كتاب التفسير من صحيح البخاري 244

كتاب التفسير من صحيح البخاري 244

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 244، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تسمية سورة التحريم واختلاف الروايات فيها

يتناول المحور اختلاف الروايات في تسمية السورة بين (التحريم) و(ألم تحريم) وتسميتها أيضاً بسورة النبي، مع بيان أنها مدنية عند الجمهور. كما يستعرض إسناد حديث تفسير أول آية فيها.

مناقشة أسانيد الحديث وتفسير آيات التحريم

يناقش المحور نقد أسانيد الحديث وتمييز رواة البصرة كهشام الدستوائي لضبطهم الكتب. ثم يشرح سبب نزول آيات سورة التحريم المتعلقة بتحريم النبي ﷺ ما أحل الله له، وقول ابن عباس بوجوب كفارة اليمين.

حكم التحريم على النفس وهل يعد يميناً مكفراً

يستعرض المحور خلاف العلماء في اعتبار تحريم الشخص شيئاً على نفسه يميناً يلزمه كفارة، مستدلين بقصة النبي مع العسل وقول ابن عباس. ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية التفصيل بحسب النية: إن نوى اليمين وجبت الكفارة، وإن نوى التحريم وجبت التوبة فقط.

كفارة من حرم على نفسه شيئاً ثم تراجع

يبيّن المحور أن من حرم على نفسه أمراً ثم رجع عن تحريمه، فالأحوط والأولى أن يكفر كفارة يمين. ويشير إلى أن هذه الخلاصة ستُفصّل في الحديث القادم المرتبط بسبب نزول الآية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب سورة التحريم، بسم الله الرحمن الرحيم. عندكم هكذا: سورة التحريم أو المتحرم؟ ففي رواية أبي ذر الهروي عن الكشميهني عن رواية أبي ذر عن الفربري، أو عن الكشميهني عن الفربري: (ألم تحريم)، (ألم تحريم)، يعني هكذا تقرأ: (ألم تحريم). وأكثر روايات عن الفربري: سورة التحريم، وهي الموجودة في المصاحف. والله أعلم من أين جاء أبو ذر، من أين جاء أبو ذر بهذه التسمية: (ألم تحريم). والمشهور هو التحريم: سورة التحريم. وسميت أيضا بسورة النبي، كما ذكر السيوطي في الإتقان؛ سماها بعضهم سورة النبي لأنها تبدأ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾. وهي اثنتا عشرة آية في قراءة القراء، ما أذكر في قراءة أبي عمرو. طيب، غالبا صاحب التحرير يذكرها، ابن عاشور في التحرير والتنوير يذكر عدد الآيات عند القراء. طيب. قال: قال: باب سورة التحريم، بسم الله الرحمن الرحيم. وأيضا هنا ظهر أن بعض الرواة تصرفوا، وإلا فهذه الموجودة النسخة الآن، الموجودة عند أكثر الناس، التي تطبع وتدرس، وأيضا هي منشورة بين الناس، هي رواية أبي ذر. فقد يكون تصرف بعض الرواة أو بعض الكتاب الذين يكتبون، وإلا ففي رواية أبي ذر: سورة (ألم تحريم). ولهذا الحافظ ابن حجر يقول: كذا لأبي ذر، ولغيره: التحريم. ولم يذكروا البسملة، أن البسملة مذكورة في رواية أبي ذر، وأيضا: سورة (ألم تحريم). قال: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وهذه السورة سورة مدنية، سورة مدنية على قول جماهير العلم، إلا أن قتادة يقول: إن الآية العاشرة منها مدنية. ولا شك أنه إذا كانت العاشرة منها مدنية تتبعها الآيتان اللتان بعدها؛ لأنها في سياق واحد: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ﴾ إلى آخر السورة. لكن الذي قال به أكثر العلماء والسلف أنها كلها مدنية. قال: باب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: حدثنا معاذ بن فضالة، ومعاذ منتقى من أهل البصرة. قال: حدثنا هشام عن يحيى. هشام عن يحيى: من هشام ومن يحيى؟ هو مذكور في الحافظ في الشرح: ابن أبي عبد الله. يتسوى هشام هو يحيى أبو نصر، يحيى بن أبي كثير، أبو نصر اليمامي. هشام: إذا رأيت هشامًا عن يحيى فهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير. وهشام عن قتادة أيضا دستوائي. وهشام عن عروة: هشام بن عروة. وهشام عن ابن جريج ومعمر: هو قاضي صنعاء، هشام بن يوسف، كما سيأتي في الإسناد الذي يأتي بعد، أو الحديث الذي يأتي بعد. وسيأتي سبب نزول هذه الآية، أو أقصد: هذه، أو بداية هذه السورة. فهشام غالبا هكذا: إذا كان بعده يحيى فهو هشام هو الدستوائي، وكذلك قتادة. وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي يعتبر من أشدّ ومن أحفظ أهل البصرة، حتى أن الإمام أحمد كان يرجحه في يحيى وفي قتادة، إذا خالف حتى سعيد بن أبي عروبة وشعبة يقدم هشام. لماذا يقدم هشام؟ ليس لأجل كثرة حفظه، فشعبة لا شك أنه خير من ألف من مثل هشام، لكن هشام كان عنده كتاب يضبطه، كان ضابطًا للكتاب. لهذا قال الإمام أحمد: قال هشام عنده كتاب ويضبط هذا الكتاب. أهل البصرة تميزوا بضبط الكتب، أهل البصرة من حفاظ أهل البصرة تميزوا بضبط الكتب التي معهم. ولهذا كان حديث أهل البصرة أفضل الأحاديث، خاصة في زمن أتباع التابعين، ورحل الناس إليهم من كل مكان. وانظر إلى محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، ابن بشار لم يخرج من البصرة طاعة لأمه وبرًا بها، فيسر الله عز وجل له رواية أولئك إلى أمه، أهل البصرة التي ضبطت ضبطًا عظيمًا، فجاء، جاءه الناس من كل مكان، فابن بشار يروي عنه خمس طبقات من طبقات العلماء، حتى احتاج إليه مشايخه، وهذا لضبط أهل البصرة للأحاديث. قال: حدثنا هشام عن يحيى عن ابن حكيم، وهو يعلى بن حكيم، وهو بصري كذلك. قال: عن سعيد بن جبير. سعيد بن جبير بصري؟ هو هل سعيد بصري؟ سعيد في البصرة؟ سعيد بن جبير في الكوفة، سعيد، سعيد بن جبير في الكوفة، لكن هو أصلًا من أهل الجزيرة، لكن سكن في الكوفة، وأكثر وقته كان في مكة عند ابن عباس. قال: عن سعيد بن جبير أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الحرام يكفر، أو قال: يكفر. وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ومعنى الكلام: أي فيمن حرم على نفسه شيئًا أحله الله، فهل عليه كفارة يمين أو لا؟ الله عز وجل هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. فهذه الآية لم يذكر الله عز وجل أن النبي عليه الصلاة والسلام حلف، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. مع أن ليس في الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف، حتى في الحديث ليس فيه إلا في بعض الروايات المختلف فيها، وإلا في الحديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى معنا في الحديث الذي بعد هذا: لم يحلف النبي عليه الصلاة والسلام، إنما قال: «فلا أعود له»، أي أراد العسل الذي شربه عند زينب بنت جحش، فقال: «لا أعود له» أو «لا أعود له»، فسماه الله عز وجل يمينًا. فلهذا اختلف العلماء في مسألة التحريم: إذا حرم الإنسان على نفسه شيئًا لم يحرمه الله عز وجل عليه، أنا قال: «لا آكل كذا» أو «حرام علي كذا» أو حرم زوجته على نفسه أو حرم طعامًا على نفسه وهو حلال له، فلم يحنث، أو أنه رجع إلى أو تراجع عن حلف، عن هذا التحريم، تراجع عن هذا التحريم. إن استمر في التحريم على نفسه فليس عليه كفارة، لكن إن لم يستمر وأراد التراجع، فمثلا يحصل كثيرًا أن بعض الناس مثلا يقول: «حرام علي زوجتي إن فعلت كذا» أو «تحرم علي زوجتي إن فعلت كذا»، فهل هذا يعتبر يمينًا؟ فهذه المسألة التي حصل فيها الخلاف. فمن العلماء من جعلها يمينًا، جعل التحريم يمينًا، وهذا قول ابن عباس الذي قصده هنا، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وبعض العلماء يقول: أنه لا يكون يمينًا إلا إذا حلف، إذا قال: «والله لا آكل هذا الشيء» أو «والله لا» أو «والله زوجتي علي حرام»، فهنا يعتبر يمينًا عند كثير من العلماء. والظاهر كما قال ابن عباس: أن التحريم يمين؛ لأن الله عز وجل لم يذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام حلف، وإنما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، والروايات الصحيحة أيضا في الحديث ليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يشرب العسل، فلهذا فالصحيح أن من حرم على نفسه شيئًا فهو يمين، فهو يمين يكفرها. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فصل أيضًا تفصيلًا آخر، قال: إن كان نيته اليمين وجاءت على وجه التهديد فهو يمين يكفرها، وإن كان ليس على نية اليمين وإنما على نية التحريم فالواجب أن يتوب إلى الله، أن يتوب إلى الله لأنه حرم على نفسه شيئًا لم يحرمه الله عز وجل عليه، وفيه أيضًا عدم اتباع النبي عليه الصلاة والسلام والرغبة عن سنته. واستدل رحمه الله بحديث أنس في الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فقال لهم: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم. وهذا أصلًا تحريم، لكن لم يأت بلفظ التحريم، لم يأت بلفظ التحريم، لكن المراد به تحريم. فالأولى والأحوط في هذه المسألة: أن من حرم على نفسه شيئًا ثم تراجع في هذا الحلف أو في هذا، أقصد التحريم، فالاحتياط أنه يكفر كفارة يمين، يكفر كفارة يمين. فهذا خلاصة ما يذكر، وإن شاء الله تعالى سبب هذه الآية يكون فيها الحديث الذي بعده، فنكتفي بهذا.