الخطبة بعنوان من أحكام الصيف، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 23 ذو القعدة 1445هـ الموافق 31 مايو 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يستخرج الخطيب عبرًا ودروسًا من فصل الصيف، منها تذكير الله بملكوته وتدبيره للكون، والتذكير بحر جهنم وموقف يوم القيامة. يُظهر ذلك أهمية التأمل في نعم الله والاستعداد للآخرة.
يُناقش المقطع أحكام الصيف والحر في العبادات، مثل ستر العورة، التنظف، وتأثير الحر على الصلاة والصوم. يشدد على أهمية ستر العورة والتنظف خاصة عند الذهاب إلى المساجد.
يستمر النقاش حول أحكام الصيف والحر، مثل تأخير الصلاة وتأثير الحر على الصوم، مع التشديد على أهمية شكر نعمة الماء البارد وإيصالها للآخرين كصدقة جارية.
يتضمن المقطع أدعية متنوعة للمؤمنين والمؤمنات، وطلب النفع من الله، والصلاة على النبي محمد، ودعاءً خاصًا لبلاد اليمن وبلاد المسلمين بالخير والحماية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من صفات المؤمنين النجباء، ومن صفات المسلمين العقلاء، أنهم يتعظون ويعتبروا بكل ما يكون حولهم في الأرجاء، وخاصة ما يكون في ملكوت الأكوان. إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. وإن الإنسان ينبغي أن يعمل فكره، وخاصة فيما نحن فيه في هذا الزمن الذي نحن نتقلب فيه في فصل الصيف، وما كان من ارتفاع في درجة حرارته حتى بلغت إلى أرقام قياسية، نسأل الله السلامة والعافية. عباد الله، إن من العبر والعضة والمسائل والأحكام التي نستخلصها من فصل الصيف وارتفاع درجات حرارته هو أن نعلم أن الله جل وعلا هو وحده المتصرف في ملكوت الكون، فلا خالق إلا إياه، ولا مدبر سواه، جل في علاه. فكل السماوات وما فيها من أجرام وما فيها من كواكب إنما هي تسير بإذنه تحت سلطانه وقهره. ومنها هذه الشمس، هذا الجرم السماوي الضخم الناري، ما يسير إلا بأمر من ربه. والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم. وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الشمس إذا ذهبت للغرب فإنها تأتي إلى عرش الرحمن فتخر لربها ساجدة، فما هو إلا مخلوق ذليل لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. وثانيًا، مما نستفيد من فصل الصيف وما كان من حرارته، ما كان من إقامة مصالح العباد، وما كان من إتمام لمعايشهم. قال علامة بن القيم رحمه الله: "تأملوا أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها بإقامة الأزمنة والفصول، وما فيها من مصالح وحكم. فلو كان صيفًا كله لفاتت مصالح ومنافع الشتاء، ولو كان شتاءً كله لفاتت مصالح ومنافع الصيف، فلله الحكمة البالغة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون". عباد الله، مما يستفيده الناس من الصيف وما كان من شدة حرارته، ما يكون من التذكير لنا بحر جهنم والعياذ بالله. ففي الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: "شكت النار إلى ربها، فقالت: ربي أكل بعضي بعضًا، فأذن الله لها بنفسين: نفس في الشتاء، وبنفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير". فما نرى من ارتفاع درجات الحرارة إنما هو نفس جعله الله سبحانه وتعالى لجهنم. وصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إن شدة الحرارة من فيح جهنم". فإذا شعرت يا عبد الله بارتفاع درجات الحرارة، فتعوذ بالله من جهنم. وهكذا مما نستفيده من حرارة الجو وما يكون في فصل الصيف، أن هذا تذكير لنا بموقف عصيب يوم أن يقوم الناس لرب العالمين، حين أن تدنو الشمس فتكون فوق رؤوس العباد على مقدار ميل. فحينها يبتل الناس بعرقهم، وكل عرقه على قدر ذنبه. فمن الناس من يأتيه العرق إلى ركبته، ومن الناس من