الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 259، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع رواية الإمام البخاري لسورة الجن مع بيان رجال الإسناد، ويناقش سبب النزول المرتبط بمنع الشياطين من استراق السمع وإرسال الشهب عليهم في السنة العاشرة من البعثة.
بعد بعثة النبي مُنع الجن من استراق السمع، فانطلق وفد من جن نصيبين فسمعوا القرآن عند نخلة وآمنوا، وتختلف الروايات حول قراءة النبي عليهم بين إثبات ابن مسعود ونفي ابن عباس.
يتناول المقطع رواية عبد الله بن مسعود لحادثة ليلة الجن حيث حضر مع النبي لكن لم ير الجن، ويبين اختلافها عن رواية ابن عباس مع ترجيح تعدد القصص أو وحدتها.
يوضح المقطع أن المستمعين كانوا من اليهود بدليل ذكرهم موسى، وأن الحادثة قد تكون نفسها التي رواها ابن مسعود ووقعت بعد رحلة النبي إلى الطائف.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «سورة قل أوحي إلي»، أنا هكذا سماها البخاري، وفي أكثر المصاحف موجودة «سورة الجن»، وهكذا أيضًا الترمذي في جامعه سماها «سورة الجن». قال ابن عباس: «لبداء» أي أعوان، «لبداء» أعوان، أنا تفسير كلمة «لبداء». قال: «باب: حدثنا موسى بن إسماعيل»، وهو أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري، وهو من حفاظ أهل البصرة، من أصحاب حماد بن سلمة، فغالبًا إذا قال موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد، فهو حماد بن سلمة، وقد روى أيضًا عن حماد بن زيد، لكن يعد من تلاميذ حماد بن سلمة، ممن يعرف ويميز به حماد بن سلمة. قال: «حدثنا أبو عوانة»، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري البصري، كان عبدًا لرجل من قريش ثم أعتق، وهو من أهل الحديث وعالم، وكان في عبوديته، كان في ملك اليمين، لكن بعد ذلك أعتق. قال: «عن أبي بشر»، وهو جعفر بن أبي وحشية بن أبي إياس، جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وهو كوفي. قال: «عن سعيد بن جبير»، وهو أبو محمد الكاهلي، إمام من أئمة المسلمين، وهو الذي قتله الحجاج، ولم يدم بعده إلا قليلًا، أي الحجاج مات بعده بخمسة عشر يومًا. قال: «عن سعيد بن جبير»، والقصة المشهورة التي ذكرت، ليس كلها صحيحة، عن قصة سعيد بن جبير مع الحجاج، ليست كلها صحيحة، وإنما ذكرها السمرقندي في بعض كتبه، وهو ممن يضع الحديث ويضع القصص. قال: «عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ»، وهذه السورة، أو هذا الظاهر، ما يبين أن هذه السورة مكية، وهي بالاتفاق على أنها كلها مكية، وعدد آياتها ثمان وعشرون آية عند الجميع. قال: «وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب»، هذا قول بعض أهل العلم وأهل التفسير، وذكر أيضًا ابن إسحاق في سيرته أن هذا كان بعد أن عرض النبي صلى الله عليه وسلم دعوته على أهل الطائف، وعلى ثقيف، ثم خرج من عندهم وهو مهموم، مهموم عليه الصلاة والسلام، بعدها جاء موسم الحج، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه إلى سوق عكاظ، وهذا الظاهر يكون في السنة العاشرة، في السنة العاشرة من البعثة، قبل الهجرة بثلاث سنوات. قال: «وأرسلت عليهم الشهب»، معنى «وأرسلت على الشياطين»، وأننا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا، فلما حيل بينهم، حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، تعجبت الشياطين، فقالوا: لا بد أن هناك نبأ حصل، فلهذا قالوا: انتشروا في الأرض. قال: «فقالوا: ما لكم؟» فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، أنا هناك شيء حدث حال بينكم وبين خبر السماء، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث. فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء، وهذا يدل على أنهم كانوا قد تعودوا أنهم يأخذون خبر السماء بدون ما يعارضهم شيء، فالله عز وجل لا يرسل عليهم الشهب، لكن بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أرسل عليهم الشهب. قال: «فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة»، وتهامة: كل ما كان من مكة وجنوبها يسمى تهامة، لأن ما كان عن يمين مكة أو عن جنوب مكة كله يسمى تهامة؛ لأنها سهل، والعراق، وكذلك أيضًا ما كان عن طريقها يسمى نجدًا، أن نجد الشيء المرتفع، والتهامة ما كان سهلًا، فلهذا مكة وما كان من جنوبها كله يسمى تهامة. قال: «فتوجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة»، لكن اشتهر تهامة أكثر