السلاح الذي لا يقهر

السلاح الذي لا يقهر

المحاضرة بعنوان السلاح الذي لا يقهر، والتي كانت بمسجد ابن عباس بزغفه بالشحر 27 محرم 1446هـ الموافق 2 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

السلاح الذي لا يقهر: الدعاء أعظم العبادة

افتتح المحاضر بالترحيب والحث على مجالس العلم، معلناً موضوع المحاضرة في أن الدعاء هو السلاح الذي لا يقهر وأعظم العبادة. استدل بآيات وأحاديث تبين فضله، وأمر الله به، ووعده بالإجابة، ووعيده للمستكبرين، مبيناً أن العبادة لا تتم إلا بالدعاء نوعيه: المسألة والعبادة.

أهمية الدعاء وشروط قبوله ووجوب إخلاصه لله وحده

استعرض المحاضر نماذج من استجابة الله لدعاء الأنبياء دليلاً على عظم شأن الدعاء، وكونه عبادة مباشرة تظهر فقر العبد وغنى الرب. أكد على وجوب الإخلاص في الدعاء وتوجيهه لله وحده، محذراً من دعاء غير الله من أموات أو أصنام باعتباره شركاً وضلالاً مبيناً.

آداب الدعاء المستحبة: الابتداء بالثناء والصلاة على النبي والهيئات

فصل المحاضر في آداب الدعاء المستحبة، وأولها البدء بالثناء على الله وحمده اقتداءً بسورة الفاتحة وهدي النبي، ثم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لكونها سبباً للقبول. كما أرشد إلى استحباب الوضوء، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، ونهى عن تقبيل اليدين بعد الفراغ لعدم ثبوته شرعاً.

ضوابط الدعاء: العزيمة في المسألة، النهي عن الاعتداء، والاقتداء بدعاء زكريا

بين ضعف حديث مسح الوجه بعد الدعاء ورجح بعض العلماء كراهيته، وأكد على وجوب العزيمة في الدعاء باليقين بالإجابة وتعظيم الرغبة دون تعليق بالمشيئة. حذر من الاعتداء برفع الصوت والصياح مستدلاً بآية ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، واختتم بهدي النبي في خفض الصوت اقتداءً بدعاء زكريا الخفي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين. اللهم صل على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، فأيها الأحبة في الله، ذكر العلامة المنذيري رحمه الله تعالى في كتابه "الترغيب والترهيب" أن أبا هريرة رضي الله عنه مر بسوق المدينة فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق ما أعجزكم! يا أهل السوق ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقَسَّم وَأَنْتُمْ هَا هُنَا، أَلَا تَنْطَلِقُوا فَتَأْخُذُونَ نَصِيبَكُمْ. قالوا: أين يا أبا هريرة؟ قال: في المسجد. فانطلقوا سراعًا رحمهم الله تعالى، فوقف لهم أبو هريرة حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة لم نجد شيئًا يُقَسَّم. قال: هل وجدتم أحدًا في المسجد؟ قالوا: نعم، وجدنا أناسًا يصلون، وأناسًا يقرؤون القرآن، وأناسًا يتذاكرون الحلال والحرام. قال: ويحكم، ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم. حسن هذا الأثر الشيخ الألباني رحمه الله وغفر الله له وعفا عنه. أيها الأحبة في الله، هذا محض فضل الله تبارك وتعالى علينا، أنشرح الله صدورنا لهذا الميراث النبوي، ووفقنا الله للجلوس على هذه المائدة، مائدة الأصفياء ومائدة الأولياء والأتقياء، مائدة الكتاب والسنة، والاستماع لهذا الخير. فمما ينبغي علينا أجمعين أن نستحضر هذه المنة، وأن نذكر هذه النعمة، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. فإن هذا الميراث علينا أجمعين، المتكلم والسامع، أن يحمد الله تبارك وتعالى، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. احتسب خطواتك، واحتسب جلوسك، واحتسب الاستماع، والمتكلم يحتسب الكلام والتذكير. فأنعم بهذه المجالس، لو لم يكن فيها إلا إيواء الله سبحانه وتعالى لعبده، فأنعم بذلك، كما قال ابن القيم رحمه الله. فالحمد لله أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، ونسأل الله أن يزيدنا علمًا وفقها، وأن يشرح صدورنا لهذا الخير. فأهلًا ومرحبًا وسهلًا بالشيخ الفاضل أبي يوسف عبد المجيد حفظه الله تعالى بين إخوانه وبين أبنائه، مذكرًا ومعلمًا وموجهًا. أسأل الله أن يفتح له ولكم ولنا أجمعين في العلم النافع، وأن يوفقنا للعلم والعمل الصالح. وأهلًا ومرحبًا بمن أتى لينال من هذا الميراث النبوي، ميراث