يأتيه العرق إلى وسطه، ومن الناس من يأتيه العرق إلى رأسه. وها نحن في هذه الدنيا نحتمي من حرارة الشمس، ويتباعد عنا ملايين الملايين من الأميال. لكن يا عبد الله، الاستظلال في ذلك اليوم إنما يكون بالأعمال. قال عليه الصلاة والسلام: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تحاب في الله اجتمع عليه وتفرق عليه". هؤلاء السبعة بهذه الأعمال سيستظلون بظل أعمالهم يوم القيامة في ذلك اليوم العظيم. فإذا أردت ظلًا ينفعك يوم القيامة، فاستكثر يا عبد الله من هذه الأعمال. عباد الله، ومن أحكام الصيف والحر ما يكون منها يعود إلى عباداتنا وإلى أحوالنا الشخصية، مما ينبغي أن يتعرف عليه كل مسلم ومسلمة. فمن ذلك ما يتعلق بمسألة التستر وعدم الانكشاف، فإن الحر مظنة للتخفيف من الثياب طلبًا للتبرد، لكن لا يكون ذلك على حساب مسألة التهاون في كشف العورات. وإن عورة الرجل كما حدها العلماء هي ما بين السرة إلى الركبة، استدلالًا ببعض الأحاديث. فإن الفخذ عورة، ولهذا ينبغي على المسلم أن يتأدب بهذا الأدب، سواء أكان خارج بيته عند غيره، أو كان في البحر أو كان في المسابح أو كان في غيرها من المنتزهات، عليه أن يستر عورته. أو كان في بيته عند أفراد أسرته، فعليه كذلك أن يتستر، إلا ما كان مع أهله والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك". فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن كان الرجل خاليًا؟ قال عليه الصلاة والسلام: "فالله أحق أن يستحي منه". وأمام هذه المسألة، نقول لتلك المرأة التي حرصت على حجابها ولباسها الشرعي حين خروجها من بيتها متسترة، ولربما كان ذلك بعباءتها ما أدى إلى ضيقها وحرها وما كان من تعبها، إلا أنك يا أمة الله تؤجرين على ذلك. فإن العمل الصالح ما يتولد منه يكون كذلك عملًا صالحًا. وفي الحديث: "إنما أجرك على قدر مشقتك". وهكذا مما أذكره من أحكام الصيف والحر، ما يكون من مسألة التنظف، فإن الحر مظنة لإفراز الجسد للعرق دائمًا وباستمرار، ولربما ولد ذلك تلك الروائح التي تنبعث من البدن ومن الثوب. ومن هنا كان ينبغي على المسلم أن يعتني بنظافة بدنه ونظافة ثوبه عن طريق الغسل والاغتسال، وخاصة إذا خرج إلى ملاقاة الناس وبالمكث معهم. وإذا أراد أن يأتي المساجد، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. ولستطعت يا عبد الله ولو استطعت على استخدام الطيب وما كان منها من عطور أو مزيل للروائح، فهذا أفضل وأحسن. فإن الله جميل يحب الجمال، ويكون ذلك في مدخلك ومخرجك. وأيضًا مما يكون من صور التنظف، العناية بالتخلص من خصال الفطرة، كالعناية بما كان في الإبط ونحوه، فإنها جمال وهي كذلك طهارة وزينة وصحة. أخيرًا، عباد الله، في باب النظافة، أحب أن أشير إلى أن من اغتسل غسلة برد، فإن هذا لا يجزئه عن الوضوء، فلابد أن يتوضأ قبله أو يتوضأ بعده، بخلاف من يغتسل غسل الجنابة أو غسل الحدث الأكبر، فإن الوضوء يجزي عنه وهو يندرج تحته. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلنذكُر عباد الله في ذكر أحكام سريعة متعلقة بأحكام الصيف والحر، يجدر بكل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية بها ومعرفة. وإن من أحكام الصيف والحر ما يتعلق بأمر الصلاة، وذلك من جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها، وذلك بحثًا لبرودة الجو. فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة". وذلك كأن يكون مثلًا في صلاة الظهر إذا كان مؤداها وإقامتها في أول وقتها فيه مشقة على الناس، كحال من يكون في الأرياف أو من كان في الأسفار، فحين يشرع له أن يؤخرها إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وهكذا من أحكام الحر في الصلاة، وهو