الدرس في كتاب الطهارة 24، ألقاها
يشرح الحديث الشريف أن خروج المذي يوجب الوضوء، ويبين حكم المذي والبول والودي والمني في الوضوء والغسل.
يتناول المقطع آداب ذكر الأمور المتعلقة بالفروج أمام الأصهار، ويشرح حكم المذي وتنظيف الذكر والثوب منه.
اختلف أهل العلم في حكم نقض الوضوء بلمس المرأة، والراجح عدم النقض مطلقا إلا إذا خرج شيء، مع استعراض آراء الفقهاء المختلفة.
يُنقد قول الشافعية بأن اللمس ينقض الوضوء مطلقا، حيث يعتبره شيخ الإسلام أضعف الأقوال في هذه المسألة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب نواقض الوضوء: وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت رجلا مذاء، فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال: فيه الوضوء. متفق عليه، واللفظ للبخاري. هذا الحديث يخبر عليه رضي الله عنه، وعلي منا أبي طالب زوج فاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: كنت رجلا مذاء، يعني كثير المذي، والمذي ماء رقيق فيه لزوجة، يخرج من الإنسان عند المداعبة أو التفكير في الجماع ومقدماته. فيخبر رضي الله عنه أنه كان كثير المذي، حتى جاء في سنن أبي داود وغيره أنه كان يغتسل منه في الشتاء، قال: حتى تشقق ظهري من كثرة الغسل. فأمر المقداد -وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، ويقال له: المقداد بن الأسود- وهو صحابي جليل، يقال له: المقداد بن الأسود؛ لأن الأسود بن عبد يغوث كان تبناه في الجاهلية، فكان ينسى به، وإلا فاسم أبيه عمرو. فأمر المقداد أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فيه الوضوء. وفي رواية البخاري: اغسل ذكرك وتوضأ. فهذا الحديث فيه بيان أن المذي ناقض للوضوء إذا خرج من الإنسان، فإنه ينتقض وضوءه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمره أن يتوضأ منه، ولا يوجب الغسل، وهذا باتفاق أهل العلم أن المذي لا يوجب غسلا، وإنما يوجب الوضوء. وهكذا أيضا مثل المذي البول والودي، والودي ماء أبيض غليظ يخرج بعد البول، فحكمه حكم المذي والبول؛ أي: ينقض الوضوء ويوجب منه الوضوء. وأما المني فهو ماء غليظ يخرج من الإنسان بتدفق وشهوة، ويعقبه فتور، وهذا يوجب الغسل. وفيه كذلك أيضا أن الإنسان إذا استحيى أن يسأل عن شيء فلا بأس أن يوكل غيره في السؤال، ولا يترك السؤال لمعرفة الحكم الشرعي. فإن استحيى أن يسأل بنفسه، وكل غيره أن يسأل ويأتي له بالجواب. وفيه أيضا أدب من الآداب، وهو أن الإنسان لا يذكر مع أصهاره شيئا مما يتعلق بفروج النساء، كأبيها أو أخيها أو ابنها. فلما كان هذا الأمر -وهو خروج المذي منه رضي الله عنه كثيرا- استحيى أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في رواية البخاري قال: لمكان ابنته مني، هذا الذي جعله يستحي أن يباشر النبي عليه الصلاة والسلام بالسؤال. وكذلك أيضا فيه كما علمنا أن المذي نجس على الصحيح، ويدل على ذلك رواية البخاري: اغسل ذكرك وتوضأ. واختلف أهل العلم هل يجب غسل الذكر كله أم يكفي أن يغسل رأس الذكر؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجب أن يغسل الذكر كله، بل وكذلك أيضا يغسل خصيتيه؛ لرواية: اغسل ذكره وأمثيه، وهي رواية صحيحة. وأما كون يغسل الذكر كله، بل قوله: اغسل ذكرك وتوضأ، وذكرك مفرد مضاف، والمفرد إذا أضيف دل على العموم، فيعم ذلك جميع الذكر. وبهذا قال الحنابلة والمالكية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وذكر أهل العلم ذلك فائدة، قالوا: بأن غسل الذكر كله سبب لانقطاع المذي. وأما ما يصيب الثوب من المذي، هل يجب أن يغسل أيضا؟ بهذا خلاف بين أهل العلم، جمهور أهل العلم على أنه يغسل. واستدل بهذه الروايات التي فيها الأمر بغسل الذكر. وذهب الإمام أحمد رحمه الله في رواية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إلى أنه يكتفى بالنضح -يعني الرش- يرش على الموضع الذي يغلب على ظنه أنه أصابه المذي، ولا يجب عليه غسله؛ لحديث سهل بن حنيف عند أبي داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إنما يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث أصابه منه. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينضح الثوب، والنضح هو بمعنى الرش وتبليل، فإنه يدل هذا على أنه يكتفى في تطهير الثوب من المذي بالنضح. قال رحمه الله: وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. أخرجه أحمد، وضعفه البخاري. هذا حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. أخرجه الإمام أحمد، وضعفه البخاري، وضعفه كذلك أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان. وسبب تضعيف هذا الحديث أنه له علتان: الأولى: الانقطاع بين إبراهيم التيمي وعائشة؛ فلم يسمع منها. والعلة الأخرى كذلك في رواية أخرى من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة، وكذلك إن منقطعة؛ فحبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة عن عائشة، كما نص على ذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وأحمد بن معين والثوري وغيرهم، فالحديث لا يصح. واختلف أهل العلم في حكم ما دل عليه هذا الحديث، وهو إذا لمس الرجل امرأة هل ينتقض وضوءه بذلك؟ إذا لمس الرجل امرأة أو قبلها هل ينتقض وضوءه بذلك أم لا؟ في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه ينتقض بذلك الوضوء مطلقا، سواء كان بشهوة أو غير شهوة، وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله. واستدل على ذلك بالآية في قول الله عز وجل: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، قالوا: المراد باللمس اللمس باليد أو بالبشرة. وأيضا استدلوا بقراءة حمزة والكسائي: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، قالوا: في المراد بذلك لمس البدن. وذهب الإمام أحمد، وكذلك أيضا أبو حنيفة، والإمام أحمد في رواية، إلى أنه لا ينتقض به الوضوء مطلقا، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة. ورجع إلى هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك العلامة ابن باز رحمه الله. واستدلوا بأن الأصل عدم حصول النقض بذلك إلا بدليل شرعي يدل على أن اللمس لمس المرأة ناقض للوضوء، وليس هناك دليل صحيح صريح يدل على ذلك. والقول الثالث: التفريق بين اللمس بشهوة وغير شهوة، إن كان بشهوة انتقض وضوءه، وإن كان بغير شهوة لم ينتقض وضوءه، وهذا قول الحنابلة. والراجح هو القول الثاني، وهو عدم النقض باللمس مطلقا إلا إذا خرج شيء، إذا خرج منه شيء فحينئذ ينتقض بسبب ما خرج منه، ليس بمجرد اللمس؛ فلا دليل يدل على أن لمس المرأة ينقض الوضوء. ولهذا كان قول الشافعية في هذه المسألة من أضعف الأقوال، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: قولهم بأن مجرد اللمس ينقض الوضوء مطلقا هذا أضعف الأقوال. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.