الدرس في كتاب النكاح والطلاق 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية، ويشرح عدد الطلقات التي يملكها الحر والعبد، ويوضح صحة الاستثناء في الطلاق وتعليقه بالصفة والشرط. كما يبين أن الطلاق لا يقع قبل النكاح، وأنه لا يصح طلاق الصبي والمجنون والنائم والمكره.
يشرح هذا الفصل شروط الرجعة للمطلقة رجعيا، وهي أربعة شروط: أن يكون الطلاق دون الثلاث، وأن يكون بعد الدخول بها، وأن لا يكون الطلاق بعوض، وأن تكون قبل انقضاء العدة. كما يوضح الفرق بين البينونة الصغرى والكبرى.
يناقش هذا الفصل إجراءات إرجاع الزوجة بعد الطلاق، ويوضح أنه لا يشترط رضاها، ويمكن إرجاعها بالقول أو الجماع بنية الإرجاع. كما يشرح شروط تحليل المرأة لزوجها الأول بعد طلاقها منه ثلاثًا، وهي زواجها من زوج آخر وطءه لها ثم طلاقها منه وانقضاء عدتها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال القاضي أبو الشجاع الأصفاني رحمه الله في كتاب مثل الغاية والتقريب: فصل، ويملك الحر ثلاث تطليقات، والعبد تطليقتين، ويصح الاستثناء في الطلاق إذا وصله به، ويصح تعليقه بالصفة والشرط، ولا يقع الطلاق قبل النكاح، وأربع لا يقع طلاقهم: الصبي والمجنون والنائم والمكره. يقول رحمه الله: يملك الحر ثلاث تطليقات؛ الحر له ثلاث تطليقات إذا أراد أن يطلق زوجته، فإنه يملك من عدد الطلاق ثلاثا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ثم قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. نعم، فدل ذلك على أن الحر لا يملك من الطلاق إلا ثلاثا، فإذا طلق الطلقة الثالثة انتهى ما يملكه من عدد الطلاق، فحينئذ لا يستطيع إرجاع المرأة؛ لأنه تصبح بائنة منه، بل كما شاءت أن تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره، فينتهي عدد ما معه من الطلاق. قال: والعبد تطليقتين؛ العبد يملك من الطلاق تطليقتين. واستدل أهل العلم بما جاء عند الترمذي والشافعي أن عمر رضي الله عنه قال: ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين. وهذا الأثر صحيح، أثبته الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء. وجاء في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طلاق العبد اثنتان»، لكن هذا لا يصح؛ رواه الدارقطني، وهو ضعيف؛ فيه مظاهر بن أسلم ضعيف، وفيه صفوان بن سنان وهو ضعيف. فاستدل أهل العلم بأثر عمر رضي الله عنه على أن العبد يطلق تطليقتين؛ لأن العبد في سائر الأحكام وفي أكثرها على النصف من الحر، فكان مقتضى القياس في ذلك أن يكون على النصف كذلك من الحر في مسألة الطلاق. لكن لكون الطلاق لا يمكن أن ينصف، جعل له من الطلاق اثنتان. قال: ويصح الاستثناء في الطلاق إذا وصله به؛ إذا استثنى في الطلاق، قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين، فهل يصح هذا وتقع طلقة واحدة؟ يقول: ويصح الاستثناء في الطلاق إذا وصله به؛ يعني إذا كان الكلام متصل، إذا كان الكلام متصل، فقال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين، يقول: يصح الطلاق وتحسب واحدة؛ لأن الكلام هنا متصل. هذا يسمى متصلا حقيقة، وقد يكون متصلا حكما، كأن يقول: أنت طالق ثلاثا، ثم يعطس، ثم يقول: إلا اثنتين، فهذا له حكم الاتصال. وأما إن فصل بين إيقاع الطلاق وبين الاستثناء، فهنا لا يصح؛ لو قال: أنت طالق ثلاثا، ثم بعد ساعة أو ساعتين قال: إلا اثنتين، هنا لا يصح الاستثناء وتقع ثلاث. على القول بإيقاع الثلاث. وقد استدل بعض أهل العلم بحديث: «من أعتق أو طلق واستثنى فله ثنياه»، يعني له استثناؤه. وهذا الحديث رواه الدارقطني، وفيه عمر بن إبراهيم من خالد، قال الدارقطني: فيه كذاب خبيث، كذاب خبيث، فالحديث لا يصح. لكن استدل أهل العلم بأن الاستثناء مما هو مستعمل في اللغة العربية، وقد ورد في القرآن وفي السنة وفي كلام العرب. وعلى ذلك، فإذا استثنى في طلاقه، فإنه يصح إذا كان متصلا حقيقة أو حكما. قال: ويصح تعليقه بالصفة والشرط؛ الطلاق قد يكون طلاقا مطلقا غير مقيد، فيقول مثلا: أنت طالق، أو أنت مطلقة، هذا طلاق مطلق، إذا أوقعه وقع الطلاق. وقد يكون معلقا؛ قد يكون معلقا بصفة أو شرط. في الصفة كأن يقول مثلا: أنت طالق في شهر كذا وكذا، أو في أول الشهر الفلاني، أو في آخر الشهر الفلاني، أو نحو ذلك. أو كذلك أن يكون معلقا بشرط؛ يعني بحرف من حروف الشرط، الشرط اللغوي، كأين الشرطية، وهي أم الباب في هذا الباب، وغيرها من أدوات الشرط. فيقول مثلا: أنت طالق إن فعلت كذا وكذا، إن دخلت الدار، أو إن خرجت من الدار، إن خرجت من الدار، أو إن كلمت فلانا أو فلانا، أو غير ذلك من أنواع وأمثلة تعليق طلاق بالشرط. فهنا يقول: يصح تعليقه بالصفة والشرط؛ إذا علقه بذلك، قال: أنت طالق مثلا في شهر رجب، إذا دخل شهر رجب فأنت طالق، فتطلق إذا دخل شهر رجب، وقع عليها الطلاق. أو كذلك إذا علقه بالشرط: أنت طالق إن فعلت كذا، ففعلت، وقصد بذلك الطلاق، فإنه يقع عليها الطلاق. وهذا قول عامة أهل العلم. قال: ولا يقع الطلاق قبل النكاح؛ إذا قال رجل لامرأة: أنت طالق، وهي لم تزوجه بعد، أو قال: إن تزوجتك فأنت طالق، أو أنت مطلقة، أو نحو ذلك من عبارات الطلاق قبل حصول النكاح، فإن الطلاق لا يقع؛ لأنه وقع في غير محله. وأيضا هو لا يملك الطلاق أصلا؛ لا يملك طلاق هذه المرأة إلا بعد أن يتزوجها. ويدل على ذلك ما جاء في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك». والحديث صحيح، صححه الألباني رحمه الله في الإرواء. فقوله: «ولا طلاق له فيما لا يملك»، متى يملك الطلاق؟ إذا كان زوجا، إذا قبل الزواج وقبل النكاح لا يملك الطلاق، فلو أوقعه أوقعه في غير محله، وأوقعه ولا يملكه، فلا يصح إذن. وهكذا أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن مخرمة: «لا طلاق قبل نكاح»، أو كما عند ابن ماجه، وهو أيضا صحيح، وصححه الألباني رحمه الله في الإرواء. فهذه الأحاديث تدل على أنه لا يقع الطلاق قبل النكاح. قالوا: أربع لا يقع طلاقهم: الصبي والمجنون والنائم والمكره. يقول: الصبي لا يقع طلاقه، وهكذا المجنون والنائم. واستدلوا بحديث ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». طيب، بالنسبة للصبي، إن كان غير مميز، فنعم لا يقع طلاقه. وأما المميز، فالجمهور أن طلاق المميز لا يقع. ومنهم الشافعي وأحمد. وذهب الإمام أحمد في رواية إلى أنه يقع. ذهب الإمام أحمد في رواية إلى أنه يقع؛ لأن نكاحه صحيح، وكما صح نكاحه فإنه يصح طلاقه. وأما المجنون والنائم، فكما ذكر رحمه الله أنه لا يقع؛ لأنه يتكلم بهذا اللفظ رغما عن الطلاق، ولا يقصده ولا يعرف معناه، فلا يؤاخذ بذلك. وقوله: المكره، فكذلك المكره لا يقع طلاقه؛ لعموم الأدلة في رفع المؤاخذة بالإكراه. قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. وهكذا أيضا حديث ابن عباس، وفيه: «الخطأ هو النسيان، وما استكره عليه». وجاء كذلك في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا طلاق ولا عتاق، في غلاق». «لا طلاق ولا عتاق في غلاق». والغلاق فسر بالغضب، وفسر بالإكراه. وجاء في لفظ عند ابن ماجه: «ولا طلاق في إغلاق». وفسر بالإكراه. والحديث حسن، حسنه الشيخ الألباني رحمه الله. فالمكره كذلك على الصحيح كما سمعنا، لا يقع طلاقه؛ إذا أكره الإنسان، هدد بالقتل، أو بالضرب، أو بالحبس، أو إن لم يطلق فطلق مكرها، فطلاقه لا يقع. طلاقه لا يقع إلا إذا كان الإكراه بحق؛ إذا كان الإكراه بغير حق. أما إذا كان الإكراه بحق، فإنه يقع، مثل إذا أبى أن يطلق في الإيلاء كما سيأتي معنا، إذا مضت المدة الأربعة أشهر، وهنا يؤمر بالرجوع إلى زوجته، فيفي، وإلا طلق، فإن أبى أن يرجع إلى زوجته، وأبى أن يطلق، أكرهه الحاكم على الطلاق، وهذا يكون إكراها بحق، فيقع هذا الطلاق. طيب، القول بعدم وقوع طلاق المكره إذا كان بغير حق قول الجمهور. وخالف أبو حنيفة؛ خالف أبو حنيفة، فقال: يقع. والصواب قول الجمهور. قال رحمه الله: فصل، وإذا طلق امرأته واحدة أو اثنتين، فله مراجعتها ما لم تنقض عدتها، فإن انقضت عدتها حل له نكاحها. فإذا انقضت عدتها حل له نكاحها بعقد جديد، وتكون معه على ما بقي من الطلاق. فإن طلقها ثلاثا لم تحله إلا بعد وجود خمس شرائط: انقضاء عدتها منه، وتزويجها بغيره، ودخوله بها، وإصابتها، وبينونتها منه، وانقضاء عدتها منه. هنا ذكر رحمه الله ما يتعلق بطلاق الرجعي، ومتى يملك الرجل إرجاع زوجته التي طلقها. يقول: إذا طلق امرأته واحدة أو اثنتين، هناك في نسخة: «وشروط الرجعة أربعة». عندكم في النسخة التي معكم، مع نسخة أخرى عنده هذه العبارة: «وشروط الرجعة أربعة: أن يكون الطلاق دون الثلاث، وأن يكون بعد الدخول بها، وأن لا يكون الطلاق بعوض، وأن تكون قبل انقضاء العدة». أشياء إلى هذا أشار كتاب الإقناع في حل ألفاظ ابن الشجاع. طيب، هي مذكورة في هذا الكلام في قوله: «ويطلق امرأته» إلى آخره، يعني فيها إشارة إلى بعض هذه الشروط. موجود قبل قوله: «وإذا طلق امرأته»، أو بعد. مشروط رجعة أربعة، يعني قبل قوله: «وإذا طلق امرأته». طيب، إذن نبدأ بها أولا. أولا، الرجعة، الرجعة في اللغة: المرة من الرجوع، المرة من الرجوع. وشرعا: هو رد