الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدعوة إلى التوحيد واجبة على من عرف فضله، وهي فرض كفاية، ويجب أن يكون الداعي مخلصا لله. الدعوة إلى الله لا تفرق بين أحد.
الدعوة إلى الله تتطلب بصيرة شاملة تشمل العلم بما يدعو إليه الإنسان والمدعو والطرق المناسبة. يجب على الداعي أن يكون على علم ودراية.
الدعوة إلى الله تحتاج إلى أساليب مختلفة، فقد يحتاج البعض إلى الحكمة واللين بينما يحتاج البعض الآخر إلى الشدة والمجادلة بالتي هي أحسن.
النبي صلى الله عليه وسلم وجه الصحابة إلى التمهل في الدعوة وتبليغ رسالة الإسلام بشكل واضح، مؤكدا على دعوة الناس إلى الإسلام أولا.
الدعوة إلى التوحيد مهمة حتى لأهل الإسلام، ودراسة العقيدة تثبت العبد على الطريقة الصحيحة وتجعله يدعو إلى الخير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما بعد. قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقوله جل وعلا: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾. طيب، هذا الباب مناسبته في هذا الموضع مناسبة عظيمة؛ لأن المؤلف رحمه الله بعدما بيّن أهمية التوحيد وفضله، وكذلك فضل من حقق هذا التوحيد ظاهرا وباطنا، ذكر أيضا ما يضاده وهو الشرك. فإذا استقر التوحيد في العبد وعرف مداخله ومخارجه، وجب عليه أمر آخر، وهو الدعوة إلى هذا التوحيد، الدعوة إلى التوحيد؛ حتى يصير من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن زمرته، كما قال الله عز وجل: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، هذه سبيل من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحيانا تكون واجبة على العبد أن يدعو إلى هذا التوحيد ويعلم الناس، وأحيانا لا يكون واجبة؛ لأن هذه الدعوة فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فلهذا لكن المؤمن الذي يريد وجه الله والذي يريد رضى الله عز وجل، لا شك أنه يدخل هذا المضمار؛ لأن هذا العمل من أفضل الأعمال التي يقدمها العبد لنفسه ويتقرب بها إلى الله عز وجل. وكما قال الله عز وجل: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾، فقال الحسن: «هذا حبيب الله، هذا صفوة الله من خلقه». معنى أن الله عز وجل استفاهم للدعوة إلى الله: أنت يا طالب العلم، إذا دعوت إلى الله عز وجل ووفقت إلى الدعوة إلى الله بالتدريس وبالمواعظ وبالنصح وبغير ذلك وبالكتابة، فكل هذا دعوة إلى الله، لا يقتصر الدعوة إلى الله فقط أن الإنسان يقوم ويعض، وليس هذا من الدعوة، كذلك أيضا ليس فقط أن الإنسان يدرس، هذا جزء من الدعوة؛ فالدعوة أمر عام، فقد يكون سرا، وقد تكون جهرا، تكون بالنصيحة، ينصح ناسا، ينصح رجلا، ينصح هكذا؛ فالدعوة أعم، يدعو إلى الله. ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، أي: لا أحد أحسن منه في أقواله الذي يدعو إلى الله عز وجل. وأيضا، مسألة الدعوة إلى الله عز وجل، مسألة الدعوة إلى الله أيضا من أعظم أمورها أن فيها انتشارا لدين الله وانتشارا للإسلام؛ فلهذا صارت هذه الدعوة تكون مثل الحمل على طلبة العلم، خاصة أنهم لا يفرطون في الدعوة إلى الله، وخاصة الدعوة إلى التوحيد، خاصة الدعوة إلى التوحيد؛ لأن دعوة الأنبياء ودعوة الصالحين كذلك. قال الله عز وجل: ﴿قل هذه سبيلي﴾، فذكر الشيخ بعدما