العلم وميراث التذكير، فالقلوب قست تحتاج إلى ما يلينها، ولا يوجد مثل هذه المجالس الملينة للقلوب، والتي يا عباد الله يشرح الله بها الصدور. فأهلًا بإخواننا أجمعين من طلبة العلم ومن المستمعين، فأسأل الله أن يشكر لكم سعيكم، وأن يتقبل منا ومنكم بإذن الله تعالى. بعد ركعتي السنة ستكون المحاضرة المعلن عليها: "السلاح الذي لا يقهر". وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب، مجلس من مجالس العلم والذكر التي هي أحب المجالس إلى الله، في هذا المسجد وهذه البقعة التي هي من أحب البقاع إلى الله سبحانه وتعالى. نتذاكر وإياكم شيئًا من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ننتفع به بإذن الله جل وعلا في ديننا ودنيانا، وما يكون زادًا لنا في آخرتنا. سمعتم عنوان هذه المحاضرة: "السلاح الذي لا يقهر". ليس هذا السلاح سلاحًا نوويًّا، ولا عبارة عن صواريخ وقذائف، وإنما هو سلاح معنوي بيدي كل مؤمن، يسهل عليه اقتناؤه، ويسهل عليه أن يكون حاملًا لهذا السلاح، الذي إن أحسن استعماله، وتوفرت شروطه، وانتفت موانعه، كان مُصيبًا لما أراد، وكذلك متحصلًا لما أحب. هذا السلاح -حفظكم الله- هو الدعاء، الذي قال فيه ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. هذا السلاح أعظم عبادة يتعبد بها العبد لربه سبحانه وتعالى، ولهذا سماه الله جل وعلا عبادة. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فالله عز وجل أمرنا بدعائه، وحثنا ورغبنا في ذلك، ووعدنا جل وعلا بالإجابة، وتوعد من استكبر عن الدعاء بهذا الوعيد العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، أي دعائي. ولهذا جاء في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه ما في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة، الدعاء هو العبادة». وهذا كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة»، يعني أعظم أركان الحج هو الوقوف بعرفة، من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج. وهكذا الدعاء، فهو أعظم خصال العبادة، من فاته الدعاء فاتته العبادة. إذ أن العبادة لا تخلو من الدعاء، لا تخلو من الدعاء، إما بلسان المقال، وإما بلسان الحال. إما أن يدعو الإنسان بلسانه فيطلب من الله جل وعلا جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو دعاء المسألة. أو بلسان الحال، فهو يعبد الله جل وعلا بفعل الأوامر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وغير ذلك من الطاعات والقربات، ويجتنب المحرمات، ومراده من ذلك أن يغفر الله له، وأن يرحمه، وأن يتجاوز عنه، وأن يدخله الجنة، وأن ينجيه من النار. وهذا معنى من معاني دعاء العبادة. فبهذا نعلم عظم شأن الدعاء. كيف؟ والمسلم يعلم أنه لا يجيب الدعاء إلا الله. ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. والآيات في هذا الباب كثيرة. وكذلك أخبر ربنا جل وعلا عن أنبيائه ورسله وعباده الصالحين بتقربهم إليه سبحانه وتعالى بهذه الطاعة العظيمة. قال الله جل وعلا: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سُوءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقال عز وجل: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾. وقال عز وجل مخبرًا عن يونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال عن زكريا: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. ومن تتبع كتاب الله جل وعلا يجد من ذلك الشيء الكثير، لتعلم عظم شأن الدعاء. وفي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام الأحاديث الكثيرة من فعله عليه الصلاة والسلام وقوله في الحث والترغيب في هذه العبادة العظيمة. ونبينا عليه الصلاة والسلام هو القائل: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء»، والحديث في السنن. الله عز وجل يحب من عبده أن يدعوه، لماذا؟ لأنه به يظهر فقر العبد وشدة حاجته إلى ربه وخالقه، وأنه الفقير إلى الغني سبحانه وتعالى، فيتذلل الداعي بين يدي الله سبحانه وتعالى، ويتضرع ويذل وينكسر ويخضع إلى الله جل وعلا، فتظهر فيه معاني العبودية والذل ما لا يظهر في غيرها من العبادات. والله عز وجل هو الغني، الغنى صفة ملازمة لله، كما أن الفقر صفة ملازمة للمخلوق، ولو كان من أغنى الناس في هذه الدنيا فهو فقير إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. فالإنسان فقير إلى ربه وخالقه، لا يستغني عن الله سبحانه وتعالى في جميع أحواله، وفي جميع تقلباته، وفي كذلك جميع شؤون حياته، فهو فقير إلى ربه وخالقه سبحانه وتعالى، لا يستغني عن دعاء الله عز وجل، ولا يترك الدعاء إلا عاجز كسلان. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ليس أحد أعجز ممن يعجز عن الدعاء»، لا عاجز أعجز من الدعاء، ولا بخيل أبخل بالسلام. لا عاجز إلا من عجز عن الدعاء، والبخيل من بخل بالسلام. الذي ما يدعو عاجز، عنده عجز، لماذا؟ لأن الدعاء ما يحتاج إلى شيء من الثقل والتعب وبذل الجهد العظيم، أمر سهل جدًا، فلهذا ما يتركه إلا عاجز، كما أن السلام كذلك لا يأخذ منك جهدًا ولا وقتًا، فكيف يبخل الإنسان أن يسلم على أخيه المسلم أو أن يرد عليه السلام؟ فإذا علمنا ذلك، علمنا أن الإنسان لا يستغني عن دعاء الله جل وعلا، ولذلك يحسن بالمسلم أن يعلم شيئًا من أحكام ومسائل الدعاء، التي بها يحقق هذه العبادة العظيمة لربه جل وعلا وخالقه. وكما ذكرنا أن الدعاء عبادة، أن الدعاء عبادة، وهذه العبادة لا تحتاج إلى واسطة، لا تحتاج إلى واسطة. تذهب إلى فلان من الناس وتقول له: ادعُ الله لي. وإن كان هذا جائز في الحي، الإنسان الحي، ممن هو من أهل الخير والصلاح، أن تقول له: يا فلان ادعُ الله لي، يعني بأمر مثلًا أن يوفقني للزواج أو يوفقني للشفاء أو نحو ذلك. طلب الدعاء من الرجل الصالح جائز، لكن نبه أهل العلم أن يكون مراد هذا السائل أن يكون لهذا الداعي نصيبًا من هذه الإجابة، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح بقصة أويس القرني، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يأتي عليكم أويس، أو خير التابعين أويس القرني، من مراد، ثم من قرن، كان له أمه، وبها بر، كان به برص، فدعا الله فأذهبه، إلى موضع درهم، فمن لقيه منكم فليستغفر له». فأدركه عمر رضي الله عنه فسأله أن يستغفر له، فلما خطن له ذهب فاختفى، رحمه الله. وكذلك أيضًا ما جاء في بعض الأحاديث، حين جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: يا رسول الله، صل علي وعلى زوجي. قال: «اللهم صل عليها وعلى زوجها». وفي ذلك أحاديث. لكن المقصود أن المسلم يدعو الله جل وعلا مباشرة، لا يحتاج أن يجعل بينه وبين الله واسطة. والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، فإني قريب. ومن تأمل الآيات التي فيها سؤال النبي عليه الصلاة والسلام، تجدون أن يأتي الجواب بقوله جل وعلا: ﴿قُلْ﴾، أي يا محمد، يعني الجواب بواسطة. مثلًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. لكن في الدعاء قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ما قال: فقل. لا يحتاج الدعاء إلى واسطة. ادعُ الله سبحانه وتعالى مباشرة، والجأ إلى ربك سبحانه وتعالى، واطلب حاجتك، وتعبَّد الله عز وجل بهذه العبادة العظيمة. فمن مسائل الدعاء، عباد الله، أن يحرص المسلم على الإخلاص في دعائه لله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. تدعو الله عز وجل بصدق وإخلاص. ومن هذا الإخلاص أن تفرد الله عز وجل بالدعاء، ولا تدعو من لا يملك من الأمر شيئًا، كمن يدعو الأموات، ويدعو أصحاب القبور، فضلًا عمن يدعو الأشجار والأحجار والأصنام والأوثان التي لا تملك من الأمر شيئًا. ولهذا لما نصح إبراهيم عليه السلام والده قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾. وقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. كيف تدعو إلهًا تزعم أنه إله وهو عاجز لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟ ولهذا قال الله جل وعلا في المشركين والكافرين منكرًا عليهم دعاءهم لهم من دون الله عز وجل: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. ولهذا جعل الله عز وجل أمثال هؤلاء من أضل الناس وأضل الخلق. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. الله عز وجل جعل هؤلاء من أضل الناس، لا أحد أضل منهم، يدعو ميتًا لا يسمع ولا يبصر، وهو في غفلة عن دعائه، ولو قدر وتنزل أنه يسمع، ما استجاب له، ويوم القيامة إذا بعث كفر بعبادته، وكان عدوًا له. كيف بعاقل يفعل مثل ذلك؟ يترك الخالق سبحانه وتعالى الذي خلقه، والذي رزقه، والذي أمره بعبادته وطاعته وبدعائه، وتوعد له بالإجابة، ثم يذهب ويدعو غيره؟ لا شك أن هذا من سخافة العقول، ومن كذلك ضعف الإيمان. كذلك أيضًا يحسن بالمسلم إذا أراد أن يدعو أن يحرص على الثناء على الله جل وعلا في دعائه، أن يكثر من الثناء على الله. ما تأتي وتطلب حاجتك مباشرة، أولاً تبدأ بالثناء، تثني على الله عز وجل بما هو أهله، تجعل هذه مقدمة في دعائك. والثناء كما قال بعض أهل العلم يغني عن الدعاء، يعني يغني عن السؤال الذي تريد أن تسأله. لو أن رجلًا جاء إلى ملك من الملوك يطرم منه حاجة، وقال له: أنت كذا، وأنت كذا، وأنت كذا، يمدحه ويثني، ماذا سيكون موقف هذا الملك؟ سيقول: أعطوه الذي يريد، أعطوه الذي يريد. ولله جل وعلا المثل الأعلى، وهو ملك الملوك سبحانه وتعالى. ولهذا كان هذا من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، أنه يثني على الله جل وعلا قبل الدعاء. وفي حديث عائشة بالصحيح، لما وقعت يداها على قدمي النبي عليه الصلاة والسلام وهما منصوبتان وهو ساجد، وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». وفي السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلًا يدعو، قال: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد سأل الله باسمه العظيم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجار». انظر إلى هذا الثناء العظيم على الله سبحانه وتعالى. وفي حديث أم سلمة في السنن، قالت: يا رسول الله، علمني كلمات أقولهن أو أدعو بهن. فقال عليه الصلاة والسلام: «سبح الله عشرًا، واحمديه عشرًا، وكبريه عشرًا، ثم سلي حاجتك». يقول: نعم، نعم. سبح الله عشرًا، واحمديه عشرًا، وكبريه عشرًا، ها ثناء وحمد، قال: ثم سلي حاجتك التي تريدين، يقول: نعم، نعم. ولهذا يتأملنا في سورة الفاتحة، التي هي أم القرآن، نجد أنها ابتدأت بالحمد والثناء، ثم جاء بعد ذلك الدعاء. ولهذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي. فإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي -أو قال: فوض إلي عبدي-. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». انظروا: ثناء وحمد، ثم الدعاء. إذا أنت تحرص إذا أردت أن تدعو، أن يتقدم بين يدي دعائك حمد وثناء على الله جل وعلا. وأيضًا بعد الحمد والثناء، الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه قال: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى يصلى على النبي عليه الصلاة والسلام». الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى يصلى على النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الأثر موقوف على عمر رضي الله عنه، وله حكم الرفع، كما ذكر العلامة الألباني رحمه الله. ويدل على هذا أيضًا حديث فضالة بن عبيد في السنن، فالرجل الذي صلى وتعجل ولم يصل على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «عجل هذا». ثم قال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ليدعو بما شاء»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. إذن بعد الحمد والثناء، الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضًا أن تحرص على الوضوء، أن تكون متوضئًا، وأن تستقبل القبلة، وأن ترفع يديك عند الدعاء. جاء في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام بعد غزوة حنين أرسل جيشًا إلى أوطاس، وأمر عليهم رجلًا يقال له أبو عامر الأشعري، ثم أصيب أبو عامر بسهم في ركبته، فنزعه أبو موسى، فثار الدم، فعلم أبو عامر أنه سيموت، فقال: يا أبا موسى، أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، وقل له: ليستغفر لي. فلما رجع أبو موسى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بما حصل، وأنه يقريه السلام ويسأله أن يستغفر له، قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ، ثم استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: «اللهم اغفر لعبدك أبي عامر، واجعله فوق كثير من خلقك يوم القيامة». فلما سمع هذا