التعليق على العقيدة الطحاوية 10

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 10، ألقاها

مقدمة في صفات الله تعالى وغاية الخلق

يشرح المقطع صفات الله تعالى مثل كونه خالقًا ورازقًا، ويبين غاية خلق الجن والإنس وهي عبادة الله وحده. يُؤكد أن الله غني عن خلقه وهم محتاجون إليه.

أقسام الرزق ووجوب شكر الله

الرزق ينقسم إلى نوعين: عام للمخلوقات كلها، وخاص للمؤمنين مثل العلم النافع والعمل الصالح. يجب شكر الله على الرزق العام وإنفاق الرزق الخاص في سبيل الله.

فضل التوكل على الله في طلب الرزق

السعي إلى الرزق يكون بالتزام الحلال والتوكل على الله. الله يزيد في رزق العبد وييسر له رزقه إذا توكل عليه وأخلص له الدعاء.

كمال صفات الله في الخلق والرزق وتأثيرها

خلق الله السماوات والأرض ورزق عباده بلا تعب أو مؤنة، مما يدل على كمال صفاته. هذه الصفات تبين عظمة الله وقدرته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الحافظ العلامة أبو جعفر والطحاوي رحمه الله في عقيدته التي ألفها، وذكرنا بعض العبارات التي ذكرها فيما سبق، وهو يقول: «ولا يشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام». ثم قال رحمه الله: «خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة، باق بلا مشقة». فهذا الكلام أيضًا فيه ثناء على الله جل وعلا، وفيه أيضًا من أسماء الله سبحانه وتعالى التي أثبتها الله عز وجل لنفسه في كتابه العظيم، وهي الخالق والرازق. فربنا سبحانه وتعالى خلق الخلق، وهو ليس بحاجة لهم، فهو لم يخلق الخلق ليستكثر بهم من قلة، ولا ليستغني بهم من عجز، فهو خلقهم بلا حاجة لهم، فهو مستغني، فهو الغني الحميد جل وعلا. ولهذا جاء في حديث بُدَيل الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله، وغَوْرُه عنه أبو مسلم الخولاني رحمه الله -أو أبو دريس، أقصد الخولاني- عمن بُدَيل رضي الله عنه، أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عز وجل: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا». وقال في نفس الحديث هذا: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا». إنه لو كان الناس كلهم كفارًا، فهذا لا ينقص في ملك الله عز وجل، فالله عز وجل غني حميد. وقال الله عز وجل في سورة إبراهيم: ﴿وَقالَ مُوسى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، فالله عز وجل يذكر أنه لو كفر الناس كلهم، كانوا على أفجر رجل، ما نقص من ملك الله عز وجل شيئًا. فهو ربنا جل وعلا خلقهم ليس لاستكثار به، وليس لأجل حاجة، بل هو الغني سبحانه وتعالى، بل خلقهم، وأيضًا سخر لهم النعم، ورزقهم سبحانه وتعالى. وبينا ربنا جل وعلا الغاية من خلق الجن والإنس، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، فربنا جل وعلا غني سبحانه وتعالى، ليس محتاجًا للخلق، بل الخلق محتاجون إليه، فما قال الله عز وجل: «يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد». فلهذا فربنا جل وعلا خلق الخلق لعبادته، وليس لأجل أنه محتاج لأن يخلقهم، سواء كان الجن أو الملائكة أو الإنس، فكلهم كذلك. فربنا جل وعلا خلقهم لغاية حميدة، ولهذا لما أراد أن يخلق الإنس اعترضت الملائكة، وقالت: «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ لنحن نعبدك يا رب، لماذا تجعل في هذه الأرض من لا يعبدك ومن يخالف أمرك؟» فقال الله عز وجل: «إني أعلم ما لا تعلمون». فالله عز وجل له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. فلو