ذكر هذه الأمور ذكر الدعوة إلى توحيد الله. معنى ذلك: أنه ما دام أن الإنسان عرف فضل التوحيد وأهميته، وأيضا تحقيقه باطنا وظاهرا، وعرف ما يضاده، فهذا وجب عليه أن يدعو إلى هذا التوحيد، يدعو الناس إلى هذا التوحيد الذي قد عرفه؛ فلهذا ذكر المؤلف أيضا هذه الآية من هذا الباب: أنه لا يدعو إلى شيء لم يعرفه، وإنما يدعو إلى شيء قد عرفه: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾. فهذه الآية بيّن فيها ربنا جل وعلا أمره لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أمر للأمة، يبين لهم، يقول لهم: قل يا محمد لأمتك عليه الصلاة والسلام: قل لأمتك: قل هذه سبيلي، هذه سبيلي، وهذا منهجي، وهذه طريقتي: أدعو إلى الله على بصيرة. هنا قال: أدعو إلى الله، فيه التنبيه كما سيأتي في المسائل على الإخلاص في الدعوة، وأن الإنسان يدعو إلى الله عز وجل، لا يدعو إلى نفسه، ولا يدعو إلى حزبه، ولا يدعو إلى قبيلته، أو يدعو إلى شيء من أغراض الدنيا، يدعو من أراد منه نفعا في الدنيا يدعوه، ومن ليس له نفعا في الدنيا لا يدعوه، وهذه تجد أنها مسلك من مسالك المخالفين للدعوة؛ ولهذا الكفار ينكرون على الأنبياء: لماذا أنتم تدعون الضعفاء وتدعون الفقراء؟ لماذا لا تأتون إلى الكبار التجار؟ أهذا لو عملنا مثلا ما ذكره الله عز وجل عن نوح؟ قالوا: ﴿ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل﴾، ما لهم رأي عندنا في المجتمع، وما نرى لك علينا من فضل؛ فلهذا قال الله قال نوح: ﴿ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم﴾، يريدون أنه يطرد هؤلاء، وهكذا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد طهبا، اطرد خبابا، هؤلاء فقراء، ما نستطيع أن نجلس معهم، معناهم: يريدون مجلسا خاصا؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين﴾، انظر: الله عز وجل قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فتطردهم فتكون من الظالمين﴾، لو طردتهم لكنت من الظالمين مثل هؤلاء الكفار؛ لأنهم ما عندهم رحمة، ولا عندهم شفقة على الضعفاء؛ فلهذا يأتون مثل هذا الكلام؛ فكان عقولهم تقتضي أن الداعي يحتاج إلى الأقوياء، يحتاج إلى الذين عندهم أموال، هذا نظر أهل الدنيا، هذا نظر أهل الدنيا. ولهذا أبو قحافة قال لابنه لما كان يذهب ويشتري العبيد من كفار قريش ويخلصهم منهم -معناه: من من أسلم مثل بلال وكذا- فقال له أبوه: يا بني، ما لك تشتري أناسا ضعفاء؟ لماذا لا تشتري أناسا أقوياء؛ أن يكونوا معك ينصرونك؟ فقال أبو بكر: يا أبتي، ما أريد إلا ما أريد، معناه: كأنه يقول رضي الله عنه: أنا ما أريد النصر من أحد، النصر من الله، لكن أريد هؤلاء أن أخلصهم، هؤلاء الضعفاء هم الذين سيحملون هذا الدين. وفعلا، بحمد الله صاروا هؤلاء هم فوارس الإسلام، وكذلك من أفضل الناس حربا وغيره؛ ففاقوا أولئك الكفار العظماء الذين يفتخرون بأنفسهم أنهم أقوياء وأنهم كذا. فالمهم: أن الدعوة إلى الله عز وجل لا تفرق بين فقير وغني، لا تفرق بين ضعيف وقوي، بل كلهم يدعون إلى الله؛ فحرص الإنسان أحيانا الداعي يحرص على أن يكون يدعو رؤوسا مثل ما حصل من النبي عليه الصلاة والسلام لما دعا بعض الرؤوس وجاءه ابنه المكتوب فعاتبه الله عز وجل على ما فعل. لكن ليس من مراد أن الإنسان لما يدعو