كتاب الأمور المنهي عنها 64

كتاب الأمور المنهي عنها 64

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 64، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

كراهة قول "خبثت نفسي" وآداب اللسان

يستعرض المقطع حديث عائشة رضي الله عنها الناهي عن قول "خبثت نفسي" والآمر بقول "لقست نفسي" بدلاً منه، مبيناً حرص الإسلام على تهذيب الألفاظ وانتقاء الحسن منها. يؤكد هذا الأدب على كرامة المسلم وضرورة مراعاة حسن التعبير مع النفس ومع الآخرين.

طهارة المؤمن وابتداء النهي عن تسمية العنب كرماً

يبتدئ المقطع بحديث أبي هريرة رضي الله عنه تقريراً لطهارة المؤمن وأنه لا ينجس بالجنابة، ثم ينتقل إلى باب كراهة إطلاق اسم الكرم على العنب. يعزو ابن القيم النهي إلى سد الذريعة المؤدية إلى محبة الخمر المتخذة من العنب.

تتمة النهي عن تسمية العنب كرماً وتشبيه المؤمن بالنخلة

يوضح المقطع أن النهي عن تسمية العنب كرماً لأن الخمر تصنع منه، وأن قلب المؤمن أولى بهذا الاسم لخيره ونفعه الدائم. كما يورد حديث تشبيه المؤمن بالنخلة في ثباتها ونفعها، مع الإشارة إلى أدب احترام الكبار في مجالس العلم.