المرأة إلى النكاح، رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة على وجه مخصوص. قال: وشروط الرجعة أربعة، يعني إذا أراد المطلق أن يرجع امرأته المطلقة، لا بد من توفر هذه الأربعة الشروط. قال: أي أولا: أن يكون الطلاق دون الثلاث، يعني أن يكون طلق طلقة واحدة، أو طلقتين. أن يكون طلق واحدة، طلقة واحدة، هذا يسمى طلاقا رجعيا. أو يكون طلق وراجعها، ثم طلق مرة أخرى، فتكون هذه طلقة ثانية، وهي كذلك يسمى طلاقا رجعيا. فإذا طلق الثالثة، يسمى هذا طلاقا بائنا، يسمى طلاقا بائنا؛ إذا لا بد هنا إذا أراد أن يرجعها أن يكون الطلاق دون الثلاث، حتى يكون الطلاق رجعيا. قال: وأن يكون بعد الدخول بها؛ أن يكون بعد أن دخل بها. لماذا؟ لأنه إن كان قبل الدخول، فإنه لا يملك إرجاعها؛ لأن المرأة إذا طلقت قبل الدخول، فلا عدة عليها، لمجرد أن تطلق، لها أن تتزوج بغيره؛ لقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. فليس عليها عدة، وحينئذ لها الزواج مباشرة، فلا يملك المطلق إرجاعها. قال: وأن لا يكون الطلاق بعوض؛ هذا الشرط الثالث: أن لا يكون الطلاق بعوض؛ لأنه إن كان بعوض، فهو خلع، وإذا كان خلعا، فإنه لا يملك إرجاعها؛ لأن الخلع فسخ، كما مر معنا. فإذا ردت المرأة للزوج ما له من المهر، أو افتدت له بعوض، ولو كان أكثر من ذلك، فإن حينئذ ينفسخ نكاحها، ولا يملك الرجل إرجاعها. قال: في الشرط الرابع: وأن تكون قبل انقضاء العدة؛ أن يكون الإرجاع قبل انقضاء العدة. فمثلا طلق امرأته طلقة، هذه طلقة رجعية، يملك إرجاعها، لكن تركها، فحاضت الحيضة الأولى، ثم طهرت، ثم حاضت الحيضة الثانية، ثم طهرت، ثم حاضت الحيضة الثالثة، ثم طهرت، ثم أراد إرجاعها بعد ذلك، هنا لا يملك إرجاعها؛ انتهت العدة، انتهت عدتها. لا بد أن يكون الإرجاع في العدة، لو أنه راجعها وهي في الحيضة الثالثة، صح ذلك، صح إرجاعها؛ لأنها ما زالت في العدة. أما بعد انقضاء العدة، أصبحت قد بانت منه بينونة صغرى، وحينئذ لا يمكن أن يرجعها إلا بعقد جديد ومهر جديد. إذن، لا بد من هذه الشروط الأربعة حتى تصح الرجعة: أن يكون الطلاق دون الثلاث، وأن يكون بعد الدخول بها، وأن لا يكون الطلاق بعوض، وأن تكون قبل انقضاء العدة. طيب، فأما كان بعد انقضاء العدة، فكما سمعنا هذه بينونة صغرى. وهناك بينونة كبرى، وهو إذا طلقها ثلاثا، إذا أكمل عدد الطلاق، فتبين منه بينونة كبرى، لا تحل له إلا بعد أن تتزوج بغيره. لكن البينونة الصغرى: أن يطلق طلاقا رجعيا، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منه بينونة صغرى، يحل له إرجاعها بعقد ومهر جديد، بعقد ومهر جديد. هذا تسمى بينونة صغرى. قال: وإذا طلق امرأته واحدة أو اثنتين -قوله: واحدة أو اثنتين، أي بعد الدخول كما ذكر في الشرط- فله مراجعتها؛ يعني له أن يراجعها ما دام أن الطلاق رجعيا، فهو يملك مراجعتها. وهل يشترط أن يخبرها أو يخبر وليها؟ الجواب: لا، ما يشترط؛ حتى لو لم تعلم بهذا، فإنها ترجع؛ حتى لو كانت غير راضية؛ لو طلقها وحزنت بسبب ذلك، وقالت: أنا ما أريده ولا أرغب فيه، ثم راجعها وهي غير راضية، صحة إرجاعها، ورجعت إلى عقده، فلا يشترط في الإرجاع رضا المرأة، لا يشترط في إرجاعها رضا المرأة، ولا رضا وليها؛ لأن الأمر إلى الزوج. قال: فله مراجعتها، كيف يراجعها؟ يراجعها إما بالقول: يقول: راجعتك، أو أمسكتك، أو رددتك. طيب، هذا في القول، يعني عند جمهور أهل العلم. وإما أن يراجعها بالجماع: يجامعها بنية الإرجاع، فترجع. وهذا قول الإمام مالك، وجماعة من أهل العلم، نعم، وخلافا للإمام الشافعي؛ فإن الإمام الشافعي رحمه الله لا يرى الإرجاع بالجماع، وإنما يرى أن الإرجاع بالقول فقط. قال: فله مراجعتها ما لم تنقض عدتها؛ ما لم تنقض عدتها، يعني ما دامت أنها في العدة، فله أن يراجعها. فإن انقضت عدتها، فلا يملك حينئذ إرجاعها؛ لو كانت حاملا مثلا، فطلقها، فمكثت شهرا، فوضعت حملها، انتهت عدتها، وحينئذ لا يملك إرجاعها؛ لا بد أن يكون الإرجاع في العدة كما سمعنا. قال: فإن انقضت عدتها -سوى كان بوضع الحمل، أو بانتهاء الحيض، كانت ممن تحيض، أو بانتهاء الأشهر الثلاث، كانت ممن لا تحيض- قال: حل له نكاحها بعقد جديد؛ يعني يصبح كغيره من الأزواج؛ لأنه لا يملك حينئذ إرجاعها، انتهت عدتها، وانتهت العلاقة الزوجية التي بينه وبينها. فإذا أراد أن يرجعها، فإنه يتقدم إلى خطبتها، ويعطيها مهرا، ويعقد عليها عقدا جديدا. قال: حل له نكاحها بعقد جديد، ويكون ذلك بشروط النكاح التي قد مرت وبينت. قال: وتكون معه على ما بقي من الطلاق؛ تكون معه على ما بقي من الطلاق، يعني لو طلقها مثلا طلقة، وانتهت عدتها، ثم تزوجها من جديد، فترجع إليه، ويبقى له من الطلاق ماذا؟ اثنتان؛ يبقى له من الطلاق اثنتان. ولو طلقها طلقتين، ثم انتهت عدتها، وتزوجها، تبقى له طلقة. وهذا مستدل به بما صح عن عمر رضي الله عنه، أنه سئل عن ذلك، عن من طلق امرأته طلقتين، وانقضت عدتها، فتزوجت غيره، وفارقها، فتزوجها الأول، قال: «هي عنده بما بقي من الطلاق». هذا الأثر رواه الإمام مالك والبيهقي، ووافقه جماعة من الصحابة، ولم يخالف أحد. فحينئذ ترجع على ما بقي من الطلاق. قال: فإن طلقها ثلاثا لم تحله إلا بعد وجود خمس شرائط؛ يعني إذا أكمل ما معه من الطلاق، طلق الأولى، ثم راجع، ثم طلق الثانية، ثم راجع، ثم طلق الثالثة. قال: هنا لم تحل له إلا بعد وجود خمس شرائط. قال: انقضاء عدتها منه؛ الأمر الأول: أن تنقضي عدتها منه، من الزوج الأول، يعني مثلا لو كانت من ذوات الحيض، حتى تكمل الثلاث الحيض، وتنتهي من الحيض الثالث، وتطهر وتغتسل، وحينئذ هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: وتزويجها بغيره؛ تزوج غيره؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. ويكون هذا الزواج زواج رغبة، لا زواج تحليل؛ ما يكون المقصود من ذلك أنها تحل لزوجها الأول، فإن هذا لا يحلها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله المحلل والمحلل له». المحلل الذي يأتي يتزوج هذه المرأة ليحلها لزوجها الأول، ما عنده رغبة فيها، ولا يريد الزواج، لكن