الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 121، ألقاها
يقرر المقطع بطلان تصديق الكهان والعرافين ومن يدعي علم الغيب أو الولاية المكشوفة مخالفاً للكتاب والسنة والإجماع، مستشهداً بأقوال الجنيد وابن تيمية في الرد على دعاوي المتصوفة كالحلاج وابن سبعين، ومؤكداً أن من يدعي المكاشفة بالغيب المستقبلي كاذب.
يسرد المقطع قصة عبد القادر الجيلاني حين رفض صوتاً حatifاً زعم تحليل المحرمات، محتجاً بأن الله لم يحل ذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم، محذراً من اتباع الكشوف والأصوات المخالفة للوحي، ومبيناً أن من لم يترب على منهج السلف يسقط في مهالك الشيطان فيستحل الحرام أو يترك الواجبات زاعماً الولاية.
ينفي المقطع صحة ادعاء علم الغيب أو كشف ما في البيوت مبيناً أنه من فعل الجن والشياطين إلا ما خص به الأنبياء، ويميز بين الكشف الحسي للحاضر والفراسة التي هي استدلال بقرائن، ويذكر ثلاثاً من مفاتح الغيب التي ادعى الكهان علمها: تمييز الشقي من السعيد، علم الغيب، وعلم ما في الأرحام، مؤكداً أن الله استأثر بها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي الوراق -رحمه الله-: «ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا، ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة». أخذنا قول المؤلف: «لا نصدق كاهنًا ولا عرافًا». ذكرنا بعض المسائل هنا، قوله: «ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة». والظاهر أيضًا أراد أن يبين أنه قد يعلم الناس، خاصة من يتعلم أو يسمع من الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قد يحذر من هؤلاء الكهنة والعرافين. لكن هناك من يدعي الولاية، يدعي الصلاة، ويدعي العبادة، وهو كذلك أيضًا حاله كحال الكهنة والعرافين: يدعي علم الغيب، ويظهر أشياء تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فغالبًا الذي يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة يأتي بأقوال شاذة، لكن هو الآن يريد الذين يدعون كادعاء الكهنة والعرافين في علم الغيب. وهذا قد حصل في زمن المؤلف وما بعده، خاصة كثيرًا من أهل التصوف. ظهر في ذلك الوقت الحلاج وابن سبعين وغيرهم من المتصوفة، زعموا أنهم تركوا طريق التصوف القديم والزهد، وأظهروا أشياء تخالف دين الله -جل وعلا-، وادعوا علم الغيب، يدعون لهم المكاشفة المستقبلية التي لا يدعيها أحد من عباد الله -عز وجل- إلا ما كان من رسول، فإنه قد ذكر ربنا -جل وعلا- أنه يطلعه على الغيب، يكشف له شيئًا من الغيب. أما الأولياء فلم يأتِ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا في القرآن، وكذلك عن الأئمة، أنه يكشف لأحد من الغيب المستقبلي لأحد من أولياء الله. ولهذا فالذين يدعون أنه كشف لهم شيئًا من الغيب فإنهم كاذبون. ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- دائمًا يذكر القصة التي جاءت عن الجنيد -رحمه الله-، لأن هذه القصة تحكي لك طريقة هؤلاء، وأنهم يأتيهم الشياطين ويظنون أنه كشف ووحي. لهذا قال -أو جاءت عنا-، أقصد عن الجيلاني، عن الجيلاني. وإنما الجنيد كان يقول: «لا نقبل من أحد على هذه الطريقة يأتينا بشيء إلا بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- معنا». إذا دعا الإنسان شيئًا من كشف أو ذوق أو غيرها من هذه الأشياء التي انتشرت عند أهل التصوف، فلا نقبل إلا ما جاء بالكتاب والسنة. وأما عبد القادر الجيلاني فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أنه ذات مرة كان يمشي فجاءه صوت حاتف، كما يسمونه، هatifًا: «يا عبد القادر، إني قد أحللت لك ما حرمت، إني قد أحللت لك ما حرمت». يعني: لك أن ترتكب أي شيء من المحرمات لأنني قد أحللتها لك. فقال عبد القادر: «اخسأ يا عدو الله، اخسأ يا عدو الله». فقيل له: كيف عرفت أنه الشيطان؟ قال: لأن الله -عز وجل- لم يحلها لنبيه -عليه الصلاة والسلام-، لو كان أحل الله -عز وجل- حرامًا لأحد لا أحله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-، فكيف يحله لي؟ وهذا نفعه أنه كان على الكتاب والسنة، وأيضًا نفعه أنه كان على طريقة السلف وطريقة صحيحة، وأيضًا قد درس عند أهل السنة من أصحاب الإمام أحمد. لكن غيره تجده أنه يذهب في مثل هذه الأشياء، الذي لم يتربَ عند أهل السنة ولم يتربَ على السنة، غالبًا يسقط في مثل هذه المهالك، فيظن أن الله -عز وجل- هاتفه، وأن الله -عز وجل- كشف له كذا وكذا. لهذا ظهر من أهل التصوف من يفعل الحرام مجاهرة، ويظن أن هذا ولاية، على أن الله -عز وجل- قد أسقط عنه مثل هذه الأشياء. بل بعضهم لا يصلي، وبعضهم يظهر للناس أنه يصلي في الحرب. فإذا أنكر عليه، إذا أنكر عليه: لماذا لا تصلي؟ قال: أنا أصلي، ما أصلي معكم، أصلي في الحرب. ويأتون من القصص أنه رؤيا رآه فلان في الحرب وأنه كذا. فهذا كله كذب، وإن كان مثلًا حقيقة فهو من تمثل الشياطين، لأن هذه الأشياء لا تحصل إلا لهؤلاء الذين عشعشت الشياطين على رؤوسهم، فكانوا يعينونهم على ذلك، يعينونهم على الدجل والكذب للناس. لهذا فقد يدعي بعضهم أنه يصلي في الحرب، وتأتي كما قلنا القصص أنه رؤية بالحرب وأنه رؤية بكذا. وأيضًا أحيانًا بعضهم يدعي أنه يكشف ما في البيوت، وأنه كيف يدري بأهل القرية كلهم، كما يدعي بعض العلويين قديمًا أنه يعرف أهل القرية كلهم، هذا ما إيش عنده في بيته وهذا عنده، يكاشفهم في بيوتهم. وغالبًا إن كان مثلًا صحيحًا فهو من فعل الجن والشياطين وإيحاءاتهم لهم، لأن هذه لم تعطَ لأحد إلا لنبي الله عيسى -عليه الصلاة والسلام-. وأما من يدعيها فالغالب أنه كذب، وإن يعطي قد يعطى في شيء خاص من الكشف العلمي، للكشف... كشف الغيب المستقبلي. فإن كشف الغيب المستقبلي ما يكون لأحد، وإلا إن كان مثلًا فراسة، فراسة تفرس بها العبد الصالح، له علامات عنده، أنا غالبًا الله -عز وجل- يجعل فراسة في بعض الأشخاص يستدلون ببعض القرائن على بعض الأشياء التي قد تحصل، وليس هذا من علم الغيب، وإنما هناك قرائن يستدلون بها على هذا الفعل. مثلًا الإمام الشافعي -رحمه الله- كان مذكورًا بالفراسة، فيذكر بعض الأشياء التي قد تحصل من شخص، ليس على سبيل علم الغيب، وإنما على سبيل التفرس والفراسة. ممكن أنها تصيب وممكن أنها تخطئ، وإنما هي مثل العلم أو الذكاء الذي يجعله الله -عز وجل- في بعض الناس، فيستدل ببعض القرائن على ما وجد في تجربة الناس، فيستدلوا بذلك على هذا. وأيضًا كذلك الكشف العلمي معناه: يعلم الله -عز وجل- مثلًا بعض أوليائه على شيء موجود وحاضر، فهذا ممكن، مثل ما حصل لعمر -رضي الله عنه- عندما رأى سارية وهو يخطب، فقال: «يا سارية الجبل، الجبل». فهذا من الكشف العلمي، وليس هو من كشف الغيب المستقبلي. فهؤلاء الذين يدعون أنهم يعلمون الغيب، وأيضًا يدعون الكشف، وهو كشف الغيب المستقبلي الذي يدعيه أهل التصوف، فالغالب أن هذا كذب، وإنما هو من ادعاءات أو من وحي الشيطان لهم، من وحي الشيطان لهم. لهذا تجد أكثر هؤلاء، غالبهم يكونون مثل الكهان والعرافين، مثل الكهان والعرافين، ويدعون أشياء كذبًا وزورًا. مثل ما قال بعض العلويين، وهو الفقيه المقدم كما يسمونه، محمد علي باعلوي، قيل: قال له أخوه: ما أعطاك الله، أو ماذا حرزت من كرامات؟ فقال: هي ثلاث: أعلم الشقي من السعيد، وأعلم الغيب، وأعلم ما في الأرحام. الأشياء التي غيبها الله -عز وجل- عن عباده فهو ادعى علمها، ادعى علم هذه الأشياء التي هي من مفاتح الغيب. فهذا شيء مما يذكر بهذا الباب. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.