الأقوياء ويدعو الأغنياء أنه فعل شيء منكر، لا، إنما يحرص على دعوة هؤلاء وهؤلاء، دعوة هؤلاء وهؤلاء؛ وقد يحرص الداعية على دعوة من كان لديه أتباع يدخلون معه، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حنين، تألف بعض رؤوس قبائل العرب كالأقرع بن حابس وعينة بن حصن، وأيضا زيد الخير والمرداس، وزيد بن علاقة، وغيرهم من هؤلاء الذين تألفهم النبي عليه الصلاة والسلام بشيء من المال؛ أعطى الأقرع مئة من الإبل، وأعطى عينة هكذا، وجاء مرداس الأسلمي وأعطاه أقل من مئة، فاعترض على النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تعطي الأقرع وعينة أكثر مني، وهم ليسوا بأفضل منا؟ فأعطاه؛ فكان يتألفهم؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «أوجدتم في أنفسكم على لعاعة أتألف بها قوما»، معنى: لعاعة، سماها النبي صلى الله عليه وسلم لعاعة، شيء من أمر الدنيا ليس له أهمية، معنى: وجدتم في أنفسكم على لعاعة أتألف بها قوما، معنى: أتألف بها هؤلاء القوم؛ لأن هناك أقواما أتباعهم إذا حسن هؤلاء إسلامهم سيدعون أقوامهم إلى هذا الدين؛ فقد يحرص الإنسان أو الداعي إلى الله على بعض الرؤوس ليس لأجله، وإنما لأجل من يتبعه، وهكذا؛ فالدعوة تكون عامة لكل أحد. فقال الله عز وجل: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله﴾، المهم أن الإنسان يدعو إلى الله، لا يدعو إلى شيء من هذه الأمور أو الأغراض: على بصيرة. والبصيرة هنا هي العلم، لكن ليس العلم فقط أن الإنسان يعلم بما جاء في الشريعة، لا، العلم يدخل فيه العلم بما يدعو إليه أولا، يكون عنده علم بما يدعو إليه، إن كان يأمر بالمعروف فلابد أن يعرف أن هذا معروفا؛ أولا: العلم بما يدعو إليه، وأيضا كذلك العلم بالمدعو، من هذا الذي سيدعوه؟ ولهذا سيأتي في الحديث: «إنك تأتي قوما أهل كتاب»، يكون العلم أيضا بالمدعو، وبما يدعى إليه أيضا، إلى أي شيء يدعو إليه؟ وكل هذه الأشياء أيضا الطرق أيضا يعرف الطرق التي يدعو بها، الطرق التي يدعو بها من الرفق واللين، ومتى قد يستخدم الشدة أحيانا في الدعوة، وغير ذلك؛ هذه الأمور كلها من البصيرة، تدخل في لفظ البصيرة، لم يقل الله عز وجل: على علم، وإنما قال: على بصيرة؛ فالبصيرة هي العلم الشامل، العلم الشامل بكل ما يكون فيه في الدعوة إلى الله. قال: ﴿أنا ومن اتبعني﴾، أي: نبي عليه الصلاة والسلام، وأتباعه، كلهم يدعون على بصيرة، لا يدعون الناس بالخطأ أو بالجهل، مثل ما يفعل بعض الفرق كجماعة التبليغ وغيرهم، يدعون الناس وهم جهلة، ما يعرفون؛ قد يقوم قائم يدعو الناس وهو لا يحسن حتى يقرأ الفاتحة، وأيضا بعضهم يقرأ من كتاب ويقرأ خطأ في الأحاديث، هذا ليس دعوة صحيحة. وأيضا أحيانا بعضهم يدعو يذكر أشياء لا يدري هل هي صحيحة وغير صحيحة؛ حتى مرة واحد جاء يتكلم فكان يقول: «قال الله: من توكل عليه كفيته، ومن استعان به عنته»، وذكر أشياء من هذا القبيل؛ فقلنا له: إيش هذا؟ آية أو حديث أو إيش؟ قال: والله ما أدري، قال: ما أدري هي آية أو حديث، ناله: كيف تقول: قال الله؟ قال: والله هكذا سمعت عن الغنال الذي يقول: قال الله، معناه: أنه في آية أو النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها، أو شيء مما معناه: يحكى أو على الحكاية مثل ما يقوله بعض السلف، معناه: ينسبونه إلى الله من باب معناه: إحضار المشهد؛ فقال هذا الرجل: ما أدري، والله ما أدري، قال: نادى واحد من أصحابه: قال: هذا: «من توكل على الله كفيته»، إذا يقول الله: إيش هذا؟ قال له: هذا كلام جمع العلماء، هذا صاحبه يقول: ما لبس كلام جمع العلماء ما يقال فيه: قال الله، لكن يقال مثلا: قال العلماء، أو جمع العلماء، أو كذا؛ أما يقولون: قال الله، معناه: هذا آية في القرآن، أو حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فهذا من الخطأ أن الإنسان يأتي بأشياء لا يعلمها، يأتي بها عند الناس؛ فينبغي مثلا الذي يريد أن يدعو إلى الله عز وجل يعرف بما يدعو إليه أولا، يتأكد أن هذا الذي يدعو إليه صحيح، لا يأتي بأشياء لا يعرف، لا يعرفها هو، وليس هو متأكد من صحتها؛ لو عزاها مثلا إلى عالم إلى كتاب، هذا معناه: قد برىء ذمته، مثلا: ذكر الإمام ابن القيم كذا في كتابه كذا، أو ذكر العالم الفلاني الشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين كذا؛ هذا برىء ذمته. فالمهم: أن الإنسان يدعو إلى الله على بصيرة، وعلى أيضا كذلك علم بهذه الأشياء التي ذكرناها. ثم قال: ﴿سبحان الله وما أنا من المشركين﴾، نزه الله عز وجل أنه يشرك به سبحانه وتعالى، وذكر قال: ﴿وما أنا من المشركين﴾، وهذا فيه التبرأ من كل ما يعبد من دون الله جل وعلا. قال عن ابن عباس رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما أهل كتاب»، وهذا يدل على ما ذكرناه: أنه يدعو يعرف حال المدعوين، يعرف حال المدعوين؛ لأن هذا الذي يدعى لابد أن يعرف من هو؟ هل هو مؤمن بالله أو لا يؤمن بالله؟ معناه: لابد أن يفرق؛ حتى إذا دعاه يحتج عليه بما يدعوه به، لا يأتي بشيء مثلا هو معترف به؛ فدعوة مثلا المؤمن، دعوة مثلا أو نصيحة مثلا لطالب العلم، ليس كنصيحة غير طالب العلم؛ تنصحه بالكلام اللي وكذا؛ ولهذا ذكر الإمام ابن القيم في قول الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ادع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، فهذه قال: ثلاث مراتب، قال: إمام ابن القيم: هذه الآية اجتمعت على ثلاث مراتب؛ المرتبة الأولى: الدعوة بالحكمة، الدعوة بالحكمة، بالرفق، باللين، إذا احتاج إلى الشدة شد، معناها: بعض الناس ما يحتاج إلى أنك تقيم له الدلة وكذا؛ لأنه هو أصلا معترف بما أنت عليه وكذا؛ فتأتي له بالنصيحة: يا فلان، الأولى أن تفعل كذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل كذا، وأيضا هذا الذي فعلته لا يجوز؛ لأن الله عز وجل قال كذا وكذا، خلاص انتهى الأمر؛ لأن هذا الرجل مؤمن، ورجل أيضا مسلم، ما يحتاج إلى مجادلة في الكلام؛ فهذا يحتاج إلى حكمة فقط في مداراته: ﴿ادع إلى ربك بالحكمة﴾، ﴿والموعظة الحسنة﴾، منهم من يحتاج إلى موعظة تعيضه، تعيضه؛ لأنه مثلا قلبه غافل، قلبه كذا، لكن الذي تعلم منه الخير وكذا؛ هذا ما يحتاج إلى موعظة، يحتاج إلى أنك تكلم: أن هذا معروف، وهذا منكر؛ بعض الناس بعض الناس يحتاج إلى موعظة، وغالبا الذي يكون بعيد عن هذه الأمور يحتاج إلى من يذكره؛ حتى يرجع إلى الله: الموعظة الحسنة. لكن إذا كان معاندا أو كان مخالفا فهذا يحتاج إلى المجادلة، لكن بالتي هي أحسن، لا يجادله ويغضب عليه ويسب وكذا، معنى: بعض الناس تجد يريد أن يحاور