يكون هناك اتفاق من جهة الزوج الأول مثلا مع هذا الزوج الثاني، أو من جهة المرأة مع هذا الزوج، أو وليها حتى يتزوج بها، ثم يطلقها، وتحل للزوج الأول، هذا لا يجوز. لكن يكون الزواج زواج رغبة، ثم سواء بقيت عنده أو طلقها بعد ذلك، فهنا تحل لزوجها الأول. والمراد بالنكاح هنا الوطء؛ لهذا قال: ودخوله بها، وإصابتها؛ يعني يشترط كذلك أن يحصل الدخول والوطء، ليس مجرد العقد. لو عقد عليها، وطلقها أي الثاني، ما حلت للأول؛ لا بد من حصول الجماع؛ لا بد من حصول الجماع. فالمراد بقوله جل وعلا: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، يعني أن تتزوج، ويحصل الوطء. وقل ذلك كما يقول أهل العلم: هو غياب حشفة الذكر في الفرج، يحصل بهذا التحليل. ويدل على اشتراط ذلك -يعني اشتراط الوطء- حديث عائشة في الصحيحين، في قصة امرأة رفاعة القرظي: أنها جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبرته أنها كانت عند رفاعة القرظي، فطلقها، فأبدت طلاقي. قال: «فطلقني، فأبدت طلاقي»، يعني طلقني ثلاثا. قال: «فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب». وأراد بذلك: يعني أنه ما يستطيع الجماع؛ أن ذكره لا ينتصب، ولا قدرة له على الوطء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟»، قالت: «لا». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، يعني حتى يحصل الجماع. وشبه الجماع يعني بلذته كالعسيلة أو العسل، نعم. فالمقصود أن بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا بد من حصول الوطء حتى يحصل التحليل، حتى تحل لزوجها الأول، نعم. ومن الطرائف: ما حكاه بعضهم أنه كان في جزيرة سقطرة، فكانوا يعني يذكرون هذه المسألة، مسألة التحليل وكذا، فقالوا: أول ما غلب على الناس بالجهل أن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، فيريدون أن يحللوها لزوجها الأول، فيعقدون لها على رجل، ثم يدخلون عليه -يعني هذا الزوج الثاني- يعصبونه بحبل، ويسحبونه من الخارج، كلما اقترب من المرأة جروه، كلما اقترب جروه، وهكذا طول الليل حتى النهار، والله أعلم هل يقربها أو لا يقربها. ثم بعد ذلك يطلقها، وترجع لزوجها الأول. «تيس المستعار» كما جاء في الحديث، نعم، مثل التيس الذي يراد به التلقيح للبهائم، طيب. قال: «وبينونتها منه»؛ هذا الشرط الرابع: بينونتها منه، أي من هذا الزوج الثاني، أن ينتهي عقد زواجها منه بطلاق أو فسخ أو موت أو غير ذلك. قال: «وانقضاء عدتها منه»؛ وهذا الشرط الخامس: أن تنقضي عدتها من هذا الثاني؛ حتى يتأكد من استبراء الرحم، وحينئذ بعد ذلك يحل لها أن ترجع إلى زوجها الأول. إذن، هذه خمسة شروط لا بد من توفرها: انقضاء العدة من الأول، أن تتزوج بغيره، أن يدخل عليها هذا الزوج الثاني ويطأها، أن تبين منه، والخامس: انقضاء عدتها منه، حينئذ يصح للأول أن يتزوجها. انقضاء عدتها منه، وانقضاء عدتها منه، ها: أول هذا من الأول، نعم. انقضاء عدتها من أي من الثاني. الأول: وهذا انقضاء عدتها من أي من الثاني، نعم. طيب.