مظاهر محبة النبي

مظاهر محبة النبي

المحاضرة بعنوان مظاهر محبة النبي، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأحد 12 ربيع الأول 1446هـ الموافق 15 سبتمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب محبة الرسول وأهميتها

يبرز وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم كعبادة جليلة وقربة عظيمة، مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. تحقيق هذه المحبة يذيق العبد حلاوة الإيمان.

مظاهر محبة الرسول ودلائلها

يتناول مظاهر محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى أن المحبة الحقيقية تظهر في سلوك الإنسان واتباعه لأوامر الرسول، وطاعته، واقتفاء أثره، والتمسك بمنهجه.

إجلال رسول الله ونصرته

يناقش مظاهر إجلال رسول الله ومحبته ونصرته، ويحذر من مخالفة سنته واتباع الهوى، ويبرز أهمية نصرته والدفاع عن دينه وشريعته.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي وآله وصحبه، مع الاعتراف بقدرة الله تعالى واعتباره أعلم، ويختتم بالتسليم على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، فإن مما يناسب ذكره في هذا المقام، وفي مثل هذه الأيام، ما يكون به التذكير بمقام عظيم من مقامات الدين، فهي من أجل الطاعات، ومن أعظم القربات التي يتقرب بها المسلمون والمسلمات إلى رب الأرض والسماوات، ألا وهي التقرب إلى الله جل وعلا بمحبة رسولنا الأمين عليه الصلاة وأفضل التسليم. فإن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم قربة من القرب العظيمة، ومن العبادات الجليلة التي جاء ذكرها في كتاب الله، وفي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، في مواطن كثيرة، وفي نصوص عديدة، كما جاء في قول ربنا سبحانه وتعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، نفسك التي بين جنبيك، وترى أن ما هناك أحد أعظم منها في قلبك، اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بك من نفسك، أولى بك من نفسك التي بين جنبيك. والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وإن الله سبحانه وتعالى قد توعد بالعذاب الشديد والنكال العظيم لكل من قام بالإخلال بهذا المقام من مقامات الدين، قال جل في علاه ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، أي تربصوا بعذاب شديد، ووعيد أكيد توعد به ربنا جل وعلا العبيد إذا أخلوا بهذا الشرط، أنكم تقدموا هذه الملاذ والمحاب من الآباء والأبناء والإخوة والأزواج والدنيا وما حوت أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا. وهذه الآية من أعظم الآيات التي استدل بها العلماء على وجوب محبة الله، ووجوب محبة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهكذا من السنة مما يدلل به على عظم هذا المقام الأدل كثيرا، منها ما جاء في الصحيحين، جاء من حديث أبي هريرة، جاء من حديث أنس، قال «قال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»، كل المحاب ينبغي أن تذاب أمام محبته عليه الصلاة والسلام، لا والد ولا ولد ينبغي أن تقدمه على محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام. بل جاء في البخاري «أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله، إنك والله لأحب إليه من كل شيء إلا من نفسي، فقاله نبينا عليه الصلاة والسلام: لا، لا، هذه ما ينفع»، فحينها تفكر عمر في هذا المقام، وأعاد التفكير كما قال العلماء، ثم نطق فقال «يا رسول الله، إنك والله لأحب إليه حتى من نفسي، قال عليه الصلاة والسلام: الآن يا عمر، الآن نطقت بالصواب وأتيت بالجواب». وهذه الحقيقة الذي ينبغي أن يعتقدها ويعتنقها أهل الإسلام، أن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون له المحبة التي ما يصل إليها أحد من البشر، ما يصل إليها أحد من البشر، وإن العبد المسلم والمسلمة إذا بلغ إلى تحقيق هذا المقام من صدق الإذعان لمحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، حينها سيتذوق حلاوة الإيمان، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس، قال «قال عليه الصلاة والسلام: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، أي إذا بلغ بالعبد هذه