كتاب البيوع 44

الدرس في كتاب البيوع 44، ألقاها

شرح حديث مطل الغني وظلمه

يشرح المقطع الأول معنى مطل الغني في اللغة والشرع، ويبين أن الغني هو القادر على أداء الدين. يوضح أن مطل الغني ظلم وقد يصل إلى حد الفسق إذا توافرت شروط معينة.

تفسير حديث إذا أتبع أحدكم على مليء

يناقش المقطع الثاني معنى حديث إذا أتبع أحدكم على مليء، ويشرح مدلولات الألفاظ الواردة فيه، ويبين آراء الفقهاء في مسألة مطل الغني وظلمه ومفهوم الحوالة في الفقه الإسلامي.

مسائل فقهية متعلقة بالحوالة ومطل الغني

يتناول المقطع الثالث مسائل فقهية مستنبطة من حديث الحوالة، منها استحباب الاحتيال لمن أحيل بحقه وبراءة المحيل عند رضا المحال عليه والزجر عن مطل الغني.

ختام بالذكر ودعاء

يتضمن المقطع الرابع ذكر الله تعالى والاستغفار والتوبة إليه، حيث يذكر المتحدث تسبيح الله وتمجيده والاعتراف بتوحيده ثم يطلب المغفرة والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب البيوع، من باب الرهن وغيره: قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». قوله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم»، قوله «مطل»: قالوا: من «مطلت الحديدة» أمطلوها بطلا إذا مددتها لتطول، قاله ابن فارس في "مقاييس اللغة". وقال الأزهري في "تهذيب اللغة": المطل: المدافعة، والمراد به هنا، أي في هذا الحديث: تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، فهو إذا بالمعنى الشرعي موافق للمعنى اللغوي، إلا أنه كما مر، معنى مراد أن المعنى الشرعي يقيد المطلق أو يخصص العام بذكر بعض الشروط والضوابط فيه. فالمطل كما ذكر: من تطويل المدة، كما ذكر ابن فارس، وإما من المدافعة، وهذا هو معنى قول الفقهاء في مطل الغني: المراد به هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، تطويل المسافة، ويحاول دفع صاحب المال تارة بأمر وأخرى بأمر آخر، وهكذا. قوله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم»، الغني: مختلف في تفريعه، أي في هذه المسألة خاصة، ولكن المراد به هنا: المراد به هنا، أي في الحديث: من قدر على الأداء فأخره، ولو كان فقيرا، يعني: يدخل في الغني ليس الغني الذي عنده أموال، بل يدخل في الغني من كان فقيرا أيضا، ولكنه قادر على الأداء، قادر على الأداء، ولكنه مطل، يسمى غنيا. قالوا: وهل يتصف بالمطل من ليس القادر الذي استحق عليه حاضرا، أو استحق عليه حاضرا عنده، ولكنه قادر على تحصيله بالتكسب مثلا؟ قالوا: أطلق الشافعية عدم الوجوب، أي أن هذا لا يجب عليه، وصرح بعضهم بالوجوب مطلقا، أي قالوا: يجب عليه مطلقا، بدون تفصيل، وفصل آخرون بين أن يكون أصل الدين وجب بسبب يعصي به، فيجب، وإلا فلا. قوله: «مطل الغني ظلم»، قالوا: هو من إضافة المصدر للفاعل، «مطل الغني»: قالوا: هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى: أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز. وقيل: هو من إضافة المصدر المفعول، والمعنى: أنه يجب وفاء الدين، ولو كان مستحقه غنيا، ولا يكون غناه سببا لتأخير حقه عنه. قولهم: «وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»، قالوا: «فليتبع»: المشهور في الرواية واللغة، كما قال النووي: إسكان المثناة في «أتبع»، يعني في «إذا أتبع»، وفي «فليتبع»، قالوا: وهو البناء للمجهول، «أتبع»: البناء المجهول، مثل: إذا أعلم فليعلم. قال الحافظ: ما ادعاه من الاتفاق على «أتبع» يرده قول الخطابي: بأن أكثر المحدثين يقولونه بتجديد التاء، والصواب بالتخفيف، بمعنى أن قول جمهور أهل اللغة والرواية يروونه بالتخفيف، وبعض المحدثين يروونه بالتجديد، باللفظين: «أتبع»، «فليتبع»، والتخفيف أجود. قوله: «مليء»، إذا أتبع أحدكم على مليء، قالوا: والملئ بالهمز مأخوذ من الملاء، يقال: ملأ الرجل، بضم اللام، أي صار مليا. والحديث أصل في باب الحوالة، والحوالة بفتح الحاء، وقد تكسر، وحقيقتها عند الفقهاء: نقل دين من ذمة إلى ذمة، أي تسمى حوالة. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في "المغني": وصحيح أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس بمحمول على غيره. في الحديث عدة مسائل، فنأخذ منها بإذن الله عز وجل في هذا الدرس ما تيسر، ونؤخر المسائل الأخرى إلى الدرس اللاحق بإذن الله عز وجل. أولى هذه المسائل: هل يجب على من أحيل بحقه على مليء أن يحتال؟ ذهب الجمهور إلى أن هذا الأمر على سبيل الاستحباب لا الوجوب. مسألة أخرى: من أحيل بحقه على من عليه مثل ذلك الحق، فرضي، فقد برئ المحيل أبدا. مسألة ثالثة في الحديث: الزجر عن مطل الغني، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مطل الغني ظلم»، وجاء في خارج الصحيحين: «يحل عرضه وعقوبته»، عرضه: أن يصير عرضة للكلام فيه، نقول: يا ظالم، اتق الله، يا خائن، وما شابه ذلك، ومن حيث العقوبة: أنه يرفع إلى الحاكم فيستحق التأذيب والتعزير إن امتنع. واختلف هل يعد فعله عمدا كبيرة أم لا، الجمهور على أن فاعله يفسق، لكن هل يثبت فسقهم بمطله مرة واحدة أم لا؟ قال النووي رحمه الله: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، ورده السبكي بأن مقتضى مذهب الشافعية عدمه. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الفتح": والذي يشعر به حديث الباب التوقف على الطلب، أي إذا لم يطالب لا يكون ظالما. ويدخل في المطل كل من لزمه حق، كالزوج لزوجته، والسيد لعبده، والحاكم لرعيته، وبالعكس. استدل بهذا الحديث على أن العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم، وعلى أن الغني الذي ماله غائب عنه لا يدخل في الظلم. وقال الشافعي رحمه الله: لو جاز مؤاخذة العاجز لكان ظالما، والفرض أنه ليس بظالم لعجزه. واستدل به أيضا على أن الحوالة إذا صحت، ثم تعذر القبض بحدوث حادث كموت أو فلس، لم يكن للمحتال الرجوع إلى المحيل. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وآتوب إليك.

شاركنا على