أبو موسى قال: ولي يا رسول الله، استغفر لي، فرصة دعوة من النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «ولي يا رسول الله». قال: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا». الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، ثم استقبل القبلة، ثم رفع يديه، ودعا. وكذلك أيضًا في استقبال القبلة في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام على الصفا والمروة في الحج والعمرة، كان إذا صعد على الصفا استقبل القبلة ودعا ورفع يديه، وهكذا يفعل مثل ذلك في المروة. وهكذا في دعائه عند رمي الجمرتين الأولى والثانية، يستقبل القبلة ويدعو. وهكذا أيضًا في البخاري أن طفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت، فادعُ الله عليها. فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه وقال: «اللهم اهد دوسًا وائت بهم، اللهم اهد دوسًا وائت بهم». والأحاديث في رفع اليدين كثيرة. ومن حديث سلمان في السنن: «إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرًا خائبتين». وتبلغ الأحاديث في رفع اليدين عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربعين حديثًا، حتى جمعها الإمام السيوطي رحمه الله في رسالة سماها "فضاء الوعاء في ذكر أحاديث رفع اليدين في الدعاء"، أكثر من أربعين حديثًا عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا فرفع اليدين في الدعاء متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم معنًى، أي مما تواتر معناه في أحاديث كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا دعا. وهذا مما يستحب للمسلم إذا دعا أن يرفع يديه، أن يرفع يديه. ثم إذا انتهى من الدعاء، هل يشرع أن يقبل يديه؟ الجواب: لا، تقبيل اليدين لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لا في حديث صحيح ولا ضعيف، ولا ثبت عن أحد من الصحابة، ولا أحد من التابعين. فتقبيل اليدين غير مشروع. أما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فجاء في حديث عند الترمذي من حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رفع يديه فدعا لم يضعهما حتى يمسح بهما وجهه. هذا الحديث قال الترمذي رحمه الله: حديث غريب، لا نعرفه إلا من طريق حماد بن عيسى. فالحديث فيه ضعف، قد ضعفه الأوزاعي وأبو زرعة وبعض أهل العلم. حسنه بشواهده، جاء من طريق أخرى فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وجاء أيضًا مرسلًا عن الزهري صحيح. وبعض أهل العلم حسنه بهذه الشواهد، كالحافظ ابن حجر رحمه الله في بلوغ المرام. ولهذا قال بعض مشايخنا، كالعلامة ابن باز وابن عثيمين، أنه لا بأس بمسح الوجه بعد الدعاء، أنه لا بأس بذلك، وإن كان ترك ذلك أفضل. لكن من فعله لا ينكر عليه، من فعله لا ينكر عليه. لكن نبه العلامة ابن باز رحمه الله إلى أنه لا ينبغي أن يفعل هذا بعد الفرائض، لا ينبغي أن يفعل هذا بعد الفرائض، لأن هذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولو فعله النبي صلى الله عليه وسلم لنقل، كما نقل الصحابة أذكار الصلوات التي تقال بعد الصلاة، نقلوها عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فنبه على أنه لا يفعل هذا بعد الفرائض. كذلك أيضًا من هذه المسائل، أن المسلم إذا دعا ينبغي أن يعزم المسألة. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، فإن الله لا مكره له». وفي رواية: «فليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظم عليه شيء أعطاه». والحديث جاء في الصحيح وخارج الصحيح، حث النبي عليه الصلاة والسلام على العزم في السؤال. والعزم في السؤال يشمل أمورًا: منها أن تدعو الله عز وجل وأنت موقن بالإجابة، وأنت موقن بالإجابة، عندك يقين أن الله جل وعلا سيستجيب لك دعاءك. ما تدعو وأنت في قلبك تقول: الله أعلم هل يستجاب لي أو لا يستجاب لي، المهم ندعو. لا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه». تدعو بيقين أن الله عز وجل يستجيب لك دعاءك. أيضًا من العزم في المسألة، أنك تدعو الله جل وعلا وتعظم رغبتك في السؤال، أن تسأل الشيء الذي تريد، إن كان كبيرًا وإن كان كثيرًا، الله جل وعلا لا يتعاظم عليه شيء