وقوع لفظ الكرم في النصوص الشرعية والأولى في التسمية

يشير المقطع إلى وجود نصوص تطلق لفظ الكرم على العنب، لكن الأولى والأوفق البقاء على التسمية القرآنية "العنب" تجنباً للمحظور. ينبه إلى أن الأحاديث المتعلقة بهذا الباب ستُفصل في مجالس قادمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. قال رحمه الله تعالى: باب كراهة قوله خبثت نفسي. أن يقول الشخص عن نفسه يصفها بالخبث، يقول: خبثت نفسي. قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي». قال: متفق عليه. قال رحمه الله تعالى: قال العلماء: معنى خبثت أي غثت، وهو بمعنى لقست، ولكن كره لفظ الخبث. وهنا يا إخوان، ديننا يدعون إلى أن ننتقي من الألفاظ أحسنها، ومن الكلام أجوده، ومن الكلام أجوده، ويجتنب المسلم الألفاظ التي فيها شناعة وهكذا قبح في لفظها، ويعدل بالألفاظ الحسنة. ومن هذا القبيل كراهة استخدام مثل هذا اللفظ، قول الشخص: خبثت نفسي، فالخبث مذموم، وهكذا لفظ مكروه، بينما هناك اللفظ الآخر الذي قد يدل على المعنى المقصود، على المعنى المقصود، وهو كأن يقول: لقست، لقست نفسي، بمعنى النفس يصيبها غثيان ويصيبها شيء من الضيق ونحو ذلك، ونحو ذلك. وهذا فيه الحث على الأدب في النطق كما سبق مع كل الأشياء، حتى مع النفس، حتى مع النفس. وهذا كما سبق يدلنا على أن ديننا الإسلامي يقوم على الأدب الحسن والخلق الحسن، فقد علم المسلم الأدب، سواء كان الأدب مع الله عز وجل، أو كان الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان الأدب مع الوالدين، مع الأرحام، مع الجيران، الأدب مع أهل العلم والفضل، الأدب مع كبار السن، بل وحتى الأدب مع البهائم والحيوانات، ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾، وما كان ربك نسيا. وهكذا أيضاً في هذا الحديث دلالة على استحباب تغيير الأسماء القبيحة وترك استعمالها في جميع الأحوال، في جميع الأحوال. وهكذا أيضاً في قوله: «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي»، فيه أنه لا ينبغي للمسلم أن يصف نفسه بئس الخبث، فإن الله تعالى كرمه. ومر معنا قصة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم، حين أن لقي النبي عليه الصلاة والسلام، وكان أبو هريرة جنباً، فماذا فعل أبو هريرة؟ قال: فانخنست، ثم ذهبت فاغتسلت، ثم جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: كنت جنباً، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، وأنا على غير طهارة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس، إن المؤمن لا ينجس». وبعض الناس إذا كان على جنابة يقول: كنت نجساً، كنت نجساً. لا، ليس نجساً، وإنما جنباً. وكلكم يلاحظ الفارق بين لفظ النجاسة: نجساً، نجساً، نجساً، ولفظ الجنابة: نجساً، نجساً، لفظ الجنابة. قال رحمه الله تعالى: باب كراهة تسمية العنب كرماً. العنب معروف، هذه الفاكهة، هذه الفاكهة التي هي تعتبر من أحسن الفواكه، ولهذا ذكرها ربنا عز وجل كثيراً، ولا سيما في سياق الامتنان على أهل الجنة، في سياق الامتنان على أهل الجنة. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم المسلم». قال: متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. قال: وفي رواية: «فإنما الكرم قلب المؤمن». قال: وفي رواية للبخاري ومسلم: «يقولون الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن». هنا النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن إطلاق اسم الكرم على العنب، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تسموا»، أي لا تطلقوا على العنب هذا الاسم، وبيّن سبب ذلك، قال: «فإن الكرم المسلم»، يعني أن المسلم هو الذي يستحق هذا الاسم، وليس هذه الفاكهة، وليس هذه الفاكهة. وعن وائل بن حجر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا العنب والحبلة». قال: رواه مسلم. قال: الحبلة بفتح الحاء والباء، ويقال أيضاً بإسكان الباء، والمقصود بها شجرة العنب، يقال لها الحبلة، وأيضاً يسمى بها العنب، أيضاً يسمى العنب. وهذه التسمية هي المشهورة، تسمية العنب عنباً، وأما تسميته كرماً فهذا قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وقد بيّن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه زاد المعاد، في المجلد الرابع، والمجلد الرابع من زاد المعاد مفيد جداً يتعلق بالطب النبوي، وهكذا فيه فوائد عزيزة ثمينة. قال كما في زاد المعاد: وفي هذا معنيان: أحدهما: أن العرب كانت تسمي شجرة العنب الكرم، لكثرة منافعها وخيرها، يعني من باب الكرم والعطاء. قال: فكره النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها باسم يهيج النفوس على محبتها، ومحبة ما يتخذ منها من المسكر، ولهذا كانت العرب تكثر استخراج الخمر من مثل هذه الفواكه، ومنها، ومنها العنب، وهكذا التمر والبسر، وغير ذلك كالشعير والحنطة. قال: وهو أم الخبائث، أي الخمر المسكر، أم الخبائث. قال: فكره أن يسمى أصله بأحسن الأسماء وأجمعها للخير، وأجمعها للخير، يسمونه كرماً، ثم يأخذون هذا العنب ويصنعون منه الخمر، فكره النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق ذلك. قال: والثاني، قال: والثاني، أي المعنى الثاني، قال: أنه من باب قوله المتفق عليه: «ليس الشديد بالصرعة»، وقوله الذي أخرجه مسلم: «ليس المسكين بالطواف» يسأل، المسكين الذي يطوف على الناس يسأل. قال: أي إنكم تسمون شجرة العنب كرماً لكثرة منافعها، وقلب المؤمن أو الرجل المسلم أولى بهذا الاسم منه. قال: فإن المؤمن خير كله ونفع، فهو من باب التنبيه والتعريف لما في قلب المؤمن من الخير والجود والإيمان والنور والهدى والتقوى. قال: والصفات التي يستحق بها هذا الاسم أكثر من استحقاق الحبلة له، أي أكثر من استحقاق شجرة العنب له. انتهى من زاد المعاد. ولأجل هذا يا إخوان، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب للمسلم مثلاً بشجرة من الأشجار، قال: «لا يسقط ورقها»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «حدثوني ما هي». فماذا كان الجواب عن هذا، أو هذه المسألة التي طرحها النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهذا الحديث حديث ابن عمر يعتبر دليلاً على جواز الإلغاز في المسائل العلمية، يأتي بمسألة على صورة لغز لكي يحرك الأذهان وينبه الأفهام، معنا، معنا، ما هو الجواب؟ مثل المؤمن كشجرة لا يسقط ورقها، قال: «حدثوني ما هي». ابن عمر قال: فذهب الناس إلى أشجار البوادي، ووقع في نفسي أنها، يا أبا محمد، أنها ماذا؟ أنها النخلة. أحسن أنها النخلة. لكن ابن عمر نظر في المجلس فوجد أنه عاشر عشرة، هو أصغرهم أي سناً، فاستحى. وهذا فيه يا إخوان احترام الكبير، الكبير سناً، وهكذا الكبير قدراً وعلماً. فلما لم يأت أحد بالجواب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة، هي النخلة». وفي هذا فائدة: أن الشخص إذا طرح المسألة على الناس، أو مثلاً شبهة أتى بها يختبر الطلاب، فقالوا، يبين الأمر قبل أن ينفض المجلس، لأجل أن لا يذهب الواحد وفي ذهنه شبهة قد تضره وتؤثر عليه، وتؤثر عليه. ومثل المؤمن بالنخلة، لأن النخلة كل ما يخرج منها ينتفع به، من أعلاها إلى أسفلها، وهكذا المؤمن، وهكذا المؤمن، فإنه نفاع لغيره، ولا يخرج منه إلا الطيب، وإلا كذلك ما ينتفع به الآخرين، ما ينتفع به الآخرين. فإذن هذا الباب فيما يتعلق بكراهة تسمية العنب كرماً. وجاء في بعض النصوص إطلاق الكرم على العنب، كما في بعض الأحاديث، لكن الأولى هو عدم إطلاق هذا الاسم، والبقاء على تسميته عنباً، كما جاء في صريح القرآن، وهكذا في السنة، وهكذا في السنة. طيب، يأتي معنا الحديث إن شاء الله عز وجل على أبواب أخرى في مجالس لاحقة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.