شاء لهؤلاء الناس جميعًا، وهذا خلقه جميعًا، فلهذا فربنا جل وعلا له الحكمة البالغة جل وعلا، وأفعاله كلها حكمة. وخلق الخلق لحكمة، ليس لحاجة له، وإنما لحكمة وغاية أرادها ربنا جل وعلا. فقال: «خالق بلا حاجة، ورازق بلا مؤنة». والرازق هو الله سبحانه وتعالى، رزق العباد، وسخر لهم الرزق، مؤمنهم وكافرهم، فهو سبحانه وتعالى يرزق كل من في الأرض، بل كل دابة، فربنا جل وعلا يرزقها. أو كما قال: «ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها». فالرزق كما قال العلماء جاء في الأدلة على نوعين: الرزق جاء في الأدلة على نوعين: رزق عام يشترك فيه كل الناس، ورزق خاص. الرزق العام هو الطعام والشراب الذي سخره الله عز وجل للناس، والأموال، فهذا القسم داخل في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، هو الذي يرزقهم سبحانه وتعالى. وأما الرزق الخاص فهو ما يكون من العلم النافع والعمل الصالح ونفع الناس، فهذا رزق خاص يرزقه الله عز وجل من يشاء من عباده، من أناب إليه جل وعلا، ومن أطاعه سبحانه وتعالى. وإلا الرزق الذي هو الأكل، فهذا مصروف لكل أحد، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، قال صلى الله عليه وسلم: «حدثني الصادق المصدوق أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين...». وجاء في غير الصحيحين: «ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، حتى قال عليه الصلاة والسلام: ثم يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، فيكتب رزقه منذ أن يخلق قبل أن يخرج من بطن أمه». فرزقه مكتوب له، وقد سخره الله عز وجل، سواء كان كافرًا أو مؤمنًا، لكن المؤمن يشكر الله على هذا الرزق، والكافر يمكر ويصد ويجحد، وغيرها من هذه العبارات التي تكون فيها عدم الشكر لله جل وعلا. كذلك الرزق الخاص وهو العلم النافع والعمل الصالح، فهو أيضًا الرزق. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وهذا الرزق يدخل في قول الله جل وعلا: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، فهذا مما رزقناهم ينفقون، أي سواء كان بالرزق العام أو الرزق الخاص. الرزق العام، أي من كان عنده مال، أو عنده طعام، أو عنده كذا من هذه الأموال أو هذه الأشياء التي تكون فرضها الله عز وجل عليه، وإخراج الزكاة منها، فيخرج من هذه الزكاة. ومن كان عنده علم، فهو الرزق الخاص، أيضًا ينبغي عليه أن ينفق هذا العلم، لا يختبئ ولا يخبئ هذا العلم. وإنفاق العلم يكون بالعمل، وبالدعوة إليه، وببثه بين أهله وبين الناس، فهذا يعتبر داخلًا في هذه الآية: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. ولهذا تجد كثيرًا من الناس يتعلم العلم، ويكنز هذا العلم أولًا لا يعمل به كثيرًا، وكذلك لا يبثه بين الناس، ولا يعلم الناس، فيكنز هذا العلم في صدره، وهذا خطأ. فهذا العلم إنما يزيد بكثرة الإنفاق منه، يزيد بكثرة الإنفاق منه. وإن قبض هذا الشخص يده من هذا العلم، فإنه أيضًا لا ينتفع به، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لأنه لم يعمل بهذا العلم، ولم يعلم به الناس. قال: «خالق بلا حاجة، ورازق بلا مؤنة». فالآن كما قلنا أيضًا السعي إلى الرزق، قال شيخ الإسلام رحمه الله: أيضًا السعي إلى الرزق على قسمين: سعي بالتكسب، سواء كان هذا الرزق من الرزق العام أو من الرزق الخاص، يكون بالسعي بالتكسب، مثلًا إن كان الرزق الذي يكون من الدنيا، معناه يتكسب، يعمل، يذهب إلى وجوه العمل، يعمل بهذا العمل أو لأجل أن يكسب هذا الرزق