أعطاه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفه عرش الرحمن». إذا أردت أن تدعو، تدعو بالشيء الكثير: اللهم بلغني منازل الشهداء والصالحين، ونحو ذلك من الأشياء العظيمة، تكون عندك رغبة في السؤال في الشيء الكثير. ولما قال الصحابة: «إذن نكثر؟» يعني من الدعاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكثر». الله عز وجل غني سبحانه وتعالى، لا يتعاظمه شيء أعطاه. كذلك أيضًا من العزيمة في المسألة، أنك لا تعلق السؤال بالمشيئة. ما تقول: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت. هذا من سوء الأدب مع الله جل وعلا، أن تعلق الدعاء والسؤال بالمشيئة. ألا لو أن إنسان سأل من إنسان حاجة، قال: يا فلان، أعطني، أو أسألك الشيء الفلاني إن شئت، أسألك الشيء الفلاني إن شئت. هذا السؤال يحتمل أحد أمرين: الأمر الأول، أن هذا الشيء الذي تسأله ليس بشيء عظيم عندك ولا بشيء كبير، فكأنك تقول: إن حصل فذاك، وإن لم يحصل فالأمر سهل، ولهذا علقته بالمشيئة. والأمر الثاني، أنك ما تريد أن تثقل عليه، فتقول: إن شئت أعطيتني هذا الشيء، وإلا فلا تعطني إياه. وكذلك يظهر معنى ثالث، وهو الاستغناء وعدم الرغبة في حصول هذا الشيء: إن شئت أعطيتني إياه، وإن شئت فلا تعطني إياه، فليس لي به حاجة عظيمة. وكلا هذه الأمور منتفي عن الله سبحانه وتعالى. الله جل وعلا لا يثقل عليه شيء سبحانه وتعالى. كيف وهو بيده سبحانه وتعالى خزائن السماوات والأرض؟ يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. ألم تروا ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه؟ والحديث صحيح في مسلم. الله عز وجل هو الغني عز وجل، يثني ذر في مسلم: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر». أنت تسأل الغني سبحانه وتعالى، إذا لا تبخل على نفسك بالسؤال، أن تسأل ما تريد من خير الدنيا والآخرة. كذلك كونك تعلق السؤال والدعاء بالمشيئة، كما سمعت، فيه سوء أدب مع الله عز وجل. كأنك تقول: اللهم اغفر لي إن شئت، وإن شئت أن لا تغفر لي فلا تغفر لي، فلست بحاجة إلى مغفرتك. لا شك أن هذا سوء أدب مع الله عز وجل. ولهذا ما ينبغي، ما ينبغي أن تعلق الدعاء بالمشيئة. بعض الناس يرومون يتساهل في تعليق الدعاء بالمشيئة، فتجده في كل دعاء يقول: إن شاء الله، جزاك الله خيرًا إن شاء الله، عفا الله عنك إن شاء الله، جزاك الله مثلًا، تجاوز الله عنك إن شاء الله. هذا خطأ، هذا خطأ، ما ينبغي أن تعلق المشيئة في مثل هذا الموضع. إنما تعلق المشيئة إذا أردت أن تفعل شيئًا في المستقبل، ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله. أردت أن تسافر، تقول: سأسافر غدًا إن شاء الله. سأعمل العمل الفلاني إن شاء الله. في المستقبل، شيء تريد أن تعمله، تعلق بمشيئة الله. ومن الطرائف أن رجلًا قال لامرأته: سأذهب إلى السوق أشتري حمارًا. قالت: قل إن شاء الله. قال: لماذا أقول إن شاء الله؟ الثمن في الجيب والحمار في السوق. خرج الرجل، فمر على بئر، فنظر، فسقطت الدراهم في البئر، نزع ثيابه ليأتي بالدراهم، وجاء السارق وأخذ ثيابه. رجع إلى امرأته، لا ثياب ولا دراهم. دق عليها الباب، قالت: من؟ قال: فلان، إن شاء الله. بعد أن فات الأوان. فالمقصود: تستعمل المشيئة في موضعها. كذلك أيضًا من مسائل الدعاء، أن المسلم إذا دعا ينبغي أن لا يعتدي في دعائه، أن لا يعتدي في دعائه. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «سيكون في هذه الأمة أقوام يعتدون في الدعاء». رواه أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. وجاء عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. ومن الاعتداء في الدعاء، كما ذكر الإمام القرطبي رحمه الله: الصياح ورفع الصوت في الدعاء. الصياح ورفع الصوت في الدعاء، هذا من الاعتداء في الدعاء، الذي ينبغي على المسلم إذا دعا أن يخفض صوته، أن يدعو الله عز وجل بصوت منخفض. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وقال الله عز وجل في زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، إلى آخر الآيات. خفية، دعاء خفي. ولما رفع الصحابة أصواتهم رضي الله عنهم بالدعاء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أص