أنك يا عبد الله يا أيها المصلي، لا تتذرع بحر الصيف في أنك لا تقوم بأخذ الزينة التي ينبغي أن تؤديها في صلاتك لملاقاة ربك. فإن من الهيئات التي لا ينبغي للمصلي أن يكون عليها أن يكون عاري الصدر، عاري الظهر، ليس على كتفيه شيء. فقد جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "لا يصلي أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء". فهذا الحديث فيه النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الهيئة، وجمهور العلماء على الكراهة، ومنهم من ذهب إلى التحريم. وهكذا يا عبد الله، من أحكام الصيف والحر ما يكون من استحباب الصوم، وذلك لمن قوي وقدر عليه. فقد كان السلف رحمهم الله يتنافسون في هذا المضمار، لعلمهم أن الأجور تعظم على قدر المشقة. وقد جاء في الصحيحين أن الناس لما كانوا في سفر وكانوا في يوم حار حتى أنهم وضعوا أيديهم على رؤوسهم اتقاءً للحر، قال الراوي: وما منا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام، قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: "صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور". ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في ساعة احتضاره، ما حزن على فراق شيء من دنياه على فراق الصوم في الهواجر. الصوم في الأيام الحارة، فإن ذلك مما من قدر عليه أن يشمر له الجهد. وهكذا عباد الله، من أحكام الصيف والحر أن نستذكر لنعمة الماء البارد، هذه النعمة العظيمة التي ما يستشعر الإنسان بعظيم فضلها إلا في مثل هذه الأوقات، عند شدة الحرارة، يطمع ويلجأ إلى الماء البارد الذي يروي ويروي به ضمأه. وهذا مما سنسأل عنه يوم القيامة. قال عليه الصلاة والسلام: "إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح بدنك؟ ألم نروك من الماء البارد؟". وجاء النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم مع أصحابه، فأكل رطبًا وشرب ماءً باردًا، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذا من النعيم الذي ستسألون عنه يوم القيامة". فأحمد الله يا عبد الله أن يسر الله لك هذه النعمة تجدها في كل آن وفي كل حين، فكن حامدًا شاكرًا لله جل في علاه. ومثل هذه النعمة ما كان على من والاها من نعمة المكيفات والبرادات والثلاجات وغيرها من أجهزة التكييف والتبريد الذي يسرها الله للعبيد، وخاصة في مثل هذه الأزمان، هي من عظيم إنعام الله علينا. ولئن شكرتم لأزيدنكم. وإن مما يتعلق بمسألة المياه ونعمتها، أنك يا عبد الله إن استطعت أن تحرص على إيصالها إلى غيرك، وخاصة في مثل هذه الأوقات في أيام الصيف والحرارة، الناس بحاجة، بل الأرض والدواب والكائنات والحيوانات والطيور كلها بحاجة إلى الماء. فإن استطعت يا عبد الله أن توصل لها الماء، فأنعم بها من عمل صالح. فإنها من أجل الصدقات ومن أعظم القربات. قال عليه الصلاة والسلام: "أفضل الصدقة سقي الماء". فما هناك صدقة توازيها ولا تساويها أن يكون مثلًا في تركيب البرادات أو توزيع القارورات أو بتعبئة الخزانات أو بإيصال الأنابيب إلى المناطق والحارات، كل ذلك وأمثاله يعد من الصدقات العظيمة التي ينبغي أن يتنافس لها المتنافسون. عباد الله، إن أحكام الصيف والحر كثيرة وكثيرة جدًا، وحسبنا الإشارة إلى أهمها وإلى ما ينبغي أن نكون دائمًا في استذكارها. فالصيف والحر ما ينبغي أن نتوجه بل ولا يجوز أن نتوجه إليه بالسب أو الشتم أو اللعن، فما هو الصيف؟ فما الصيف إلا خلق من خلق الله. قال الله: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما كنا ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم من أراد بلادنا اليمن بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.