الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 81، ألقاها
يتميز أهل السنة بحبهم لعلماء السنة والحديث مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس، وبغضهم لأهل البدع. يُعتبر حب هؤلاء العلماء دليلاً على التمسك بالسنة.
يُنبه علماء السنة إلى خطورة أهل البدع وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال، ويُميزون بين البدع الكفرية وغير الكفرية ومآل أصحابها، مشيرين إلى أن أهل السنة يدعون إلى الله ويرجون رحمته.
يُذكر في هذا الفصل بعض أئمة السنة الذين تمسكوا بها وناصروها ودعوا إليها، مشيراً إلى أهمية دورهم في الحفاظ على السنة ونشرها، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحابته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: "إحدى علامات أهل السنة حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأهل البدع الذين يدعون إلى النار ويدلون أصحابهم على دار البوار". وقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة فضلًا منهم جل جلاله ومنة. هذه علامة من علامات أهل السنة والجماعة، كما قرر ذلك الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله. فمن علامات أهل السنة والجماعة حبهم لعلماء السنة، لعلماء الإسلام، لعلماء الحديث رحمهم الله. فهذه علامة ظاهرة من علامات أهل السنة والجماعة، بها يميز السن من غيره، وبها يعرف من هم أهل السنة والجماعة ومن هم ممن ليسوا من أهل السنة والجماعة، وإنما هم من أهل الأهواء والبدع. فهذه العلامة، كما ذكر، هي حبهم لعلماء السنة والحديث، حبهم لعلماء السنة والحديث أينما كانوا وحيثما كانوا، في أي زمن كان وفي أي مكان كان، يحبونهم لما هم عليه من الاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يحبونهم لما هم عليه من نصرة دين الله جل وعلا، وإعلاء منارات الإسلام، وإظهار السنن، وإخماد البدع، وإظهار هذا الدين بأحلى وأجمل وأحسن وصف كما أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وينفرون كل من يخدش أو يزيد أو ينقص من هذا الدين، يحذرون من أهل الأهواء والبدع. فأهل السنة والجماعة إحدى علاماتهم أنهم يحبون العلماء، فمتى رأيت الرجل يحب العلماء ويجل العلماء ويقدر العلماء، علماء السنة الأحياء منهم والأموات، ممن كان على خير واستقامة وصلاح وحسن ذكر، فهؤلاء يحبون أينما كانوا وحيثما كانوا. قال رحمه الله: "وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار"، هذه من علامات أهل السنة والجماعة. فقلب العبد لا بد أن يكون فيه حب وبغض، فهم يحبون أهل العلم، أهل الحديث، أهل الاستقامة، أهل الصلاح، أهل الخير، ويبغضون من كان على خلاف هؤلاء من أهل الأهواء والبدع. وهل معنى هذا أن أهل البدع أو أن المبتدع يدعون صريحًا إلى النار، يقولون للناس يقولون لأتباعهم هلموا إلى النار بلسان المقال؟ الجواب: لا، ولكن مآل من اتبعهم -إن لم يتغمده الله جل وعلا برحمة- ممن كان عن الإسلام إليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وصف علماء السوء، وعلى رأسهم أهل البدع، وصفهم بماذا؟ قال في وصف هؤلاء: "أنهم أناس يدعون إلى النار". فيه: "اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا، ضلوا هم في أنفسهم وأضلوا غيرهم، فأخرجوهم عن الصراط المستقيم إلى ما سواه". وكما جاء كذلك في الحديث الآخر في وصف علماء السوء: "أنهم على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها". أي: هذا حالهم، وإن لم ينطقوا بألسنتهم. فمثلًا البدع -كما هو معلوم- عند أهل السنة والجماعة تنقسم إلى قسمين: إلى بدع كفرية مخرجة عن ملة الإسلام -كالجهمية وبدعة الرافضة- ومن البدع بدع لا تخرج عن ملة الإسلام -كبدعة الأشاعرة-. فأما أصحاب الصنف الأول: من أجابهم قذفوه فيها، إذا كان عالما بمنهجهم ودخل معهم وصار منهم، فإنهم -والعياذ بالله- يصدق عليه هذا الوصف: "لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار ويدلون أصحابهم على دار البوار". يدلون أصحابهم على دار البوار، ما يدلونهم على طريق الله جل وعلا المستقيم، ولا على