الدرس في كتاب المعاملات 41، ألقاها
الوقف هو حبس عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها تقربًا إلى الله تعالى، وهو من الأعمال المستحبة لأنه من الصدقات الجارية. الوقف يستمر نفعها بعد موت الإنسان.
للوقف أحكام وشروط، منها أن يكون الواقف جائز التصرف، وأن يكون الوقف مما ينتفع به مع بقاء عينه، وأن يعين الوقف على بر ومعروف. يجب أن يكون الوقف على طاعة أو أمر مباح.
عقد الوقف يعتبر لازمًا ولا يجوز للواقف الرجوع فيه أو فسخه بعد إتمامه. إذا تعطل الوقف ولم يعد له منفعة، يباع ويصرف ثمنه في ما هو مثله أو في مصلحة أخرى.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والنبيِّنا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف فقه الله: الباب الثاني والعشرون: الوقف، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: معناه وحكمه. أولًا: معناه: الوقف حبس عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها تقربًا إلى الله تعالى، فهو حبس الأصل وتسبيل الثمرة. هذا معنى الوقف: حبس عين يمكن الانتفاع بها، أي انتفاع بهذه العين، حبسها، أي معنى إبقاءها بعدم التصرف فيها، لا ببيع ولا بهبة ولا بإرث ولا بغير ذلك، مع بقائها، أي بقاء هذه العين حتى يستمر نفعها، يفعل ذلك تقربًا إلى الله تعالى، يريد الأجر والثواب من الله عز وجل. قال: فهو حبس الأصل وتسبيل الثمرة، مثل حبس بيت، أوقف إنسان بيتًا، فالبيت هذا عين باقية محبوسة، لا يتصرف فيها بشيء، لا ببيع ولا بهبة ولا بغير ذلك، ونفعها مستمر، مثلًا هذا البيت وقف طلبة العلم، كل من جاء من طلبة العلم سكن فيه، أو هذا البيت وقف للمساكين، كل من كان من المساكين فهو أحق به أو يسكن فيه. أو كذلك أوقف نخلا، فثمرته مثلًا لطلبة العلم أو للمساكين، وقس على ذلك. قال: مثاله أن يوقف دارًا ويؤجرها ويصرف الأجرة على المحتاجين أو المساجد أو طباعة الكتب الدينية أو نحو ذلك، هذا معنى الوقف. أوقف دارًا، هذا هو العين، أوقفها وجعلها وقفًا، ثم أجرها وجعل ما يجده من الأجرة يصرف على المحتاجين أو يصرف على طلبة العلم أو يصرف على المساجد أو يصرف في طباعة الكتب أو نحو ذلك من الأمور التي يشترطها الواقف. أو أوقف سيارة مثلًا، قال: هذه السيارة وقف، وقف لطلبة العلم، تأخذهم حيث أرادوا، هذا وقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فأصلها محبوس، هذه السيارة لا تصرف فيها ببيع ولا بهبة ولا بإرث ولا بغير ذلك من التصرفات، ونفعها مستمر. ثانيًا: حكمه وأدلته، قالوا: هو من الأعمال المستحبة، والأصل فيه من الأعمال المستحبة؛ لأنه من الصدقات، لكن من أفضل الصدقات التي يستمر نفعها. قال: والأصل فيه ما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه أصاب أرضًا بخيبر، أي لما فتحت خيبر وكانت يعني كثيرة الأراضي والزروع والثمار، فقال: يا رسول الله، أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني؟ أي كيف أفعل بهذه الأرض وكيف أتصرف فيها؟ وهي من أنفس الأموال التي وجدتها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، وهذا هو معنى الوقف. قال: «إن شئت حبست أصلها»، يعني أوقفته ومنعت من التصرف فيه، «وتصدقت بها»، يعني بهذه الأرض بنفعها بالانتفاع بها، قال: غير أنه لا يباع أصلها، يعني الأرض نفسها ما تباع إذا أوقفتها، أو العين التي توقفها، فإنه لا يجوز بيعها، على أن غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، يعني ما يجوز التصرف فيه بعد أن توقفه، ولا كذلك أيضًا يورث من بعدك إذا مت، فالوقف باق