الحلال. ويدخل في ذلك أيضًا ما يكون من الرزق الحرام والمكاسب المحرمة. والأمر الثاني أو السعي الثاني يكون بأمر خاص، وهو التوكل على الله جل وعلا، والدعاء، وكذلك الإخلاص لله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يزيد في رزق العبد من ناحية الحلال، ويسر له أيضًا رزق الحلال بمثل هذه الأمور. وكذلك أيضًا بالرزق الخاص، فإن الداعي إلى الله أو الذي يدعو الله سبحانه وتعالى، وتوكل على الله، يزيده الله عز وجل علمًا وعملًا، يزيده الله عز وجل علمًا وعملًا، لأنه لجأ إلى الله وتوكل على الله سبحانه وتعالى، فهو في كنف الله سبحانه وتعالى، وفي حفظه وفي كلاءته. فلهذا يحفظه الله عز وجل، ويزيد في علمه وعمله. وكم من عالم لم يطلب العلم كثيرًا، لكنه كانت عنده تقوى وتوكل على الله، ولجوء إلى الله، فرفعه الله عز وجل على كثير من أقرانه. كان شيخنا مقبل رحمه الله يقول: الشيخ ابن باز رحمه الله لم يطلب علم الحديث كثيرًا، لكن وفقه الله بالإخلاص والتواضع، حتى أنه ألف كتبًا في الحديث، يفرد حديثها، وأيضًا يحكم على هذه الأحاديث، وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى. فكلما زاد العبد تقربًا إلى الله مع أخذ بالأسباب، ليس المراد أن العلم يأتي هكذا، لا، العلم يحتاج إلى تكسب، وهو أن الإنسان يدرس ويتعلم هذا العلم عند المشايخ، عند طلبة العلم. فاجتهاده في طلب العلم أيضًا له دور، مع التوفيق من الله عز وجل، واللجوء إلى الله. فليعان على الله، الله عز وجل هو الذي يعينك على الصبر على طلب العلم. وأما الإنسان إذا يرجع بسرعة، فهذا قد لا يتحصل على ذات العلم، لكن يجتهد ويحاول بكل ما أوتي من جهد أنه يطلب العلم، ويذاكر العلم، ويعمل بهذا العلم أيضًا، حتى يبارك الله عز وجل فيه. وكما قلنا: كم من عالم، وكم من طالب علم، ليس تحصيله بذات التحصيل، لكن رفعه الله عز وجل بسريرة عنده، سريرة بينه وبين الله، والتجاء إلى الله، وتوكل على الله. فبهذا تجد أنه يفوق أقرانه، وتجد كثيرًا من الناس يدرس سنين كثيرة، ولا يوفق، أو يكون عنده حصيلة، لكن حصيلة قليلة. ويأتي إنسان بعده، ويطلب العلم، ويوفقه الله عز وجل بسبب إخلاصه وتواضعه وأخلاصه، فيوفقه الله عز وجل، فيكون أفضل من ذلك، مع أن طلبه أقل منه. فهذا يعتبر من الرزق الذي يرزقه الله عز وجل لخواص عباده، فهذا يعتبر كذلك من الرزق. فقوله: «خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة». وقوله: «رازق بلا مؤنة»، أي بلا كلفة ولا مشقة. فسبحانه وتعالى يسخر لكل أحد رزقه جل وعلا. وكما جاء في الحديث: حديث بُدَيْل: «لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا على صعيد واحد، وسأل كل واحد مسألة، فأعطيته، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، إلا مثل ما ينقص البحر إذا غمس فيه الإبرة». أنظروا بما يخرج، ما يخرج، بلا شيء، قليل، قطرة من بحر، قطرة من بحر. فلهذا فربنا جل وعلا يخلق ويرزق بلا مؤنة ولا كلفة. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، أي من تعب، ولا كلفة، ولا شدة. وأرزقكم بلا مؤنة، أراد أن يبين أن رزقه كمال سبحانه وتعالى. وخالق بلا حاجة، أيضًا هذه صفة الكمال، صفة كمال الله جل وعلا. فهو خلق الخلق غير محتاج لهم، ورزقهم، وأيضًا بلا كلفة ولا مشقة، وهذا من كمال صفاته وأسمائه سبحانه وتعالى. فهذا ما يذكر في هاتين العبارتين، وهو قوله رحمه الله: «خالق بلا حاجة، رازقهم بلا مؤنة». فلكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على