المخالفين وهو لا ليس عنده أخلاق حسن في الكلام، يسب ويشتم، وأيضا كذلك يأتي بالكلام البديء، وأحيانا حتى الكلام الفاحش يأتي، مثلا أيضا كذلك بكلمات نابية التي ما ينبغي أن يأتي بها؛ فيقول: أنا خرجت عن طوري وغضبت لله، وهذا ليس غضب لله؛ لو كان غضب لله سيمسك نفسه في الكلمات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الشديد بالسرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فلهذا: يجادل بالتي هي أحسن، إن كان أراد أن يجادل، إذا اضطر إلى الجدال؛ فيجادل بالتي هي أحسن؛ حتى يبين للمخالف أنه مخطئ، وحتى مثلا في النقاش العلمي لا بأس أن الإنسان أيضا يجادل، لكن بالتي أحسن، يعني: بعض الناس بسرعة إذا دخل في نقاش حتى ولو كان نقاش عادي علمي، هذا يأتي بالأدلة، هذا يقول: لا، هذا الدليل ضعيف، هذا كذا؛ يقوم تجده يسب أو يغضب ويأتي بكلمات قوية في صاحبه الذي يناقشه، وهذا ليس صحيحا؛ إلا إذا كان أحيانا يحتاج الأمر إلى شدة؛ حتى يرتدع من يرد عليه، وهذا طبيعة بعض العلماء، طبيعة بعض العلماء إذا رد يرد بشدة، ليس أنه ما يعرف معنى الحسن، لا، عنده حسن، لكن أحيانا يحتاج لهذه الشدة؛ حتى يرتدع غيره. معنا: تأتي مثلا يتكلم شخص في مسألة لو يسكت عنها كان أولى له؛ فيأتي هذا العالم الآخر عندما يرد عليه يشد عليه في الرد؛ حتى أحيانا بعض العلماء كأنه عندما يرد كأنه ترى بينهم شيء، معنى: تقول: هؤلاء بينهم خصام، بينهم كذا؛ هي مسائل علمية على سبيل المثال، معنى: الشيخ الألباني والشيخ ابن باز، لا، لا، هذا بينهم ما شاء الله مودة عظيمة؛ الشيخ حمود التواجري، الشيخ حمود التواجري أيضا ذكي، معنى: من أسلوبه أنه إذا رد يرد بشدة؛ حتى لما رد على الشيخ ابن سعدي في الردود لما ذكر الشيخ ابن سعدي الردود وكذا وأخطأ فيه، رد عليه بقوة مع أنه الشيخ ابن سعدي صاحبه، وقد يكون أيضا بينهم زمالة وتتلمذ، لكن في آخر الرد قال: وهذا مني لا يدل على أن الشيخ عبدالرحمن كذا وكذا، الشيخ عبدالرحمن له مكانته وله وكذا، معنى: أراد أن يبين أن هذا الرد والشدة في الرد ليس لأجل الشيخ عبدالرحمن، وإنما لأجل الخطأ هذا الذي وقع فيه. كذلك الشيخ الألباني من رأى الردود في مقدمة الصفة، معنى: رد على حمود التواجري بشدة؛ لأن الشيخ حمود هو الذي بدأ بالشدة، فقام رد عليه بأشد منه، واتهمه بالتعصب بالحنبلي وكذا، لكن كانت بينهم مودة عظيمة؛ قال: حتى بعض الإخوة حضروا لما جاء الشيخ الألباني وجاء إلى الشيخ حمود وتصافحوا في بيته، قال: ما ظننت أن هؤلاء الذين كانوا يرد بعضهم على بعض، معنى: من شدة الحفاوة، ومن شدة الضيافة التي كان يقوم بها الشيخ حمود، وكذلك الشيخ الألباني كانت نفسه منشرحة. فالمهم: أن العلماء أحيانا بعضهم عندهم مسلك ليس لأجل الرد على المخالف أو فلان أنه فلان، لا، لأجل المسألة نفسها؛ قد تكون المسألة لها ضرر في المجتمع، لها ضرر في المجتمع؛ الشيخ عبدالله لما رد على الشيخ الألباني في التراجعات ذكر في المقدمة شيء من الشدة، وقال: رأيت بعض طلبة العلم كأنه خلاص ما في عنده إلا الشيخ الألباني، معنى: يقول: معنى كأنه يرى أن الشيخ الألباني معصوم، لكن ليس هكذا، معنى: إنما الناس يتبعون الشيخ الألباني لأجل قصورهم في العلم، وهذا الشيخ اجتهد فيأخذون اجتهاده؛ فالمهم: أن أحيانا كما