كتاب التفسير من صحيح البخاري 257

كتاب التفسير من صحيح البخاري 257

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 257، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سورة نوح: التسمية وعدد الآيات والملاحظات اللغوية

سورة نوح مكية باتفاق العلماء، وتختلف قراءات أهل الحجاز والبصرة والكوفة في عدد آياتها بين 30 و29 و28 آية. يوضح البخاري معاني بعض الألفاظ مثل "طور" بمعنى القدر، و"كبار" كأشد صيغ المبالغة، و"ديار" كجمع "دار" من مادة الدوران.

شرح معاني ألفاظ قرآنية وروايات القراءات المتعددة

يتناول المقطع تحليل معاني كلمات قرآنية مثل «ديار» و«القيوم» و«تبار» و«مداراً» و«وقار» مع ذكر روايات قرائية عن عمر بن الخطاب وتفسيرات من علماء اللغة. يبين اختلاف المعاني والقراءات في هذه الألفاظ وفق آراء أبي عبيدة والفراء وابن عباس وسعيد بن جبير.

غاية ذكر المخلوقات في القرآن: التوحيد وإثبات البعث

يبيّن المقطع أن الله يذكر مخلوقاته العظيمة في القرآن لدفعين أساسيين: توحيده وإثبات استحقاقه للعبادة، وإقامة الحجة على البعث والنشور. وينتقد القول بأن الغرض فقط تعريف الناس بالخالق كما ذهب إليه بعض الفرق والمفسرين.