شيء على الحديدة وما حولها. قال: «نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر»، أنا صلى بهم في الطريق. قال: «فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء»، وهناك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، وأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: «إنما أوحي إليه قول الجن»، أنا لما قالوا هذا الكلام، ذكره الله عز وجل، فالله عز وجل ذكر لنبيه أن هؤلاء الجن جاءوا وسمعوا القرآن، وذهبوا إلى قومهم، وقالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به. وهذه القصة التي حصلت، أن هؤلاء هم جن نصيبين، ناحية كانت في الحجاز تسمى نصيبين، وكان الجن هؤلاء منهم، وكانوا متجهين إلى تهامة. وهل المراد بهذا القصة غير القصة التي ذكرها ابن مسعود؟ لأنه قد جاء أنهم دعوا النبي عليه الصلاة والسلام، بل جاء في رواية مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام انطلق معهم، انطلق مع هؤلاء الجن وأسمعهم القرآن، وجاء في رواية في حديث ابن عباس أنه قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن، ولا رآهم، هو ما رآهم، لكن هنا ابن عباس ينفي قراءته، ولكن في حديث عبد الله بن مسعود في صحيح مسلم أنه قرأ على الجن، أنه قال: كنت معنا، جاء الجن، أتاني داعي الجن، فانطلقت معه، فقرأت عليه القرآن. فهذا إما أن يكون هذه القصة متعددة، ليست نفس القصة، لأنه قد جاء أيضًا عند أحمد، وعند ابن عاصم، وغيرهم بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الجن، في الليلة التي التقى النبي صلى الله عليه وسلم بالجن، وقرأ عليهم القرآن، وذكر ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام عمل له دائرة، عمل له دائرة، وقال له: قف هنا، لا تتحرك. قال: فوقفت مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فكأني أحس أن أحدًا يمر بين يدي، يعني كأن الجن جاءوا من كل مكان حتى يسمعوا القرآن. فابن مسعود لما أنكر أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى الجن، لأنه لم يرهم ابن مسعود، وإنما كان معه، لما سأله علقمة كما في البخاري: أكنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: نعم، فهو معه، لكنه لم يره، وأيضًا جزم بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرى الجن، وإنما قرأ عليهم، أي لم يرى أشكالهم. فالظاهر هذا، وهل هي نفسها القصة التي ذكرها ابن عباس؟ لأن ابن عباس ما حضر هذه القصة، أن ابن عباس كان في ذلك الوقت صغيرًا جدًا، أو أنه لم يخلق، يعني هنا ذكروا أنه ولد قبل البعثة، أو قبل الهجرة بأربع سنوات، ومنهم من قال بخمس، فسيكون في ذلك الوقت صغيرًا، لم يزل ابن سنة أو سنتين، لكن تلقاها عن الصحابة الكبار الذين كانوا يأخذون عنهم، وممن حضر هذه الحادثة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فهو أعلم من ابن عباس في هذا. فالمهم: قد يكون المراد به التعدد، أو أن القصة واحدة، وأن الجن بعدما سمعوا القرآن في الصلاة، في صلاة الفجر، جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبروه أنهم جاءوا ليسمعوا، فانطلق معهم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان معه ابن مسعود، لكن لم يجعل ابن مسعود يجلس معه، وإنما خط كما قلنا له خطًا، فقال: لا تبرح مكانك، أي لا تتحرك من مكانك. هذا قال ابن مسعود: فجلست في ذلك المكان حتى جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فكان ابن مسعود معه، لكنه لم يحضر مجلس الجن، وقرأ النبي عليه الصلاة والسلام على الجن، وسمعوا، سمعوا أي الجن كلام الرب جل وعلا، وذهبوا إلى قومهم منذرين، قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ومعنى صاروا يدعون قومهم إلى هذا الخير، فأسلم كثير من جن نصيبين، ثم أسلم أيضًا كذلك كثير من الجن الذين في المدينة، بعدما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وانتشرت الدعوة في الجن، أي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان منهم يهود، لهذا قال: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، ذكروا موسى ولم يذكروا عيسى، تدل على أنهم كانوا من اليهود، فلهذا فهذه الحادثة حصلت مع الجن، وقلنا: قد تكون نفسها الحادثة التي حكاها ابن مسعود رضي الله عنه، وهذه الحادثة حصلت بعد الطائف، كما ذكر ابن إسحاق رضي الله عنه. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.