قلنا يكون فيه الشدة يحتاجها، وبعض العلماء تجد بينهم الردود لكن فيها اللين العظيم، مثلا كما قلنا: الشيخ ابن باز يرد بعضهم على بعض، لكن فيه اللين؛ أحيانا الشيخ مثلا يتكلم على المسألة مثل ما قال: بدع حجازي هذا الوضع بعد الركوع وكذا، لكن الغالب أن بينهم المودة، وإنما هذا فقط لأجل المسائل، لأجل التشديد في المسائل. فالمهم: أن الدعوة إلى الله عز وجل تحتاج لهذه المرات، منهم من يكون بالحكمة، واللين والعقل، أن يحتاج لشدة، ومنهم من يحتاج لموعظة، موعظة إما كلامية وإما فعلية، ومنهم من يحتاج إلى مجادلة، لكن بالتي هي أحسن، معنى: ما جعل ما في هناك جدال بالتي هي أسوأ؛ فالذي يسب ويشتم هذا ما عرف الجدال، ما عرف أنه كيف يجادل الناس. طيب، قال: في رواية: «إلى أن يوحد الله»، قال: «فليكن أول ما تدعون إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله»، لو قال قائل: كيف يدعو أهل الكتاب إلى توحيد الله؟ أليس من الموحدين؟ معاملة المسلمين لأهل الكتاب على أنهم من الموحدين هذا صحيح: أنهم من الموحدين في شيء، لكن أشركوا بالله؛ فقولهم: أن عيسى بن الله هذا شرك وكفر، وقول اليهود: عزير بن الله هذا شرك أيضا؛ فلهذا فهم مشركون أصلا، لكن لأنهم كانوا يعملون ببعض الكتاب فصار معاملتهم غير معاملة المشركين؛ لأنهم يعرفون الله، بل بعضهم يتقرب إلى الله مثل النصارى، معنى: تجدهم طول اليوم وهو يصلي، وطول اليوم وهو يذكر الله، معنى: هم يعرفون الله، لكن ما عرفوا التوحيد، اختل عندهم التوحيد؛ فيحتاجون إلى الدعوة إلى التوحيد أولا، مثل الآن بعض الإخوان المسلمين يقولون: كيف تدعون إلى التوحيد عند المسلمين؟ أنا بعض الإخوان أنا يظن نفسه أنه مفكر وأنه يحاج ويقولون: أنتم دعوة التوحيد، دعوة التوحيد تدعون المسلمين إلى التوحيد، أليس المسلمون موحدون؟ نقول: نعم، الأصل أن المسلم هم موحدون، لكن اختل عندهم هذا التوحيد، اختل التوحيد؛ وأيضا حتى لو لم يختل فالمسلمون يحتاجون إلى تذكير؛ النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه رب أصحابه وأخرج من قلوبهم كل التعلق بغير الله، وأخرج من قلوبهم الشرك بكل أنواعه؛ حتى أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب»، معنى: خلاص يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لشدة التوحيد عندهم، ولكن الشيطان ما يعلم الغيب، لكن بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان أيس أنه يعبد؛ لأن التوحيد انتشر، وأيضا ليس انتشار عادي، بل بقوة؛ مع هذا إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكرهم في المجالس يذكرهم بتوحيد الله عز وجل في المجالس، بل آخر حياته عليه الصلاة والسلام كان يذكرهم بعدم تعظيمه مثل ما فعلت اليهود والنصارى؛ كان يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، أن هذا أيضا من التوحيد، ومن وسائل الشرك التي وقع فيها اليهود والنصارى؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرهم في آخر حياته؛ فالمسلم يحتاج حتى ولو لم يختل توحيده، ويحتاج إلى التذكير؛ فكيف وأن أكثر المسلمين الآن اختل توحيدهم؟ أكثر المسلمين سواء كان من الشيعة أو من الصوفية؛ انظر إلى العدد التي تأتي إلى زيارات القبور الشركية في مصر وفي إيران وفي كذا من البلدان، في إندونوسيا، معنى: يحضرها ملايين، معنى: زيارة الحسين أحيانا يقولون: يحضرها أكثر من ثلاثة ملايين، معنى: مثل الحج أو أكثر من الحج؛ أن هذا يدلك على أن أكثر الناس في غفلة عن التوحيد؛ فكيف يقال: أنكم تدعون أهل الإسلام إلى التوحيد؟ أن هؤلاء يحتاجون إلى الدعوة إلى التوحيد؛ لأنهم قد ضيعوا التوحيد، ضيعوا التوحيد؛ فلهذا لابد من الدعوة إلى هذا التوحيد؛ حتى لأهل الكتاب، وكذلك حتى لأهل الإسلام الذين أخلوا بتوحيد الله عز وجل، بل حتى ولو لم يخلوا فإنهم يذكرون بهذا التوحيد؛ ولهذا من أعظم ما يعتصم به العبد بإذن الله عز وجل أنه يتقوى في مسائل العقيدة؛ لماذا؟ أولا: يثبت على الطريقة، وغالبا من يزل عن طريق أهل السنة أو طريق الالتزام هو من لم يترسخ في العقيدة؛ فإن العبد إذا ترسخ في العقيدة أولا علم أنه على الحق، ثم بعد ذلك علم أن هناك من يناوئ ويعارض هذه العقيدة؛ فلهذا تجد عنده حماسا وعنده شيء يزعه ويدفعه إلى أنه يدعو الناس إلى الخير، يدعو الناس إلى التوحيد، وغيرها من هذه الأمور التي تكون؛ فلهذا الثبات في العقيدة ودراسة العقيدة معناه: يثبت العبد، يثبت العبد على الطريقة الصحيحة؛ ولهذا أكثر ما أضاع كثير من الإخوان المسلمين؛ تجدوا اليوم متلبس فيه لحية وكذا، وغدا كذا، حالق لحيته ويلبس البنطال ويذهب إلى ما يشتهي؛ أنهم ما تربوا على العقيدة الصحيحة، ما يتربون على العقيدة، ولا يدرسون؛ يقول: هذا يفرق المسلمين، أنا تبجحون بهذا؟ أن علم العقيدة وعلم الأسماء والصفات هذا يفرق المسلمين؟ وأن الناس خلاص قد جفو هذه الكتب كما قال محمد بن سرور: أن الناس جفو هذه كتب العقايد، ما فيها إلا نص أو حكم؛ ما الناس خلاص تركوا مثل هذه الأشياء؛ فإذا كان نص وحكم معناه: إيش تريد أنت؟ هذا الإسلام، هذا الدين؛ يريدون كما قال الشيخ الفوزان: يريدون أفكارا، أفكارا، ما يريدون نصا وحكما؛ فالمهم: أن الدعوة إلى التوحيد لابد أن الإنسان يعلم من الذي يدعوه. فقال: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله»، فإن هما طاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ بعد أن يتعلموا التوحيد ويعرفوا التوحيد يدعوهم إلى الشرائع. قال: «فإن هما طاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، فإن هما طاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم؛ كرائم الأموال هي أفضل الأموال، وإنما يأخذ من وسط، لا يأخذ من الرديء، ولا يأخذ من أفضل الأموال، وهذا معروف في الزكاة؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الأشياء التي لا تأخذ قال: «لا تأخذ هزيلة، ولا ذات هارم، ولا ذات عوار، ولا ما ربى»، معنى: ما جعله الإنسان للتربية، ولا الأكلة التي تعد للأكل؛ أنا أنظر: ذكر أشياء رديئة، وأشياء من أفضل الأموال؛ فلا تأخذ هذا، إنما يأخذ من الوسط؛ وإياك وكرائم أموالهم، قال: «واتقي دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب». وهنا قال: دعوة المظلوم، لم يفرق بين مسلم وكافر، بين عاص وطائع؛ فكل دعوة المظلوم اتقيها، واتقي دعوة المظلوم؛ عنه أنه أرسله إلى أناس كفار، لكن قال له: اتقي دعوة المظلوم، لا تظلم أحدا، لا تأخذ مال أحد؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. قال: «أخرجاه البخاري ومسلم»، قال: «عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لا أعطي الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه»، أنا هذه صفة عظيمة: أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وهذا أعظم؛ ليس الشأن أن العبد يحب الله، لكن الشأن أن الله عز وجل يحبه هو أعظم؛ فيتوصل إلى محبة الله عز وجل وإلى مرضاته بأن الله عز وجل يحبه؛ لهذا جاء في حديث الأولياء: «ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»، معناه: صار موفقا، وفقه الله عز وجل في كل أعماله، وفي كل أقواله؛ فهذا هو خير أمنية للعبد: أنه يحبه الله جل وعلا؛ وكلما ازداد العبد محبة إلى الله عز وجل كلما أحبه الله عز وجل أعظم، ووفقه أكثر. قال: «فلما أصبح قال: لمن أعطي الراية غدا؟ يفتح الله على يديه»، فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يعطاها؛ أن كلهم يريد هذا الخير، ليس لأجل الولاية أو ليس لأجل الراية، وإنما لأجل ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله؛ فلهذا كلهم أراد أن يعطاها؛ حتى قال عمر: «ما تمنيت الخلافة إلا يومئذ»، ما تمنيت أن أكون خليفة إلا يومئذ؛ ولهذا تجد الصحابة رضي الله عنهم ما يتمنون هذه الخلافة أو الرئاسة وكذا إلا في أمور الخير؛ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله»، منزلة عظيمة: يقاتل على تأويل القرآن، على تفسيره، يقاتل له ناس مثل ما قاتلت على تنزيله؛ قال أبو سعيد: «فاستشرفنا لها»، معنى: كلنا يريد هذه المرتبة: أنه يكون مثل النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل الناس على تأويل القرآن؛ فأراد كل واحد أن يعطاها؛ فقال: «إنما هو خاص في النعل»، يريد عليا رضي الله عنه؛ لأنه كان يخصف نعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «فدعا علي بن أبي طالب، فقيل له: إنه يشتكي عينيه، عن به رمد»، قال: «فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق في عينيه»، أن البصق هنا إخراج شيء من التفل، وهذا من البركة، ودعا له فبرأ؛ وهذا يدل على أن البصق لا يكون بدون دعاء؛ ولو يقول الإنسان: بسم الله، وأنا لابد أن يذكر الله عز وجل؛ لأن الرقية ما تكون بالبصق فقط؛ فالآن بعض الناس مثلا عندهم يقولوا: عندنا الرقية، وتجد ما يتكلم، فقط يأتي وينفث في الجرح أو في الماء ويعطيه الذي يشرب مثلا؛ فإن كانت هذه الرقية بدون كلام فهذه ليست رقية صحيحة، وإن كان ما نقول أنها شرك، لكنها ليست رقية صحيحة؛ لابد أن يكون فيها ذكر؛ فإن كان ذكر الله عز وجل وأتى بأشياء لا تفهم فهذا غالبا أنه يستغيث بالجن ويأتي بالطلاسم، هذا سحر؛ وأما إن كان فيه ذكر الله ولو يقول: بسم الله، وليقول: بسم الله البركة من الله، فمدام أنه يذكر الله عز وجل فهذه رقية؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم دعا له فبرأ. قال: «كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، قال: انفذ على رسلك»، أنا لا تسرع، حاول أن تتمهل؛ حتى تنزل بساحتهم، ثم أدعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، معنى: من الشرائع، الصلوات وكذا؛ بعدما تخبرهم بالإسلام، فإن قبلوا أخبرهم بالشرائع؛ فوالله لا يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم؛ وهذا أيضا أسلوب من أساليب الدعوة