الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 7، الدرس السابع:من( باب ما جاء في الذبح لغير الله ... باب من الشرك النذر لغير الله ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأول حديث طارق بن شهاب حول رجلين أحدهما دخل الجنة والآخر النار بسبب تعاملهما مع صنم، بينما يتناول المقطع الثاني تحليل حديثين نبويين حول تأثير الشرك والكفر على الأعمال.
يتناول المقطع الثاني تحليل حديثين نبويين، الأول عن رجلين مرا على قرية كافرة والثاني عن نذر رجل أن ينحر إبلا، ويُستخلص أهمية نية القلب وتأثير الشرك حتى لو كان بسيطا.
يشرح المقطع الثالث النذر وأحكامه، حيث يُعرّف النذر بإلزامه العبد نفسه بقربة غير لازمة، ويُبيّن شرعية الوفاء بالنذر إذا كان طاعة لله مع تحريم الوفاء بنذر المعصية أو الشرك.
يتضمن المقطع الأخير الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه والتسليم، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا﴾ أَمَّا بَعْدُ، نَزَلْنَا فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَنَجْعَلُ مَعَنَا مَسْأَلَةً سَرِيعَةً مُتَعَلِّقَةً فِي أَمْرِ الذَّبْحِ وَالآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْبَابِ. ثُمَّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «دَخَلَ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ»، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُ. قَالُوا: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا. فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ. وَقَالَ لِلْآخَرِ: قَرِّبْ. قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. أَوْرَدَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا. وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي مَتْنِهِ وَذِكْرِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ مَسَائِلَ، نَنْتَقِلُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِصِحَّتِهِ. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ عِلَلٌ. مِنْ عِلَلِ هَذَا الْحَدِيثِ: سَمَاعُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ طَارِقًا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ عَنْعَنَةُ الْأَعْمَشِ. وَالْعِلَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. فَقَالُوا: فَلَعَلَّ مَنْ رَفَعَهُ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ الْقِصَّةَ، فَالْحَدِيثُ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ثَابِتٌ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي رَفْعِهِ. وَمَدَارُ الْقِصَّةِ عَلَى رَجُلَيْنِ مَرَّا عَلَى قَرْيَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَكَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ لَهُمْ صَنَمٌ يُعَظِّمُونَهُ، وَبَلَغَ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ إِيَّاهُ أَنَّهُ لَا يَمُرُّ أَحَدٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمُرَّ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِلَّا أَنْ يُقَرِّبَ شَيْئًا لِهَذَا الصَّنَمِ. فَطَلَبَ مِنْهُمَا أَهْلُ الْقَرْيَةِ أَنْ يُقَرِّبَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَرَّبْتُ ذُبَابًا. فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، وَقَتَلُوا الْآخَرَ لِأَنَّهُ رَفَضَ أَنْ يُقَرِّبَ. فَحُكِمَ فِي الْآثَارِ أَنَّ الَّذِي خُلِّيَ سَبِيلُهُ دَخَلَ النَّارَ، وَذَاكَ الَّذِي قُتِلَ دَخَلَ الْجَنَّةَ. هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِيهِ مَسَائِلُ، مِنْهَا: بَيَانُ أَنَّ الشِّرْكَ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا فَهُوَ مُضِرٌ. وَفِيهِ: بَيَانُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعَمَلِ هُوَ مَا فِي الْقَلْبِ. وَبَقِيَ هُنَا إشْكَالٌ يُذْكَرُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِ رَبِّنَا جَلَّ وَعَلَا: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ». فَدَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَكَفَرَ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَضُرُّهُ. قَالَ مُؤَلِّفٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ لَا يُذْبَحُ لِلَّهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. قَالَ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا». هَذِهِ الْآيَةُ جَاءَتْ فِي السِّيَاقِ نَهْيِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ ضِرَارٍ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوانَةَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ». وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَكَانًا مِنْ الْأَمْكِنَةِ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ جَلَ وَعَلَا، لَا يُذْبَحُ فِيهِ. وَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟». قَالَ مُؤَلِّفٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابٌ مِنْ الشِّرْكِ النَّذْرُ لِغَيْرِ اللَّهِ. النَّذْرُ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ: هُوَ إلْزَامُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِقُرْبَةٍ غَيْرِ لَازِمَةٍ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ، بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَمْتَدِحُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا الَّذِينَ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَمْتَدِحُ هَؤُلَاءِ، إِذَنْ يَمْتَدِحُ الْفِعْلَ، وَمَدْحُ الْفِعْلِ يَسْتَغْرِقُ مَدْحَ الْفَاعِلِينَ فِيهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ». وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّذْرِ. قَالَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ». وَالطَّاعَةُ هِيَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ. وَقَالَ: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ». وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً، فَهَذَا لَا يُوفِي بِهِ، وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَّارَةِ فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ الشِّرْكِيِّ وَنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ: أَنَّ النَّذْرَ الشِّرْكِيَّ أَصْلُهُ لَيْسَ لِلَّهِ، بَلْ لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ: فَهُوَ أَصْلُهُ لِلَّهِ، لَكِنَّهُ مُصَاحِبٌ لِمُخَالَفَةٍ. وَنَذْرُ الشِّرْكِ لَا يَنْعَقِدُ، وَلَا تَقُومُ بِهِ كَفَّارَةٌ، بِخِلَافِ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ. وَقَدْ يَتَسَاءَلُ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ اللَّهَ يَمْتَدِحُ أَهْلَ النَّذْرِ، وَبَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ». وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ، وَمِنْ أَقْوَى أَوْجُهِ الْجَمْعِ: أَنْ يُنَزَّلَ النَّهْيُ عَلَى نَذْرِ الْمُجَازَاةِ، وَالْمَدْحُ عَلَى النَّذْرِ الْمُطْلَقِ. أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى الْبَدْءِ فِيهِ، وَالْمَدْحُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.