على ما هو عليه، ما يأتي الورثة ويقولون: هذه أرض أبينا ونحن نرثها، لا، الوقف ما يورث، الوقف لا يورث. والمعنى أن الوقف إذا أوقف الإنسان شيئًا خرج من ملكه، خرج من ملكه، لا يصير مالكًا له؛ لأنه أوقفه لله. قال: والحديث في الصحيحين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، والحديث في صحيح الإمام مسلم. قال: فالمقصود بالصدقة الجارية الوقف، يعني في قوله: «صدقة جارية»، الصدقة الجارية الوقف، جارية يعني جاري نفعها، التي يجري نفعها هي الوقف. أما الصدقة العادية تذهب، تصدقت بمال، تصدقت بطعام، فإنه يذهب، يأخذه صاحبه وانتهى، لكن الصدقة الجارية هي الوقف، الصدقته ونفعه جاري مستمر في حال حياتك وبعد موتك، ونفعها مستمر، لهذا هي أفضل، هي أفضل الصدقات لاستمرار نفعها بعد موت الإنسان. قال: فدل الحديث على استحباب الوقف، والأصل فيه كما سمعنا حديث عمر رضي الله تعالى عنه. المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة به. قال: ويتعلق بالوقف الأحكام الآتية: أولًا: أن يكون الواقف جائز التصرف، عاقلًا بالغًا حُرًّا رشيدًا، يعني من أراد أن يوقف شيئًا لابد أن يكون ممن يجوز تصرفه، بأن يكون عاقلًا، فإن كان مجنونًا، فإن كان مجنونًا جاء مجنون يريد أن يوقف سيارة، هل يصح هذا منه؟ لا، ما يصح؛ لأن تصرفاته لا تصح ولا تقبل. وأن يكون بالغًا، فإن كان صبيًا كذلك لا يصح وقفه. وأن يكون حرًا، فإن كان عبدًا لم يصح وقفه؛ لأن العبد لا يملك شيئًا، ما يملكه، فكيف يوقف شيئًا؟ وأن يكون رشيدًا، قد يكون عاقلًا وبالغًا وحُرًّا لكنه ليس برشيد، إنسان سفيه ما عنده حسن في التصرف في الأموال، فهذا كذلك لا يصح وقفه. ثانيًا: كون الوقف مما ينتفع به انتفاعًا دائمًا مع بقاء عينه، وأن يعينه. أن يكون الوقف مما ينتفع به انتفاعًا دائمًا مع بقاء عينه، يعني انتفاعه مستمر، أن يكون انتفاعه مستمر، يبقى الانتفاع بهذه العين مستمر، لا يذهب وينتهي، إذا كان يذهب وينتهي، قال أهل العلم: هذا ليس بصحيح وقفه، مثل طعام، ما يصح وقف الطعام، يوقف مثلًا رز، هذا سينتهي ويفنى. لكن يوقف شيء يبقى نفعه: بيت، سيارة، عقار، أراضي، أوقف مزارع ونحو ذلك مما يبقى نفعه مستمرًا، فإن كان يتلف بالاستعمال، إن كان يتلف باستعماله، فهذا كما يعني ذكر المؤلف أنه لا يصح وقفه، هنا قول آخر: أنه يجوز إيقاف ما ينتفع به مع تلفه، يجوز إيقاف ما ينتفع به مع تلفه، مثلًا التمر، التمر يتلف، يعني يأكله الإنسان وينتهي، هل يجوز أن يوقفه؟ يأتي الإنسان بالتمر يقول: هذا وقف للصائمين أو هذا وقف طلبة العلم، هل هذا يصح؟ الصحيح أنه يصح، الصحيح أنه يصح وإن كان يتلف، لكن هو مما ينتفع به. أو أوقف مثلًا أقلامًا، قال: هذه الأقلام وقف طلبة العلم، القلم ينتفع به يعني فترة طويلة، لكن يفنى، ينتهي ما فيه من الحبر وينتهي، هل يجوز وقفه؟ الجواب: نعم، يجوز، يجوز أن يوقف، وهكذا أيضًا الدراهم والأموال تفنى، ويجوز إيقافها على الصحيح. قال: وأن يعينه، يعني يعين الوقف، إذا كان عنده أرضان، فما يصح أن يقول: إحدى أرضي وقف، لا بد أن يعينها، يقول: هذه الأرض، أو عنده بيتان، فلا يقول: إحدى بيتي وقف، يقول: هذا البيت، يعينه، وإن كان له أوصاف تميزه عن الآخر يذكرها، لابد من تعيين الوقف: هذا البيت أو هذه الأرض أو هذه الأشجار أو هذه السيارة، إذا كان عنده سيارتان، ونحو ذلك. ثالثًا: أن يكون الوقف على بر ومعروف، كالمساجد والمساكين وكتب العلم ونحو ذلك؛ لأنه قربة إلى الله تعالى، فيحرم الوقف على معابد الكفار أو لشراء محرم. يقول: أن يكون الوقف على بر