صراطه القويم، بل يصرفون الناس عن هذا الصراط المستقيم. وأما من كان من أهل البدع غير المكفرة، فهو داخل تحت مشيئة الله جل وعلا، داخل تحت مشيئة الله جل وعلا كغيره من أصحاب الكبائر والذنوب، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه بحسب ما عنده من الذنوب والمعاصي؛ لأن البدع من كبائر الذنوب. إذن، بغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار -يدعون إلى النار- باعتبار أنهم لا يدعون إلى الله؛ لأن الطريقة: إما طريق إلى الله جل وعلا، إلى رحمة الله جل وعلا، إلى جنة الله جل وعلا، وإما طريق آخر إلى الشيطان، إلى غضب الله جل وعلا وسخطه، إلى النار والعياذ بالله. فأهل السنة والجماعة من أهل الصراط الأول، من أهل الطريق الأول، يدعون إلى الله ويرجون رحمة الله جل وعلا وجنة، وأهل الأهواء على خلاف ذلك. قال رحمه الله: "وقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة فضلًا منه جل جلاله ومنة". فهذه نعمة عظيمة ومنة كريمة من الله الكريم المنان جل وعلا، أن يمن على العبد بأن يكون قلبه محبًا لأئمة السنة، لعلماء السنة والحديث، مجلًا لهم، موقرًا لهم، معظمًا لهم. قال رحمه الله: "أخبرنا الحاكم أبو عبد الله -أسكنه الله وإيانا الجنة- قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن الفاضل المزكي، قال: حدثنا أحمد بن سلمة، قال: قرئ على أبي رجاء قتيبة بن سعيد -الإمام المعروف الجليل- كتاب الإيمان له. قال: فكان في آخره: فإذا رأيت الرجل يحب سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وشعبة، وابن المبارك، وأبا الأحوص، وشريكًا، ووكيعًا، ويحيى بن سعيد -أي القطان- وعبد الرحمن بن مهدي، فاعلم أنه صاحب سنة". هذا تقرير لما تقدم من أن من علامات أهل السنة والجماعة أنهم يحبون علماءهم، علماء أهل السنة والجماعة. ومفهومه: أن من أبغضهم، فاعلم أنه صاحب بدعة. قال: "فلما انتهى إلى هذا الموضع، نظر إلينا أهل نيسابور، وقالوا: هؤلاء القوم يبغضون يحيى بن يحيى". أهل نيسابور يقولون: نظر هؤلاء إلى قوم، فقالوا: هؤلاء يبغضون يحيى بن يحيى النيسابوري الإمام. فقلنا له: يا أبا رجاء، ما يحيى بن يحيى؟ قال: رجل صالح، إمام مسلمين. وفي هذا دليل لما يقرره أهل السنة والجماعة من الامتحان بالأشخاص، من أن هؤلاء ميزان يوزن بهم الناس. فمن رأيت إذا رأيت الرجل يحب هؤلاء -يحب فلانًا وفلانًا وفلانًا- فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيتهم يبغض فلانًا وفلانًا، فاعلم أنه صاحب بدعة. قال الصابوني رحمه الله: "وأنا ألحقت بهؤلاء الذين ذكرهم قتيبة -رحمه الله- أن من أحبهم فهو صاحب السنة، من أئمة أهل الحديث الذين بهم يقتدون، وبهديهم يهتدون. ومن جملتهم: محمد بن إدريس الشافعي، الإمام المقدم، والسيد المعظم العظيم المنهل على أهل السنة، على أهل الإسلام والسنة، الموفق الملقن الملهم المسدد، الذي عمل في دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من النصر لهما والذب عنهما ما لم يعمل أحد من علماء عصره. ومنهم: سعيد بن جبير، والزهري، والشعبي، والتيمي، ومن بعدهم: الليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وسفيان، وسفيان بن عيينة، وحماد بن سلام، وحماد بن زيد، ويونس بن عبيد، وأيوب، وابن عون، ونظراؤهم. ومن بعدهم: مثل يزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وجرير بن عبد الحميد. ومن بعدهم: مثل محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، وأبي داود السجستاني، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، وابنه، ومحمد بن مسلم بن وارة، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة -الذي كان يدعى إمام الأئمة-، وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل البستي، ويحيى بن منصور الزاهد الهروي، وعدي بن حمدويه الصابوني، وولديه: سيف السنة أبي عبد الله الصابوني، وأبي عبد الرحمن الصابوني، وغيرهم من أئمة السنة الذين كانوا متمسكين بها، ناصرين لها، داعين إليها، دالين عليها. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين.