كتاب المعاملات 25

الدرس في كتاب المعاملات 25، ألقاها

تعريف الإيجارة ومشروعيتها

الإيجارة عقد على منفعة مباحة معلومة مدة معلومة، وتؤخذ الأجرة شيئًا فشيئًا. دليل مشروعيتها من القرآن الكريم.

شروط صحة عقد الإجارة

يشترط في عقد الإجارة أن يكون العاقد جائز التصرف، وأن تكون المنفعة والأجرة معلومتين، وأن تكون المنفعة مباحة وقابلة للاستيفاء ومملوكة للمؤجر.

تحريم الإجارة على المنافع المحرمة وتأكيد أهمية تحديد المدة

تحرم الإجارة على منافع محرمة، ويجب أن تكون المدة معلومة لتجنب النزاع بين المؤجر والمستأجر، ولا يجوز أن تكون مجهولة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد تكلمنا في الدرس الماضي عن الشركة. ومن أنواع الشركة شركة المفاوضة. وهي تجمع جميع هذه الشركات، فيتفق شريك مع آخر، مثلًا، أن يعملا بمالهما وأبدانهما، ويذهبا عند التجار، فيكتسبا منهما أموالًا. فهي جامعة لجميع هذه الشركات. وشركة المفاوضة صحيحة، أنها جائزة. وبعض أهل العلم كرهها أو قال بعدم جوازها، والصحيح أنها جائزة. ويكون الربح على حسب ما يتفقان عليه. وكذلك أيضًا يُشترط في جميع الشركات، كما مر معنا، أن يكون الربح مشاعًا معلومًا، بالثلث، الربع، النصف، على حسب الاتفاق. متى تنفسخ هذه الشركة؟ تنفسخ بموت أحدهما أو جنونه، إذا مات أحدهما أو جن، انفسخت الشركة. قال: «ما لفقه الله الباب الحادي عشر الإيجارة وفيه مسائل». المسألة الأولى: معناها وأدلة مشروعيتها. أولًا: معنى الإيجارة وتعريفها. لغة: مشتقة من الأجر، وهو العوض. ومنه تسمية الثواب أجرًا. وشرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة، تؤخذ شيئًا فشيئًا، مدة معلومة، من عين معلومة، أو موصوفة في الذمة، أو على عمل معلوم، بعوض معلوم. هذا معنى الإيجارة. في اللغة مشتقة من الأجر، وهو العوض الذي يأخذه العامل والمستأجر أو المؤجر، بمقابل ما يعمله المستأجر. ومن تسمية الثواب أجرًا؛ يعني الثواب على الأعمال التي يعملها الإنسان تسمى أجرًا، من هذا المعنى، بمعنى العوض، عوض على عمله الذي عمله. وهكذا الإيجارة؛ لأن المستأجر والمؤجر ينتفع بهذه الإيجارة، ويأخذ عوضًا بمقابل هذا التأجير. وشرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة، تؤخذ شيئًا فشيئًا. عقد على منفعة؛ إذن الإيجارة تكون في المنافع. وقوله: «على منفعة» خرج بذلك البيع؛ لأن البيع يكون العقد على عين معينة. فإذا كان العقد على عين، فهذا بيع. مثلًا، إذا بعت بيتًا، فالعقد يقع على عين هذا البيت. لكن في الإيجارة العقد على المنفعة؛ فمنفعة البيت مثلًا السكنى. إذا عقدت على أن يسكن فيه إنسان، هذا إيجارة؛ لأن البيت ما زال ملكك، هو لك. لكن في الإيجارة مجرد انتفاع، هذا المستأجر ينتفع بهذا البيت في السكنى، أو في محل للبيع والشراء فيه. لكن أصل المحل هو للمالك. أما في البيع فينتقل الملك للمشتري. قال: «عقد على منفعة مباحة معلومة». وقول: «على منفعة مباحة» خرج به المنفعة المحرمة؛ فلا يجوز العقد على منفعة محرمة. وسيأتي في ذكر شروط الإيجارة بيان أنه لا يجوز العقد على شيء محرم في الإيجارة، كغناء، أو الانتفاع مثلًا بزنا، أو نحو ذلك. قال: «على منفعة مباحة معلومة». معلومة خرج بها ما إذا كانت المنفعة مجهولة؛ فهذا ليس بإيجار، وإنما هو جعالة. الجعالة تجوز أن تكون المنفعة مجهولة، كان يقول شخص مثلًا: «من يعمل لي اليوم من الصباح إلى الظهر وله كذا وكذا». طيب ما هو هذا العمل؟ هنا المنفعة مجهولة، هذا يجوز في الجعالة. أما في الإيجارة لا؛ لابد أن تكون المنفعة معلومة. لابد أن تكون المنفعة معلومة، كما قلنا، كاستئجار البيت، أو استئجار سيارة، أو نحو ذلك من المنافع المعلومة. قال: «تؤخذ شيئًا فشيئًا»؛ يعني تدفع الأجرة شيئًا فشيئًا، في خلال أسبوع مثلًا، أو في شهر، أو كل شهر، أو في السنة. مدة معلومة؛ أيضًا تكون الإيجارة مدة معلومة، لمدة شهر، لمدة سنة، لمدة سنتين. ولا تكون المدة مجهولة؛ إلا في الجعالة. وسيأتي معنا ذكر الفروق بين الإيجارة والجعالة بإذن الله، في آخر ما يتعلق بهذا الباب. قال: «من عين معلومة»؛ يعني تكون العقد على المنفعة من عين معلومة، بيت، سيارة، دراجة، ونحو ذلك. أو موصوفة في الذمة؛ يعني يكون الإيجار لشيء موصوف، كخياطة الثوب، أو غسله، أو كذلك أيضًا دبغ جلد، أو نحو ذلك. هذا شيء موصوف في الذمة. يقول مثلًا: «أريدك أن تخيط لي ثوب كذا وكذا صفته كذا»، أو «تطبخ لي مثلًا طعامًا». هذا شيء موصوف في الذمة. أو «على عمل معلوم بعوض معلوم». عمل معلوم؛ يقول مثلًا: «أريدك أن تحفر لي هذه البئر ولك كذا وكذا». هذا يسمى إيجارة. أو «تبني لي هذا البيت أو هذا الجدار بكذا وكذا». هذا إيجارة؛ إذن عقد الإيجارة عقد على المنافع، على منفعة مباحة معلومة، مدة معلومة. ثانيًا: أدلة مشروعيتها. قال: «ودليل مشروعيتها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقوله جل شأنه: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾». فالله عز وجل أجاز للوالدين أو أحدهما أن يستأجر لولده من يرضعه، وأنه إذا قامت المرأة بذلك المرضعة بإرضاع الولد، فإنها تستحق الأجرة. ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. وهكذا الزوجة نفسها إذا قامت بإرضاع ولدها، وقال حصل بينه وبين زوجه شقاق مثلًا وفراق، فالزوج ملزم بنفقة الأم لما تقوم به من إرضاع ولدها. وهكذا أيضًا في قوله جل وعلا: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، في قصة موسى عليه السلام، لما ذهب إلى مدين، ووجد امرأتين، فسقى لهما الماء، ثم دعاه والد المرأتين وأخبره بقصته، فقالت إحداهما: «يا أبت استأجره»، أي أجره واستعمله. «إن خير من استأجرت القوي الأمين»، أي هذا؛ فدُل موسى عليه السلام بأنه قوي في بدنه وفي جسمه، وهو أمين في دينه وأمانته. والشاهد في هذه الآية؛ يعني أنها تدل على جواز الإجارة. وقد جاءت في شريعتنا بتقرير ذلك وإجازة عقد الإجارة. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم «أبا بكر استأجر رجلًا من بني الديل هاديًا خريتًا». والحديث في البخاري؛ لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة من مكة إلى المدينة، وكان بصحبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، استأجر رجلًا من المشركين، قال: «عبد الله بن أريقط»، وكان رجلًا خريتًا؛ يعني يعرف الطريق، عنده خبرة بالطرق وماهر بها. فاستأجر؛ أخذ أجرة بأجرة حتى يدلهم على الطريق. دل هذا على جواز الإجارة؛ بل وجواز كذلك إجارة الكافر الذي يعني يغمن في مثل هذه الأمور. وجاء العيد من لم يوف الأجير أجرته؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة»، وذكر منهم: «رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطيه أجرته». والحديث في مسلم؛ «قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل باع حُرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطيه أجرته». وهذا يدل على أولًا جواز الأجرة؛ الإجارة عقد الإجارة. «رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه» يدل على جواز عقد الإجارة. وقوله: «استأجر أجيرًا فاستوفى منه»؛ يعني العمل، قام هذا الأجير بما قام به المستأجر من العمل الذي وكل به. أو الأجير استأجر أجيرًا؛ نعم، هنا الأجير هو العامل الذي استؤجر لأجل العمل، فقام بهذا العمل، وفاه، فلم يعط أجرًا؛ هذا فيه وعيد شديد لمن منع الناس حقوقهم. ومن ذلك أن يستأجر الإنسان عاملًا، فبعد أن ينتهي العمل لا يعطيه أجره، ويُماطله في أجره؛ هذا لا يجوز. من فعل ذلك، فالله عز وجل خصمه يوم القيامة. وذكر الثالث: «رجل أعطى بي ثم غدر»، يعني عاهد الله جل وعلا ثم غدر في عهده ولم يوف به. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». وحيث رواه ابن ماجة، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»؛ يعني بعد أن ينتهي من العمل، يعطى ما يستحقه من الأجر. وقوله: «قبل أن يجف عرقه»؛ يعني مبالغة في سرعة إعطائه لأجره؛ حتى قبل أن يذهب العرق منه. وهو يتضمن جواز الإيجارة. المسألة الثانية: شروطها. قال: «أولًا: لا تصح إلا من جائز التصرف، بأن يكون عاقلًا بالغًا حُرًا رشيدًا». نعم، هذا كما مر معنا في سائر العقود؛ لا بد في سائر العقود أن يكون العاقد جائز التصرف. وجائز التصرف: من كان عاقلًا بالغًا حُرًا رشيدًا. فخرج بالبالغ أو العاقل المجنون؛ فالمجنون لا يصح أن يعقد عقد إيجارة؛ قد يكون مجنونًا عنده أموال، عنده عمارات، فلا يجوز له أن يعقد عقد إيجار مع غيره؛ لأنه غير جائز التصرف، تصرفه لا يجوز. لا بد أن يكون عاقلًا بالغًا. خرج به الصبي؛ كذلك الصبي لا يصح تصرفه، فلا يصح منه عقد الإيجارة. وكذلك أن يكون حُرًا؛ خرج بذلك العبد؛ لأن العبد لا يملك شيئًا، ولا تصرف له بشيء إلا بإذن سيده. وقوله: «رشيدًا» خرج به ما إذا كان سفيهًا لا يحسن التصرف؛ فإنه لا يحجر ويمنع من التصرف؛ حتى يكون رشيدًا. قال: «ثانيًا: أن تكون المنفعة معلومة؛ لأن المنفعة هي المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالبيع». أن تكون المنفعة معلومة؛ يعني إذا كانت معلومة، مثل سكن البيت، هذه منفعة معلومة. ركوب الدابة، هذه منفعة معلومة. بناء جدار، أو حفر بئر، هذه منافع معلومة. فإذا كانت مجهولة، فلا يصح في عقد الإيجارة أن تكون المنفعة مجهولة. كما ذكرنا: «يقول مثلًا: من يعمل لي وله كذا وكذا». هذه المنفعة مجهولة؛ لا يجوز في عقد الإيجارة. لكن في الجعالة يصح: «من يعمل لي كذا وكذا، وأجعل له كذا وكذا». أو «من يعمل عندي اليوم، وأجعل له كذا وكذا». أو «من وجد يعني الشيء الفلاني الذي ضاع وله كذا وكذا». هذا يصح في الجعالة. أما في الإيجارة لا؛ لابد أن تكون المنفعة معلومة. لماذا؟ لأن الإيجارة هي من أقسام البيوع. كما أن البيع يشترط فيه العلم بالمبيع، كذلك أيضًا الإيجارة لابد أن تكون المنفعة معلومة. قال: «ثالثًا: أن تكون الأجرة معلومة؛ لأنها عوض في عقد معاوضة، فوجب العلم بها كالثمن». أن تكون الأجرة معلومة؛ يعني إذا جاء إنسان يستأجر لشخص مثلًا أن يعمل عنده، فيقول: «اعمل عندي في عمل كذا وكذا، وأعطيك ما في هذا الكيس». أعطيك ما في هذا الكيس؛ الله أعلم ما في هذا الكيس. هذا مجهول؛ هذه أجرة مجهولة غير معلومة. ما يجوز؛ لأن في هذا غرر. والنبي عليه الصلاة والسلام قد ناهى عن الغرر. إذا لا بد أن تكون الأجرة معلومة: «اعمل ولك مثلًا ثلاثة آلاف». هذه معلومة. طيب أما أن تكون مجهولة فلا يصح. قال: «رابعًا: أن تكون المنفعة مباحة؛ فلا تصح الإجارة على الزنا والغناء وبيع آلات له». أن تكون المنفعة مباحة؛ يعني شيء مباح، بناء، حفر، كذلك أيضًا يعني أن يستخدم سيارة مثلًا، أو نحو ذلك من الأشياء المباحة. أما الإجارة على الزنا والغناء وبيع آلات له؛ هذا لا يجوز؛ لأن الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حرم شيئًا حرم ثمنه». «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه». والزنا حرام؛ إذن ثمن ما يؤخذ في مقابل الزنا حرام. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسعود: «مهر البغي خبيث». «البغي عن الزانية» وسمي مهرًا؛ لأنه في مقابل الاستمتاع بها. هذه أجرة تأخذها في مقابل الزنا؛ هذا حرام ما يجوز. أو كذلك الغناء؛ يستأجر من يغني له كما يفعل كثير من الناس هداهم الله؛ إذا كان عندهم زواج استأجروا بعض المغنين حتى يغنوا. هذا لا يجوز؛ هذا منفعة محرمة. والمراد بالغناء: يعني الذي هو محرم، ما كان فيه أحد أمرين: إما أن يكون في هذا الغناء في أصله ما هو محرم، كوصف الخمر ونحو ذلك، فهو حرام. وإن لم يكن فيه آلات له، فإذا اجتمع فيه آلات له كان أشد تحريمًا. والنوع الثاني: أن يكون الكلام مباحًا، لكن اصطحب معه آلات له والطرب؛ فإنه يحرم بسبب ذلك. أما إذا كان الغناء ليس فيه شيء من ذلك، وكان بكلام طيب والكلام المباح، كحداء الإبل، وكذلك أيضًا الأشعار التي يقولها العاملون في عملهم عند البناء وعند الحفر نحو ذلك؛ فهذا مباح. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله وأصحابه عند حفر الخندق: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر الأنصار والمهاجرة». وهكذا أيضًا كانوا يحدون بالإبل؛ يأتي شاعر يأتي بأشعار، فتنشط الإبل في السير. ومنهم أنجشة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أسرعت الإبل: «يا أنجشة رويدك، سوقك بالقوارير»؛ يعني النساء التي على الهوادج التي على ظهور الإبل؛ حتى لا تسقط وتتعور. فمثل هذا جائز ومباح. أما الغناء كما سمعنا المحرم؛ فهذا لا يجوز الإجارة فيه. وكذلك أيضًا بأغاني اللهو أو تأجيرها؛ هذا لا يجوز؛ لأنها منفعة محرمة. منفعة محرمة؛ تأجير المزامير أو الطبول ونحو ذلك؛ هذا محرم لا يجوز. إذا لا بد أن تكون المنفعة مباحة في شيء مباح. قال: «خامسًا: كون المنفعة قابلة للاستيفاء؛ فلا تصح الإجارة لشيء يتعذر استيفاء المنفعة منه، كإجارة أعمال حفظ شيء يحتاج إلى الرؤية». لا بد أن تكون المنفعة قابلة للاستيفاء؛ يعني تستطيع أن تستوفي المنفعة منها. أنت الآن مثلًا تؤجر بيتًا لأجل السكنى؛ السكنى هذه منفعة يمكن استيفاؤها وتحصيلها من البيت. ومن هذا الإجارة؛ هذا جائز. لكن مثلًا تؤجر أعمى في شيء يحتاج إلى رؤية؛ تؤجر مثلًا أعمى من أجل أن يضع في المستودع لحفظ ما في هذا المستودع من المواد والبضائع؛ هذا يحتاج إلى رؤية. الأعمى لا يستطيع أن يقوم بذلك؛ سيدخل ناس ويسرقونه، ولا يجري. فمثل هذا لا يصح؛ أن لا يمكن استيفاء هذه المنفعة بهذا الأعمى. أو كذلك أيضًا تأجير شاة مريضة من أجل اللبن؛ تريد لبنًا، لكن تستأجر شاة مريضة أو ناقة مريضة؛ ما يمكن أن تتحصل على هذا اللبن. إذا هنا لا يمكن استيفاء المنفعة؛ فلا يجوز. أو كذلك أيضًا أن تؤجر عبدًا، وهذا العبد آبق هرب من سيده؛ فلا يمكن استيفاء المنفعة منه. تأجره من أجل أن تنتفع به، وهو هارب؛ قد آبق من سيده. فهذا لا يجوز؛ لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة منه. قال: «سادسًا: أن تكون المنفعة مملوكة؛ أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونًا له فيها؛ لأن الإجارة بيع المنافع، فاشترط ذلك فيها كالبيع». أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذونًا له فيها؛ مملوكة للمؤجر؛ يعني المنفعة ليست العين؛ لأن العين ذاك مملوكة للمؤجر. هنا صارت بيعًا؛ إذا ملك المستأجر المنفعة أو العين؛ صار هذا بيعًا. لكن الإجارة كما سمعنا وعلمنا أنها عبارة عن انتفاع بمنفعة العين. فيقول: لا بد أن تكون هذه المنفعة مملوكة. أن تكون هذه المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذون له فيها. مثلا عبد مملوك؛ إذا أعطى إنسان عبدًا فقال له: «انتفع به، لك منافع هذا العبد». لك منافع هذا العبد؛ العبد هو ملك لصاحبه. لكن ملك شخصًا آخر الانتفاع به. هنا الآن المنفعة مملوكة؛ هل يجوز لهذا الذي ملك هذه المنفعة أن يؤجرها لغيره؟ الجواب: نعم يجوز. فيقول مثلًا لشخص آخر: «وأجرك هذا العبد تنتفع به»؛ لأن هنا الآن ملك المنفعة. مثال آخر: سيارة أعطاك شخص سيارة، قال لك: «هذه السيارة انتفع بها». هي لا تزال ملك صاحبها. لكن المالك ملكك الانتفاع بها. فهل لك أن تؤجرها؟ الجواب: نعم؛ لأنك ملكت المنفعة. أو نقول: «أذن لك فيها»، أو «مأذون له فيها». كذلك إذا كان مأذونًا له فيها؛ يعني في تصرف المنفعة؛ جاز له أن يؤجرها. وقوله: «مأذون له فيها»؛ قل بذلك الوكيل والوصي وناظر الوقف، وأيضًا الولي. هؤلاء كلهم لهم التصرف بتأجير المنفعة. كان وكلك إنسان مثلًا في بيت، قال: «يا فلان أنت وكيلي في هذا البيت، انظر ما هو الأصلح في الانتفاع به». فهنا مثلًا تؤجره؛ لأنك الآن قائم مقام المالك، وأذن لك بتصرف. وكذا غيره أيضًا ممن له إذن بذلك؛ فيجوز له أن يؤجر المنفعة ما أذن له فيه. قال: «أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذون له فيها؛ لأن الإجارة بيع المنافع، ليس بيع العيان». الإجارة بيع المنافع؛ أنت تبيع منفعة هذه العين. منفعة البيت مثلًا السكنى. منفعة الدكان استخدام، استخدامه في حفظ البضائع، في البيع والشراء، إلى آخره. فاشترط ذلك فيها كالبيع؛ كما أن البيع لا يصح إلا من مالكه أو مأذون له فيه، كذلك أيضًا الإيجار لا بد فيه من مالك لمنفعة هذه العين، أو مأذون له فيها. قال: «سابعًا: أن تكون المدة معلومة؛ فلا تجوز الإجارة لمدى مجهولة؛ لأنها تؤدي إلى التنازع». أن تكون المدة معلومة؛ يعني يؤجر منفعة هذه العين لمدة شهر، سنة، سنتين. لا بد أن تكون مدة معلومة؛ حتى لا يقع النزاع بين المؤجر والمستأجر، فيقع الخصام. فإذا كانت مجهولة فلا يجوز. مثل ماذا المجهولة؟ مثلًا يقول: «أجر لي هذا البعير حتى أبحث عن ضالتي التي ضعت». طيب متى يجدها؟ الله أعلم؛ هذا مجهول. هذه مدة مجهولة؛ ما يجوز. أو يقول مثلًا: «استأجر هذا البيت حتى يأتي فلان من السفر». والله على متى يأتي؛ هذه مدة مجهولة؛ ما يجوز. لا بد أن تكون المدة معلومة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على