من أشراط الساعة ( رفع العلم )

الخطبة بعنوان من أشراط الساعة ( رفع العلم )، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 2 ذو القعدة 1445هـ الموافق 10 مايو 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في علامات الساعة وأشراطها

يتناول المقطع الأول الحديث عن علامات الساعة كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يشير إلى رفع العلم وظهور الجهل والفساد. يُفسر رفع العلم على أنه إما زهد الناس في العلم الشرعي أو قضاء العلماء وحملته.

تفصيل علامات الساعة وعقوبات المعاصي

المقطع الثاني يتناول علامات الساعة الكبرى ومنها انتشار الجهل وظهور الزنا وشرب الخمر، ويوضح العقوبات المترتبة على هذه المعاصي. كما يشير إلى تحريم الخمر والمخدرات وآثارها السلبية.

أهمية العلم في درء الفتن وصلاح المجتمع

يُبين الخطيب أهمية العلم في الحفاظ على الدين والعقول والأعراض، ويحذر من رفع العلم وظهور الجهل والفساد. يشير إلى أن العلم هو السبيل لمحاربة الظلم والشبهات والشهوات.

الدعاء على الأعداء وطلب النصر للإسلام

يتضمن المقطع الأخير دعاءً على الأعداء من اليهود والنصارى والرافضة، يطلب فيه تفريق شملهم وتشتيت جمعهم وجعلهم غنيمة للمسلمين، مع التأكيد على قدرة الله عليهم وطلب النصر للإسلام والمسلمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وأن يثبت الجهل، ويظهر الزنا، ويشرب الخمر». في هذا الحديث العظيم، والذي فيه يشير نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم إلى ما سيكون من تغير في أحوال المسلمين، إلى ما سيقع من تغير وتبدل في أحوال الإسلام إلى أسوأ الأحوال والأعمال، وذلك خاصة ما يكون في آخر الزمان، كهذه الأزمان، والله المستعان. يقول عليه الصلاة والسلام: «إن من أشراط الساعة» أي من علاماتها وأماراتها التي تدل على قربها، كما قال ربنا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾. ومن هذه الأشراط ومن هذه العلامات ما ذكره لنا نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، بقوله: «أن يرفع العلم». والمقصود بالعلم ها هنا هو العلم الشرعي النافع، فإن العلم إذا أطلق في الكتاب والسنة، فلا يتوجه إلا إلى العلم الشرعي، فما هناك علم يدانيه ولا يوازيه، فهو علم أمر الله جل وعلا به، وندب إليه، وحث عليه، ورغب فيه. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم» أي أن العلم لن يكون له أثر عند الناس. وهذا يحمل على أحد وجهين: إما أن الناس يزهدون في العلم الشرعي، فلا يقبلون عليه، ولا يشتغلون به، وإنما يفرطون في حقه. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث زياد بن لبيد رضي الله تعالى عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هذا أوان ذهاب العلم»، فقال زياد: يا رسول الله، كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه لأبنائنا، وأبناؤنا يقرئونه لأبنائهم إلى يوم القيامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ثكلتك أمك يا زياد، وإن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل، ولا يفقهون منها شيئا». يقل من يتفقه ويعلم لمعاني الكتاب المقدس ولعلم الشريعة. والوجه الثاني من أوجه رفع العلم: أن يكون بقض العلماء وحملته، ومن انشغل به. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقض العلماء». فرفع العلم يكون بعدم التفقه فيه، وبعدم وجود حمالته. ولهذا فإن أهل الإسلام متى ما أهملوا العلم والعلماء، فلم يرفعوا لهما رأسا، ولم يلقوا لهم بالا، كان ذلك إشارة إلى فساد أحوالهم، وإلى قرب نهايتهم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وأن يثبت الجهل». وثبوت الجهل هي نتيجة حتمية للمسألة الأولى، فمتى ما رفع العلم، ثبت الجهل، يقع الجهل العظيم بالدين والشريعة، فلا معرفة للحلال، ولا للحرام، ولا تمييز بين العبادات وبين البدع والمحدثات. يعتنق الناس العقائد الفاسدة والمبادئ الهدامة على ظنهم أنها من دين الله، وبهذا يذهب الإسلام. ومن هنا كان من الأصل الأصيل والركن الركين الذي دعا إليه الشيطان الرجيم هو الجهل بالدين، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهذا هو الجهل بعينه. ثم أشار نبينا صلى الله عليه وسلم للعلامة الثالثة، فقال: «وأن يظهر الزنا» أي أن يظهر ظهورا واضحا جليا، يكون مقدورا على فعله لمن أراده واشتهاه، وذلك لكثرته، كثرة انتشاره وممارسته هذه الجريمة النكرى، جريمة الزنا التي وصفها الله بأبشع الأوصاف، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. وتحريم الزنا يشمل تحريم كل ما قرب إليه من الخلوة والنظر والاختلاط واللمس والمصافحة. ولهذا قال ربنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾. وإن الله جل وعلا قد توعد بأشد العقوبات في حق الزنا، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. لكن من لم يتب، فإنه سيلقى أثاما، ويمكث زمنا طويلا في نار جهنم. هذه عقوبة الآخرة. أما عقوبة الدنيا في حق الزنا إذا لم يتب، فإن كان بكرا فإنه يجلد مئة جلدة، ويغرب أي يرحل مدة عام. وإن كان ثيبا قد تزوج من قبل، فإنه يرجم حتى الموت. كل ذلك في سبيل الحفاظ على أعراض المسلمين والمسلمات. ثم أشار نبينا صلى الله عليه وسلم للخصلة الرابعة، قال: «وأن يشرب الخمر». والمقصود بشربها: وأن ذلك من علامات الساعة، ما يكون من كثرة شربها وتناولها، وأن تكون ميسرة مسهلة في متناول اليد. هكذا سيكون حال الخمر عند كثير من الناس في آخر الزمان. ويكأنه شراب قد أحله الله. الخمر هي أم الخبائث وأصل الرذائل، رس من عمل الشيطان. ولعظيم خبث الخمر، فإن الله جل وعلا قد لعن كل من تورط فيه، قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومشتراها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه». كل هؤلاء يشملهم اللعن. ومن حرماني شارب الخمر: أن من شرب خمر الدنيا لن يذق خمر الآخرة في الجنة. من استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه. وألحق العلماء بحكم الخمر ما يكون من أمر المخدرات، هذه المادة الخبيثة الخطيرة التي متى ما تناولها الإنسان، أفسدت عقله، حتى يصل صاحبها إلى مرحلة الإدمان، فلن يفك عنها. فيلجأ إلى بذل كل شيء في سبيل أن ينالها، حتى إن منهم من لربما بذل ماله، بل ومنهم من بذل عرضه في سبيل أن يتحصل على حفنة أو على حقنة من المخدرات. وهي أيضا تؤثر على عقله، مما توجي به من الهلوسة والتخيلات والتصورات التي لا حقيقة لها، حتى وصل الحال إلى بعض المحششين إلى قتل أعز الناس إليه، إلى قتل والديه أو أحد أبنائه، حين تخيلهم أنهم وحوش أو حيوانات أو سباع وهوام. عباد الله، ناهيك عن حالة صاحب المخدرات مما يعيش من حالة الخمول والكسل، فلا طاعة ولا عبادة ولا صلة ولا قرابة ولا منفعة له، ولا فائدة أينما توجهه، لا يأتي بخير، هو كل عبء على أهله وعلى وطنه. ومن هنا كان حكم المخدرات من حكم الخمور، قال عليه الصلاة والسلام: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». فيحرم في المخدرات تناولها، وبيعها، وشراؤها، والترويج لها، والدلالة عليها، فكلهم يدخلون في الحرمة. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، مما مضى علمنا ما يتعلق بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والذي من خلاله أشار فيه نبينا صلى الله عليه وسلم إلى شيء من أمارات وعلامات الساعة. فكان مما ذكر عليه الصلاة والسلام: رفع العلم، وثبوت الجهل، وظهور الزنا، وشرب الخمر. وكيف أن هذه المعطيات لتدل بكل وضوح على حالة الفساد التي ستكون عليها المجتمعات والأفراد في آخر الزمان. وأيضا من خلال هذا الحديث سنعلم أن هذا الحديث يدل على علم من أعلام نبوته، وعلى صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ أن ما أخبر به هو كائن، هو حاصل بلا مكابرة، مما نسمع من كثرة الأخبار عن هذه الأحوال من فشو الزنا، ومن شرب الخمور والمخدرات. ويؤيد هذا المعنى ما رواه البخاري معلقا من حديث أبي مالك الأشعري، قال عليه الصلاة والسلام: «ليكونن في أمتي قوم يستحلون الحرى والحريرة والخمر والمعازف». عباد الله، فائدة أخيرة نذكرها من هذا الحديث المذكور عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي أشار إليها جماعة من أهل العلم، من وجود الترابط بين هذه المعطيات. فإنه مما ينبغي أن يفهم من هذا الحديث بكماله وتمامه: أنه برفع العلم عن الأمة، فإنه سيحل الفساد على المجتمعات والأفراد. فإذا رفع العلم، ثبت الجهل، وهو إشارة إلى فساد الأديان. وإذا رفع العلم، ظهر الزنا، وهو إشارة إلى فساد الأعراض. وإذا رفع العلم، شربت الخمر، وهي إشارة إلى ذهاب العقول. فبالعلم إذا رفع عن مجتمع، فحينئذ سيحل على أهله ما يكون من فساد الأديان والعقول والأعراض. ومن هنا إذا أراد مجتمع ما أن يحافظ على دينهم، وعلى عقولهم، وعلى أعراضهم، فعليهم بالعلم، عليهم بالعلم الشرعي، وذلك بالإقبال عليه، والإنشغال به، والتفقه في دين الله جل وعلا، فإنه به يكون صلاح العباد والبلاد، صلاح الدنيا والآخرة، صلاح الدين، صلاح الدين والدنيا، كل ذلك مرهون بوجود العلم. فالعلم يا عبد الله، به نحارب الظلم بأشكاله وأنواعه، من الشرك والكفر والزندقة والإلحاد. به نحارب كل فكر أراد أن يشكك الناس في دينهم، كمركز تكوين هذا المركز الذي أنشئ عما قريب، وذلك لكي ينشر أفكار الملحدين، ويشكك الناس في دين رب العالمين، ويدخل الشكوك والشبهات على المسلمين. فلا هذا المركز، ولا غيره من المنظمات الكفرية، ولا من المنظمات الملحدة المنحلة المنحرفة، تؤثر على المسلم متى ما أقبل على دين الله علما وتفقها. فبالعلم يا عبد الله، يزيد رسوخك. بالعلم، من كان لله أعرف، كان منه أخوف. بالعلم يكون ثباتك على الدين. بل بالعلم ترد على المخالفين. وما سقط من سقط من أبناء ملتنا في دوامة الردة والإلحاد، أو في دوامة الشبهات والشهوات، أو في دوامة الملهيات والشهوات، إنما كان ذلكم لجهله بدين الله. فالله الله عباد الله بالإقبال على العلم، فإنه مفتاح كل شيء. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم مغفرة للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. يا مجيب الدعوات، اللهم من أراد بلادنا اليمن، خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير، فوفقه لكل خير، ومن أرادها بسوء، اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه، يا رب العالمين. اللهم منجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم منجيهم في أرض اليمن وفلسطين والسودان، اللهم تقبل موتاهم، وعاف مبتلاهم، وفك أسراهم، وداوي جرحاهم، اللهم آمنهم في ديارهم وأوطانهم، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والنصارى الحاقدين، والرافضة المعتدين، اللهم عليك بهم، فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل الدائرة عليهم، واجعلهم وأموالهم غنيمة للإسلام والمسلمين، يا ذا الجلال والإكرام. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.