المرتبة، أنه يجعل لله ولرسوله من المحبة التي ما يصل إليها أحد من خلق الله، إذا بلغت إلى هذه المرتبة، حينها ستذوق حلاوة الإيمان. وللأسف الذي قليل منا من ذاقها، لعدم إدراكنا لهذه المقام، لهذا المقام السامي، فإخواني في الله، فمقام المحبة، مقام المحبة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، يعتبر من المقامات العظيمة، إلا أن هذا المقام اكتنفه شيء من الغموض، وشيء من التعسف، إذ أننا نجد أن الكثير من المسلمين ممن لربما قد اتفقوا، لا خلاف بينهم على محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، من ذا الذي يصرح ويقول: أنا لا أحبه، ما أحد، ما أحد يستطيع، الكل إذا كان هناك استبانة، وهناك استمارة توزع في جمع الأصوات لاتفقت الأمة على ضرورة محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن المشكلة تكمن كيف يكون ذلك، هنا مربط الفرس، تجد أن الكثير من الناس من لربما يجعل هذه المحبة محبة باطنية، يقول: أنا أحبه، يقول: كيف؟ يقول: في قلبي، يقول: قلبي أنا ينبض ينبض بمحمد رسول الله، ينبض بمحبته وإعظامه وإجلاله، فقط في القلب، ومنهم من لربما يقول: لا، أنا أصرحها، أنا أدعي وأقولها بلساني، أنا أحب رسول الله، أنا أجله، أنا أعظمه، أنا وأنا، بل وها هي الشعارات: لبيك يا رسول الله، فداك يا رسول الله، وبعد هذا لا شيء. أو منهم من لربما يكتفي ببعض المظاهر، ببعض المناسبات، يقيم طقسا من الطقوس، مثل من يقيم المولد النبوي، فقط إذا جاءت هذه المناسبة، في مثل هذه الأيام، أقام المولد، برهنة عن بعض الأعمال والأقوال التي بها يدلل للناس أنهم محب لرسول الله، لكن بعد انتهاء هذا الطقس وهذه المناسبة، لا هو يعرف رسول الله، ولا يعرف شيء من دين الله، يبتعد، ثم يدعي أنهم محب لرسول الله، أين هذه المحبة؟ يشير إلى هذه المناسبة. مثل ماذا؟ مثل الذي يحتفي بعيد الأم، وهو عاق لوالده، عاق لوالده طيلة العام، وهو عاق، فإذا جاءت المناسبة الأسرية والذكرى العائلية، أتى إلى والدته، وهو قاطع لها، فيأتي بهذه الكعكة أو الكيكة، أو يأتي بهذه الهدية المقاطعة، سأقول: خذي يا أمي، اليوم يوم عيد الأم، ثم يقول للناس: أنا والله أحب أمي، بدليل أني ما أقصر معها في عيد الأم، أعطيها هدايا، هل هذا مسوغ؟ وأنت طيلة العام هاجر لها؟ قاطع لها؟ لا، وهكذا قس في حق من يقيمون مثل هذه المناسبة. وهكذا كثير، إخواني في الله، إن العلماء من خلال استقرائهم لنصوص الكتاب والسنة، بينوا على أن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام لابد أن تبرهن في أرض الواقع، لأن ما تذكره هي دعوة، وما من دعوة إلا وتحتاج إلى بينة، ما هو برهانك؟ ما هي بيناتك على ما تدعي؟ أظهر لنا، ولهذا البينات والبراهين إنما تستمد من كتاب الله، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال العلماء: من أعظم ما يكون فيه الإظهار من دعوة محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أولا الطاعة له، بأن تكون مطيعا لأوامره، منقادا لكلامه عليه الصلاة والسلام، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، كان السلف يعبرون عن هذه الآية بأنها آية الامتحان، امتحن الله جل وعلا بها العباد في إظهار الصادق والكاذب في دعواه، وأن البينة تظهر في اتباعه عليه الصلاة والسلام، هذا هو المضمار، هذا هو المضمار. ولهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في أبياته الشهيرة: «لو كان حبك صادقا لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع، إن المحب لمن يحب مطيع»، فإذا كنت يا عبد الله مدعيا لمحبة عليه الصلاة والسلام، برهن لنا في الأرض الواقع مدى الطاعة، مدى الإذعان الذي أنت التزمت به أمام رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذه الأوامر للأسف الذي نجد أن الكثير من الناس من يتبرأ منها، فضلا عن القيام بها، الكثير من أعرض عن أوامر عليه الصلاة والسلام، مع أن العلماء كما قال إمام أحمد وغيره على أن الله قرن طاعة رسول الله بطاعته في أكثر من ثلاثين موطن من القرآن، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، فطاعة الرسول واجبة، وهي من أعظم البراهين الذي يدلل بها على محبتك لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فأنت كاذب في دعواك. كذلكم ثانيا مما يبرهن به على محبتك لرسول الله، ما يكون من اقتفاء الأثر، من اقتفاء أثره، والتمسك بمنهجه، والعمل بسنته عليه الصلاة والسلام، قال الله ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، قال سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، إذا كنا نحبه، نجعله إسوتنا، قدوتنا، نقتدي به. ألا ترى ما عليه بعض الناس للأسف، إذا عظم مغنيا، إذا عظم شخصا من الشخصيات، تجد أنه يجعل له الصورة في غرفته، أو يجعل له معلقات في جواله، ثم به يتحرى أن يكون مثله، يتشبه به في تمشيط شعره، في طريقة كلامه، في التزيين، أزيائه، لعظم التعلق بهذا الذي تعلق به، إذن برهن يا عبد الله، يا من تقول: أنا متعلق، أو من يعبر عن نفسه - وهي كلمة غضأ خطأ - أنا عاشق النبي، مع أن العشق ما يكون إلا بشهوة، هذا خطأ في الأسلوب. لكن معك يا من تدعي هذا المقام، يا عاشق، يا محب، إذن تشبه برسول الله، وأعظم ما يكون به التشبه في طاعاته وعباداته، في طاعاته وعباداته، افعل كما فعل نبيك يا محب، ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم حين صلى «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فانظر إلى صلاتك أين هي؟ لربما كانت في واد، وصلاة نبينا في واد آخر. ألم يتوضأ نبينا صلى الله عليه وسلم ثم قال «من توضأ نحو وضوء هذا، مثل هذا الوضوء الذي توضأ به نبيك»، فتشبه بوضوءه، وأين أنت من أفعاله في باب الطهارة؟ وهكذا قل في مناسك الحج والعمرة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله، قال عليه الصلاة والسلام «خذوا عني مناسككم»، خذوا عني مناسككم، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأمة جميعا بأننا نكون بعده في اتباع سنته. وأعظم من ينبغي أن يتحلى بهذا الباب من ادعى أنه محب لرسول الله عليه الصلاة والسلام، تبحث تتأسى كيف صلى؟ كيف صام؟ كيف ذكر الله؟ كيف فعل؟ كيف؟ ثم تتأسى به، أما أنك مدى الإدبار، أما أنك معرض، تفتح أبواب البدع نهارا جهارا، تعاند رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا غلط، غلط عظيم. كذلك بإخواني في الله، مما يذكر في باب إظهار المحبة لرسول الله، ما يكون من إجلاله بالتوقير والإعظام والتأدب معه عليه الصلاة والسلام، نبينا ليس كباقي البشر، هو بشر من حيث الخلقة، إلا أن الله حباه بالنبوة والرسالة والوحي، فكان هذا المقام يحتاج من الإجلال ما دل عليه القرآن، قال ربنا سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، ليس من الأدب أنك ترفع صوتك في مقامه. أو كذلك ما جاء في قوله تعالى ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، أي لا تناديه باسمه المجرد: يا محمد، يا محمد، لا، بل يصان عن هذه الألفاظ، يقال: يا رسول الله، يا نبي الله، وهكذا قس في باقي الآداب، لا تقول: راعنا، وذلك لأن الكفار كانوا يقولون: يا محمد، إرعنا أو راعنا، وأرادوا من راعي هنا ليست من الانتظار، بل من الرعونة. فلما كان هذا اللفظ من الألفاظ الملتبسة، نهى الله أهل الإسلام من أن يتلفظوا بهذا اللفظ لرسول الأنام، لا تقولوا: راعنا، لكمال الأدب مع رسول الله، بل هذا عرب مسعود الثقفي رضي الله عنه، لما كان مشركا في صلح الحديبية، لما ذهب إلى رسول الله وإلى معسكره، فوجد من صور الإعظام والإجلال الذي قام بها الصحابة لرسول الأنام عليه الصلاة والسلام. فكان مما رأى أن النبي متى ما تكلم خفض الصحابة أصواتهم، فما رفع أحد صوت فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، وأن ما هناك أحد كان يدقق النظر، أو يحد النظر في وجه رسول الله، إجلالا له وإعظاما، وكان النبي إذا توضأ تجمع الصحابة فتقاتلوا على الماء المتصاقط من وضوئه عليه الصلاة والسلام، وما تأخذ شعرة، وما تسقط شعرة من شعرات رأسه إلا تلقتها أيدي الصحابة، فخبؤوها لأنفسهم، أدب وقار وإجلال وإعظام لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فدل على أن من دواعي المحبة أن يكون ذلك الإجلال لرسول الله، وهل هذا المقام انتهى بحياته؟ لا، بل هو مستمر مع سنته، كما قال العلماء، ولهذا كان من أئمة السنة، من علمائها، من إذا أراد أن يتحدث بحديث عن رسول الله يتأتى، يتأتى، ثم يحدث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان بعضهم إذا كان قائما، فسئل عن حديث عن رسول الله، جلس في الأرض حتى لا يحدث وهو قائم. وكان بعضهم إذا كان منطجعا، فسئل عن حديث عن رسول الله، جلس، كل ذلك إجلالا لمقام الأحاديث، وهو إجلال مقام رسول الله عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن يبقى الإجلال مع السنة، لأن الإجلال مع الأحاديث النبوية، ومع أوامره، إجلال نبينا عليه الصلاة والسلام. ومن الجرأة العظيمة التي سمعتها في مثل هذه المناسبة، ما قام به بعض من ينتسب للعلم، بعض من ينتسب إلى العلم، أنه سئل أو ذكر مسألة المولد، فقال «قال لو ورد نص، لو ورد نص عن رسول الله، فقال: لا تحتفلوا بمولدي، قال: لا احتفلنا وخالفنا الدليل»، سبحان الله، بهذه الجرأة، قال «لو قال رسول الله، أو ثبت ورد نص أن رسول الله قال: لو أنه قال: لا تحتفلوا بميلادي، قال: لا احتفلنا وخالفنا الدليل»، هذا ماذا نسميها؟ إجلالا أم إخلالا بالأدب؟ هذا قلة أدب مع رسول الله. لأن هذا دعا على نفسه بالهوى، لأن الله تعالى قال ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، تدعي أن لو سمعت هذا من رسول الله، ستعصيه نهارا جهارا، عمدا، قصدا، هذا هو الهوى بعينه، ليس هذا بتعظيم، لكن الانتكاسة الذي ضرب الله جل وعلا بها قلوب هؤلاء، وإن انتسبوا للعلم، لكن على قدر الزيغ يزيغ الله جل وعلا الأقوال والأعمال. أخيرا، إخواني في الله، مما يدلل به من براهين المحبة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، القيام بنصرته، النصرة لرسول الله، نصرته في حياته، للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلا من الله وردوانا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون، النصرة لله، والنصرة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. إلا تنصروه فقد نصره الله، فمن أعظم مقاصد الدين الذي بها يدلل على العبد أنه محب لرسول رب العالمين، أن تظهر يا عبد الله مدى نصرتك لرسول الله، وكما أسلفنا ليست النصرة بأن ترفع تلكم الشعارات: لبيك أو فداك، لا، بل إنما النصرة أن تظهر في واقعك، بأنك تدافع، بأنك تنافع، بأنك تبلغ، بأنك تنشر كل ما يمتده لنبينا بصلة من عقيدته، من منهاجه، من أخلاقه، من آدابه. وبالمقابل أنك ترد، وأنك تصد، وأن تمنع كل ما هي من المحدثات في دينه وعقيدته وشريعته عليه الصلاة والسلام، جاء في صحيح مسلم «أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان في سفره، فبينما كان يسير على راحلته، غلبه النعاس، فكان يميل يميل، حتى أن أبا قتادة شعر بهذا الميلان، فسارع فاصطف بجانب رسول الله، ورفع عدله، اعتدل نبينا، ثم ابتعد عنه، فما هي إلا فترة وأصبح نبينا يميل يميل عن يمينه وعلى راحلته، فتفطن أبو قتادة، فالتزم برسول الله، ودعمه عدله، ثم في الثالث استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنبه، فقال: من معي؟ قال: معك أبو قتادة، قال: حفظك الله بما حفظت به نبيك، حفظك الله». وهذه يستفاد من أن كل من قام بحفظ رسول الله، بحفظ دينه، بحفظ شريعته، فالله يتولاه بحفظه، ولهذا فإن أهل السنة عندما كانوا في كل زمان ومكان، رفعوا راية الحفظ لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فالله حفظ دعوتهم، حفظهم الله بما كان من حفظهم لدينه، ولسنته، ولمنهاجه عليه الصلاة والسلام. ولهذا برهن يا عبد الله، يا من تدعي أنك محب لرسول الله، بنصرته، للأسف أن تجد أناسا من الناس ممن يدعون منهاج السنة، وتقى مثل هذه البدع المضلات، ومثل هذه المتهوكات، والتشويهات لدينه، والافتراء على شريعته، وهو لا يحرك ساكنا، فيا عبد الله، على مقدار حفظك لسنته، فالله جل وعلا يحفظك. الشاهد، إخواني في الله، المقام في هذا الباب يطول ويطول جدا، في بيان أن المسلم لينبغي أن يعلم أن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام لا تكتنف بمناسبة، أو تكتنف بعمل قلبي، أو يكون بطرف اللسان، وإنما هي براهين، وإنما هي أقوال وأعمال ومقاصد أحوال، جاء ذكرها في كتاب الله، وفي سنة رسول الله. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.