فضائل الصحابة

الخطبة بعنوان فضائل الصحابة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الجمعة ٢ صفر ١٤٣٥هـ ألقاها

مقدمة في فضل أصحاب رسول الله

يُثني الخطيب على أصحاب رسول الله ويبرز مكانتهم عند الله مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُؤكد أن حبهم دين وإيمان بينما بغضهم كفر ونفاق.

تضحيات الصحابة في سبيل الله

يُصَوّر المقطع استجابة الصحابة لأوامر الله ورسوله وبذلهم أموالهم وأنفسهم، مع ذكر أمثلة من تضحياتهم مثل أنس بن النضر، ويبرز رضا الله عنهم وجزاءهم العظيم.

أهمية محبة الصحابة والاقتداء بهم

يُشدد على أهمية معرفة قدر الصحابة ومحبتهم والاقتداء بهم، ويحذر من سبهم أو تنقصهم، ويذكر مكانتهم العالية في الإسلام وفقًا للأحاديث النبوية.

الدعاء بمحبة أصحاب الرسول والتبرؤ من أعدائهم

النص يتضمن دعاءً لطلب محبة أصحاب رسول الله والولاء لهم مع التبري من أعدائهم، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحابته، مؤكدًا أهمية تقدير الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. إِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ أَمَا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، نَتَكَلَّمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِإِذْنِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى فَضَائِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، لِمَا لَهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ أَجْمَعَ مِنْ الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَالْمَنِّ الْكَرِيمِ وَالْأَثَرِ الْعَمِيمِ بَعْدَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، وَبَعْدَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. كَيْفَ لَا وَهُمْ حَمْلَةُ هَذَا الدِّينِ وَنَقْلَتُهُ، كَيْفَ لَا وَهُمْ حُمَاةُ هَذَا الدِّينِ وَنَصَرَتُهُ، كَيْفَ لَا وَهُمْ مَنْ نَاصَرَ وَآزَرَ وَجَادَ بِالْغَالِ وَالنَّفِيسِ وَقَدَّمَ الْأَرْوَاحَ وَالْمُهَجَ إِعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، كَيْفَ لَا وَحُبُّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ. قَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَلَا نُفَرِّطُ فِي حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُبْغِضُ مَنْ أَبْغَضَهُمْ وَنُبْغِضُ مَنْ أَبْغَضَهُمْ بِغَيْرِ الْخَيْرِ ذَكَرَهُمْ، وَلَا نَذْكُرُهُمْ إِلَّا بِالْخَيْرِ، حُبُّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَنُبْغِضُ مَنْ أَبْغَضَهُمْ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ». إِنَّ النَاظِرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا لَا يَجِدُ أَنَّ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا أَثْنَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ثَنَاءً عَظِيمًا، وَزَكَّاهُمْ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا فِي آيَاتِ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَكَانَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا وَعُلُوِّ قَدْرِهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. وَقَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا نَظَرَ إِلَى قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَنْ دِينِهِ». قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيُغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ النَاظِرَ فِي حَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهِمْ وَنَوَاحِيهِمْ وَأَحْوَالِهِمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ لِيَتَعَجَّبُ مِنْ حَالِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ، كَيْفَ هَانَتْ أَنْفُسُهُمْ وَأَرْوَاحُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. إِذَا نَظَرْنَا إِلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ رَأَيْنَا الْعَجَبَ الْعَجَابَ، يَصِفُ هَذَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَلَّ وَعَلَا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. إِذَا نَظَرْنَا إِلَى حَالِهِمْ وَفِدَائِهِمْ بِأَرْوَاحِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِدَائِهِمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ طَاعَةً لِلَّهِ وَإِعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ، لَوَجَدْنَا الشَّيْءَ الْعَجِيبَ، يَجِلُّ ذَلِكَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، بَاعُوا أَمْوَالَهُمْ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَنُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ وَابْتِغَاءً لِرِضْوَانِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا. جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ أَنَّ عَمَّهُ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: «يَا سَعْدُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ مِنْ دُبُرِ أُحُدٍ»، فَقَاتَلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتَّى اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ مَا صَنَعَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ»، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَاهُ وَفِيهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ ضَرْبةٍ بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، وَلَمْ تَعْرِفْهُ أُخْتُهُ إِلَّا بِبَنَانِهِ»، قَالَ: «وَكُنَّا نَرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْزَلَ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ. إِذَا نَظَرْنَا إِلَى أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ فِي بَذْلِهِمْ الْأَمْوَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا، لَرَأَيْنَا الْعَجَبَ الْعَجَابَ. حَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَهُوَ مِنْ الْمُسَابِقِينَ مِنْ الْمُسَارِعِينَ إِلَى الطَّاعَةِ: «الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ»، فَجَاءَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ بِنِصْفِ مَالِهِ صَدَقَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: «تَصَدَّقْتُ بِالشَّطْرِ وَأَبْقَيْتُ لَهُمُ الشَّطْرَ الْآخَرَ»، فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، فَقَالَ لَهُ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» قَالَ: «أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، سَمِعَ أَبُو طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ بِرْحَاءَ أَحَبُّ الْمَالِ إِلَيَّ، فَهِيَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ أَمَا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ وَاجِبِنَا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَعْرِفَ لَهُمْ قَدْرًا، أَنْ نَتَوَلَّاهُمْ، وَأَنْ نُحِبَّهُمْ، وَأَنْ نَنْصُرَهُمْ، وَأَنْ نَتَأَسَّى بِهِمْ، وَأَنْ نَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، تَحْقِيقًا لِقَوْلِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَعْرِفُوا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الْمَنْزِلَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ الَّتِي جَعَلَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِيهَا، وَأَنْ يُبْغِضُوا مَنْ سَبَّهُمْ أَوْ تَنَقَّصَهُمْ، وَأَنْ يَتَبَرَّءُوا مِنْهُ وَمِنْ أَفْعَالِهِ. جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ». وَجَاءَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي حَدِيثِ ذِكْرِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، حَيْثُ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ فِي الْجَنَّةِ»، وَذَكَرَ التَّاسِعَ وَهُوَ نَفْسُهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ. قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَشْهَدٌ شَهِدَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَغْبَرٌ مِنْهُ وَجْهُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ وَلَوْ عَمَرَ عُمُرَ نُوحٍ». فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الْكَرِيمَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَرْزُقَنَا مَحَبَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْ نَتَوَلَّاهُمْ، وَأَنْ نَتَبَرَّأَ مِمَّنْ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ، إِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.

شاركنا على