إنكار الكافرين لربوبية الله بسبب الكبر والسيطرة

يعلم الكفار أن الله خالقهم، لكن الكبر والرغبة في السيطرة يدفعهم لإنكار ربوبيته، كما فعل فرعون حين ادعى الألوهية والربوبية العليا. هذا الإنكار ناتج عن العناد لا عن جهل بالحقيقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب سورة نوح، باب سورة نوح». وسورة نوح هكذا تسميتها في المصاحف، سميت بسورة نوح، وسماها بعضهم: «إنا أرسلنا نوحًا». وذكر بعض أهل التفسير أن البخاري ذكرها: «إن أرسلنا نوح»، لكن الصحيح أن البخاري قال: «سورة نوح». وسورة نوح مكية باتفاق العلماء، لا خلاف بين أهل العلم أنها مكية كلها، نزلت في مكة. وآياتها عند أهل الحجاز، أهل مكة والمدينة، على قراءة أهل المدينة وقراءة أهل مكة: ثلاثون آية. لكن عندنا في المصاحف هنا على قراءة أهل الكوفة: كم؟ على قراءة أهل الكوفة: 28 آية. وهذا من تفرد أهل الكوفة. يعني أهل الكوفة يقولون: 28 آية. وأما أهل البصرة، يعني في قراءة أبي عمر بن العلاء، في قراءة اليحصبي، قراءة أهل الشام، فيقولون: 29. وفي قراءة أهل الحجاز كما قلنا، عن قراءة أهل مكة: عبد الله بن كثير المكي، وكذلك في قراءة نافع بن أبي نعيم، وهو قارئ أهل المدينة: ثلاثون آية. وأما أهل الكوفة، فكلهم اتفقوا على أنها... كم؟ من القراء السبعة، من أهل الكوفة، أو من العشرة، من يدري كم من القراء؟ كم من القراء أهل الكوفة؟ أنا قراءة أهل الكوفة من العشرة: عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب. ويعقوب يعتبر أيضًا من العشرة، فهم خمسة. طيب، قال: «سورة نوح». قال: «أطوارًا، طورًا كذا وطورًا كذا». قال: «يقال: عدا طوره»، أي: قدره. يعني المراد أنه كانت له أطوار. ألم تروا كيف خلق الله السماوات؟ أو قال الله عز وجل: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. معنى: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم خلقًا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. فقال الإمام البخاري هنا: «يقال: عدا طوره، أي قدره». يعني: قدره الله عز وجل، قدره. قال: «والكبار أشد من الكبار». يعني: أشد من ناحية اللفظ في المبالغة. «كبار» أشد من «كبار»، وكذلك «جمال» و«جميل» لأنها أشد مبالغة. وكذلك «كبار»: الكبير، و«كبار» أيضًا بالتخفيف. «كبار» و«كبير»، أو أنا «كبار»: الكبير، و«كبار» أيضًا بالتخفيف. والعرب تقول: رجل حسان، وجمال، وحسان مخفف، وجمال أيضًا مخفف. و«مكر» و«مكرًا كبار»، يعني: مكر كبير جدًا، سواء كان بقراءة التشديد أو التخفيف. قال: «وقوله: دِيَار، من دور، ولكنه فِعَال من الدوران». دِيَار من دور، ولكنه فِعَال من الدوران. فهنا أيضًا: «ومكر مكرًا كبار»، أو قول عز وجل: ﴿دِيَار﴾. قال: «من الدور، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا، أو إشف العائل من الكافرين: دِيَار». أنا لا... قال: «فِعَال». لكان قال: «وهذا كلام الفراء». و«دِيَار» معنى: من الدور. من... أنا لا تجعل لهم ديارًا يسكنون فيها. قال: «كما قرأ عمر: الحَيُّ القِيَام، وهي من قمت». أنا ذكرته في قراءة عمر لما قرأ آية الكرسي، أو أقصد في سورة آل عمران، افتتحها في صلاة العشاء، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقِيَامُ﴾. ويقول: حافظ أن صاحب المصاحف، وهو ابن أبي داود، صاحب الحائية، له كتاب «سماع المصاحف»، وهو كتاب عظيم فيه ما يتعلق في آداب القرآن وكتابة المصحف. فذكر في المصاحف من طرق عن عمر أنه قرأها كذلك، وأخرجها أيضًا عن المسعودي، أيضًا أن هذه في قراءة بعض الصحابة. ولا شك أنه أقرأهم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا: «الحَيُّ القِيَام». معناه: يريد أنه مثل «دِيَار»: قِيَام. وقال غيره: «دِيَارًا: أحدًا». معناه: يقول أبو عبيدة معمر بن المثنى: «دِيَارًا: أي أحدًا». لا معنى... معناه أنك لا تجد في بيوتهم أحدًا، وفي دورهم أحدًا، ليس بها دِيَار، ولا... ولا عريب، ولا رجل، أو ليس أحد فيها. قال: «تَبَار: هلاك». وهذا أيضًا قول أبي عبيدة، غالبًا كما قلنا أن الإمام البخاري ينقل معاني الكلمات من كتابه «المجاز» لأبي عبيدة معمر بن المثنى. معمر بن المثنى، وأبو عبيد اسمه... من... أبو عبيد، أبو عبيد اسمه: من... من يعرف؟ هو: القاسم بن سلام، القاسم بن سلام، صاحب الإمام أحمد، وهو تلميذ لأبي عبيدة معمر بن المثنى. لكن... لكن أبو عبيد إمام في السنة، وأبو عبيدة فيه شيء من الاعتزال. قال: «تَبَار: أي هلاك». قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى. وقال ابن عباس: «مِدْرَارًا: يتبع بعضها بعضًا». أي: هذا المطر يتبع بعضها بعضًا، مِدْرَارًا. قال: «وَقَارًا: عظمة». ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾، أي: ما لكم لا تعظمون الله عز وجل. وهذا جاء عن ابن عباس كما ذكره البخاري. «وَقَارًا: أي عظمة». قاله سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. قال: «ما تعرفون لله حق عظمته». فربنا جل وعلا لا بد أن يعظمه المسلم حق تعظيمه. فلذا قال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. فالواجب... ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾، لأنه أولًا هو الذي خلقه، وهو الذي سخر له ما في السماوات وما في الأرض. فلذا الواجب أن يعظمه حق تعظيمه، حق قدره، ما قدر الله حق قدره. ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. فهذا هو حق للتعظيم، وأهل للتعظيم جل وعلا، لأن كل ما في هذه الحياة هو ملكه جل وعلا، وتحت يده وتصرفه سبحانه وتعالى، فهو حق بالتعظيم جل وعلا. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾، ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. فالله عز وجل دائمًا يستدل بهذه المخلوقات العظيمة على توحيده، وعلى تعظيمه جل وعلا، وأنه هو الذي يستحق العبادة جل وعلا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخر الآيات. فيستدل بها على أنه يستحق العبادة جل وعلا، وكذلك على أن الناس يرجعون إليه، فهو يخلق كل شيء وينشئه، فهو قادر على أن يعيد الخلق، مادام أنه قد خلق وبدأ ونشأ. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. فهو الذي خلق من العدم، فلا شك ولا ريب أنه يقدر أن يخلق الشيء الذي قد خلق وقد كان شيئًا، لأنه قد خلقه من العدم. فلذا يذكر ربنا جل وعلا هذه الأشياء لأمرين عظيمين: لتوحيده جل وعلا، وأنه يستحق العبادة، وكذلك لإثبات أن الناس يرجعون إليه، وأنهم يبعثون إليه. وليس كما يظنه بعض المعتزلة، وكذلك أيضًا بعض الإخوان المسلمين، فيظنون أن ذكر هذه المخلوقات لأجل إثبات أن الله هو الخالق. وهذا غلط وخطأ. ربنا جل وعلا لا يذكر هذه المخلوقات لأجل أن يعرف الناس أنه الخالق، مثل ما قاله الزنداني في التوحيد: «الخالق». هذا من الخطأ. وكذلك كان عند المعتزلة، وعند الأشاعرة. لكن أهل السنة يعلمون أن هذه المخلوقات التي يذكرها الله عز وجل لأمرين أساسيين: لتوحيده جل وعلا، وإثبات عبادته، أو إثبات ألوهيته سبحانه وتعالى، وإلزامهم بها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. وكذلك أيضًا لإثبات البعث، وإقامة الحجة على المشركين في إنكارهم البعث والنشور. وأما أنه هو الخالق جل وعلا، فهذا شيء تقره الفطر. ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله. فغالب البشر يعلمون أن خالقهم هو الله، إلا من استكبر وجحد، واستيقنتها أنفسهم وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا. فالكفار يعلمون أن الله عز وجل هو خالقهم، لكن لأجل الكبر الذي في قلوبهم، وكذلك السيطرة على الناس، تجد أنهم ينكرون أن الله عز وجل هو الذي خلقهم، أو ينكرون وجود الله جل وعلا، كما قال ذلك الطاغي، يا فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فإن شاء الله تعالى ننكر بهذا، والله تعالى شكرًا لكم.