله صمنا، نسأل الله أن يتقبل منا، طيب هذا أفضل من أن تقول: صمت رمضان كله، وقمته كله، وقرأت كذا وفعلت كذا. الحمد لله صمنا وقمنا، نسأل الله أن يتقبل منا، وأن يجعلنا عنده من المقبولين. فلا يكون عندك شيء من الغرور بما قدمت من أعمال وطاعات. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.