ومعروف، لابد أن يكون الوقف على شيء من أمور البر، يعني أمور الطاعة، في طاعة، وكذلك في أمر مباح، لا يشطط أن يكون يعني في أمر طاعة، ولو كان أمرًا مباحًا، ولو كان أمرًا مباحًا لا بأس، مثلًا الدف، مثلًا في استعمال النساء للدف في الأعراس، هذا مباح، بل قد يقال: أنه سنة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، فيجوز إيقافه، يعني يوقف مثلًا إنسان دفوفًا تستعملها النساء في الأعراس، لا بأس. فالمهم أن يكون الوقف على طاعة وبر، أو في أمر مباح، يوقف يوقف وقفًا لطلبة العلم، للمساجد، للمساكين، للفقراء، ونحو ذلك. أما أن يوقف وقفًا للمغنين، يقول: هذا الوقف لسهرات الغناء في الأعراس مثلًا، هذا لا يجوز، هذه معصية. أو هذا الوقف للزيارات الفلانية للقبور، هذا لا يجوز؛ لأن هذا من الإعانة على فعل الشرك وسائله وطرقه، وهذا الوقف للقبور الفلانية أو للقبر الفلاني أو للمولد الفلاني، هذا لا يجوز، لابد أن يكون الوقف في طاعة، لا في معصية ولا بدعة. قال: كالمساجد والمساكين وكتب العلم ونحو ذلك، يعني من الطاعات والقربات؛ لأنه قربة إلى الله؛ لأن الوقف عبادة وقربة، فما يكون في معصية أو في بدعة أو في أمر منكر. قال: فيحرم الوقف على معابد الكفار أو لشراء محرم، يحرم الوقف على معابد الكفار، ما يأتي إنسان يقول: هذا وقف للكنيسة الفلانية من كنائس النصارى، هذا لا يجوز؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، أو لشراء محرم، أو لشراء محرم كآلات له أو خمر أو شيء من هذه الأشياء المحرمة. رابعًا: إذا تعطلت منافع الوقف ولم يمكن الانتفاع به، ويصرف ثمنه في مثله، فإن كان مسجدًا صُرف ثمنه في مسجد آخر، أو كان دارًا بيعت واشتري بثمنها دارًا أخرى؛ لأن ذلك أقرب إلى مقصود الواقف. إذا تعطلت منافع الوقف ولم يمكن الانتفاع به، فيباع مثلًا، أوقف إنسان مراوح أرضية في المسجد، فاستغنى أهل المسجد عن هذه المراوح، استغنوا عن هذه المراوح مثلًا جئ لهم بمكيفات، فلم يحتاج لهذه المراوح، أصبحت المراوح يعني لا ينتفع بها ولا تستعمل، إذا تعطل هذا الوقف تعطل هذا الوقف، إما أن يعني تنقل هذه المراوح إلى مسجد آخر يحتاج لها، وهذا يجعل هذا الوقف مستمرًا، مستمرًا نفعه. فإن لم يحتاج له مسجد آخر، يباع، تباع هذه المراوح وينفق مالها في شيء آخر يحتاج له المسجد، يوضع مالها في شيء آخر يحتاج له المسجد، والأفضل أنه يصرف في مثله، يصرف في مثله، يعني في شراء مراوح مثلًا يحتاج لها مسجد آخر، لكن إذا لم يكن واستغنت المساجد كلها ولا تحتاج له مثل هذه المراوح، فإنه يباع ويصرف ثمنه في شيء آخر ينتفع منه المسجد. وهكذا إذا كانت دار، وهذه الدار كانت وقفًا، ثم لم يحتاج لها، أصبحت معطلة، فتباع، تباع ويشترى بها دار أخرى ينتفع بها حتى يستمر نفعها وأجرها لصاحبها، وهكذا كذلك على ذلك. خامسًا: الوقف عقد لازم، يثبت بمجرد القول، ولا يجوز فسخه ولا بيعه. يقول: الوقف عقد لازم؛ لأن العقود على ثلاثة أنواع، منها ما هو عقد لازم للطرفين، عقد لازم للطرفين لا يجوز لأحدهما فسخه، كعقد البيع، كعقد البيع مثلًا، وعقد النكاح، لا يجوز فسخه إلا لموجب. ومن العقود ما هو عقد جائز، يجوز لكل الطرفين أن يفسخه، وذلك كعقد الوكالة وعقد الجعالة. ومن العقود ما هو لازم من جهة وجائز من جهة أخرى، كالرهن، فالرهن عقد لازم من جهة الراهن، وعقد جائز من جهة المرتهن. إذا العقود على هذه الحالات الثلاث، فعقد الوقف عقد لازم، إذا وقع وجب، ولزم، فلا يجوز للواقف أن يرجع في وقفه وأن يفسخ هذا الوقف. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.