خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1445هـ

الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1445هـ، والتي كانت بمصلى العيد بمصلى المنصورة الجديدة بالشحر 1445هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الاستمرار في الطاعات بعد رمضان

يُنبه الخطيب إلى سرعة مرور الزمان وأهمية الاستمرار في الطاعات بعد رمضان وليس الاكتفاء بالأعمال الصالحة خلال الشهر فقط. يُشدد على الاستعداد ليوم المعاد وتقوى الله.

الحفاظ على العبادات وتجنب محبطات الأعمال بعد رمضان

يتحدث عن أهمية الحفاظ على العبادات بعد رمضان وتجنب الأعمال التي تحبط الأجر. يُحذر من العودة إلى المعاصي بعد رمضان ويشير إلى أن الله شرع رمضان لكي نصل إلى مرتبة الصفاء والنقاء.

تحذير من محبطات الأعمال والاعتداء على حقوق العباد

يُحذر من محبطات الأعمال مثل ترك الصلاة والشحناء والاعتداء على حقوق العباد. يُشدد على أهمية الحفاظ على الأعمال الصالحة ويُدعو للمحتاجين والأبطال المرابطين على الحدود.

ختام الخطبة بالصلاة على النبي

يختم بالتأكيد على الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر أهمية الصلاة على النبي في الإسلام. يُؤكد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة». عباد الله، إن هذا الحديث لتتضح معالمه فيما نراه ونشاهده من سرعة مرور الزمان وتتابع الليالي والأيام، فبالأمس كنا قد أعددنا العدة في استقبال رمضان، وها نحن الآن نودع شهر الصيام، وها نحن في أول يوم من أيام شوال، إن في ذلكم لعبرة وعظة وتذكرة وتبصرة لكل مسلم ومسلمة في معرفة حقيقة الدنيا. فيا عبد الله، يا ابن آدم، ما أنت إلا أيام، إن ذهب يومه ذهب بعضه، ولهذا ينبغي على أهل الإسلام أن يعتبروا بمرور الليالي وسرعة الزمان. عباد الله، إن الزمان ليمضي، وإن الأعمار لتنقضي، وما ثم بعد ذلكم إلا الجنة والنار، والله المستعان. فالله الله بالاستعداد ليوم المعاد، وتزودوا، فإن خير الزاد التقوى. عباد الله، بالأمس كنا في رمضان في أعظم موسم من مواسم أهل الإسلام، شمر الكثير منا على الأعمال، بالإقبال على الله جل وعلا بالطاعات والعبادات، فأقبل منا من أقبل على الصيام والقيام، وعلى ذكر الله وقراءة القرآن، وعلى البر والتقى والإحسان، وعلى البذل والعطاء والجود والكرم والسخاء، كل ذلك في سبيل اغتنام فضيلة رمضان، وأن نصل إلى رضا الرحمن، فنسأل الله جل وعلا القبول، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. لكن عباد الله، لا يعني انقضاء رمضان وانتهاء شهر الصيام بأن علاقتنا معه تنقطع بكل حال من الأحوال، لا، بل إن لرمضان علينا من التبعات ما تستمر معنا على الدوام وطيلة العام. وإني لأشير إلى مقامين عظيمين يتضح من خلائهما أن رمضان يسير خلفنا. من ذلكم أن نعلم أن الله جل وعلا ما شرع لنا رمضان، وما جعل فيه من طاعات وعبادات ونوافل وقربات ومستحبات وأقوال وأفعال وأحوال إلا لكي نصل إلى مرتبة الصفاء والنقاء والوصول إلى العلو، وهكذا الارتقاء. ومن ثم متى ما تربينا على هذا الكم الإيماني ننطلق بهذا الزاد بعد رمضان نتعبد الله جل وعلا به، وهكذا نعاشر الناس من خلقه. وإن هذه الحكمة الربانية قد ذكرها ربنا في كتابه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وتقواه جل في علاه تكون معنا دائما وأبدا، لا يحدها زمان ولا يحجزها مكان. فما بالنا عباد الله نرى أقواما من الناس إذا انقضى رمضان تغيرت أحوالهم إلى أسوأ حال، فضيعوا الصلوات وأهملوا الواجبات ووقعوا فيما حرم الله جل وعلا من المحرمات، وفرطوا في كثير من النوافل والقربات. فإلى هؤلاء انظروا مع من تتعاملون، إن الله جل وعلا غني عنا وعن طاعاتنا وعباداتنا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾، ليس بصعب على ربنا، وليس بعسير عليه أن يهلكنا وأن يخلف بنا الأرض، متى ما تمردنا على دينه ومتى ما تمردنا على شريعته. عباد الله، إن حقيقة العبودية لله هي أن تكون أن نكون عبادا لله دائما وأبدا، كما قال ربنا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْمَوْتُ﴾. وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». أما المقام الثاني والذي يتضح أن رمضان يكون معنا، أنك يا عبد الله ما حرسته في رمضان من تلكم الجوائز والفوائد من الأجور والثواب ومن الحسنات العظام، احرص يا عبد الله قدر الإمكان أن لا تزول وتذهب من بين يديك، وذلك بأن تعرضها لمحبطات الأعمال. فإن من الخسران أن يقوم الواحد منا بالكثير من الأعمال، ثم إذا لقي الله جل في علاه لا يرى له عملا صالحا. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فاحذر يا عبد الله من محبطات الأعمال التي لربما تعود على أجور الصيام بالزوال والذهاب. احذر يا عبد الله من الشرك بالله، أن تشرك بالله في عبادته، في ربوبيته، أن تعتقد أن غير الله يهدي القلوب ويعلم الغيوب ويكشف الضر، وأنه غير الله جل وعلا يكشف الكروب، وهكذا يعلم الغيوب، فكل ذلك شرك بالله. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. احذر يا عبد الله من ترك الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». إذا كان هذا في فرض واحد، قل لي بربك ما ظنك بالنذير الكثير من الصلوات، ما الذي سيبقيه من الأعمال؟ احذر يا عبد الله من الشحناء والبغضاء، فإن أعمال المتشاحنين تبقى معلقة بين السماء والأرض، لا يأذن الله لها بالقبول حتى يصالح من تشاحنت معه. احذر يا عبد الله من الاعتداء على مظالم العباد، من الاعتداء في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فإن ذلك سيكون حال المفلسين ممن تذهب أعماله إلى غرمائه، ولن يستفيد منها شيئا. فكن يا عبد الله على دراية بهذه النواقض والتي تعد من محبطات الأعمال. وهكذا أنت يا أمة الله، فإن النساء شقائق الرجال، فعليك يا أمة الله أن تجعل من رمضان محطة تتزودين فيها من الطاعات ومن أعمال الخير والبر ما يكون نبراسا لك مدى الحياة. واحذري واحذري من أن تحبطي أعمالك بأن تقع فيما لا يرضي الله جل وعلا من محبطات الأعمال. أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام عن امرأة يذكر من كثرة صلاتها وكثرة صيامها، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا خير فيها، هي في النار». مع صلاتها ومع صيامها، لكنها لما اعتدت على حقوق إخوانها فآذت الجيران بلسانها، أحبط الله ما كان من أعمالها. فعلينا جميعا عباد الله أن نحافظ على أعمالنا، وما كان من أجور حسناتنا، بأن نبعدها وأن نحرزها من محبطات الأعمال. عباد الله، ولا ننسى ونحن في غمرة فرحتنا بيوم عيدنا، وقد استكملنا شهر صومنا، وقد كمل أنسنا بجمع شملنا بقرابتنا وأرحامنا وبإخواننا وأهلينا، وها نحن نستمتع بما استطاب من شراب وطعام، لا ننسى أن لنا إخوة في الدين هم في حروب وكروب، شغلهم الشاغل أن يكونوا كحالنا يفرحوا بعيدهم كفرحتنا. كحال من هم في الشام، ومن هم في السودان، وهم كذلك من هم في أرض اليمن والإيمان، فنسأل الله جل وعلا أن يكشف همهم، وأن يرفع غمهم، وأن يبدلهم من بعد همهم فرحا، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. وهكذا دعاؤنا لأبطالنا الأشاوس من الجنود الذين هم على الحدود، الذين جندوا أنفسهم وصبروها على ملاقاة العدو، فلا يزالون مرابطين محتسبين الأجر من الله، فنسأل الله جل وعلا أن يربط على قلوبهم، وأن يثبت أقدامهم، وأن يسدد رميهم. فنسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.